If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ظل القرآن النبع الذي استقى منه عبد السلام ياسين منذ صباه، أصول البناء الذاتي قلباً وعقلاً وإرادةً، وبناء مشروع منقذ للأمة علماً وعملاً وجهاداً، كما كان حريصاً على اتباع السنة النبوية فهماً واقتداء وتطبيقاً. فكان شغوفاً بطلب العلوم من مصادرها المتنوعة، وبالمطالعة المتواصلة للكتب والمؤلفات سواء في بيته أو سجنه، في حله أو ترحاله، قال ياسين:«أما اطلاعي فهو اطلاع شاب ثم رجل قرأ من الكتب، أخذ من الكتب ومن الواقع مباشرة. فالأسس المتينة التي أخذتها عن أساتذتي في المدرسة الأولى، مدرسة السيد المختار السوسي رحمه الله لم يكن لي به اتصال مباشر إلا مرتين أو أقل في حياتي، ولكن بواسطة تلامذته كان التكوين الذي كوناه يومئذ ونحن في صبانا، تكوينا متيناً. فأنا أعتبر أن هؤلاء، رحمهم الله وجزاهم عنا خيراً، هم الذين أرسوا قواعد تفكيري وقواعد تعاملي مع اللغة العربية، ومع الدين، مع احترام الإسلام، واحترام القرآن، واحترام السنة، واحترام المحترمات الدينية.أما اطلاعي على الأشياء الأخرى فلست بمُستطيع أن أحصر ما قرأته من كتب، وقد طالعت كثيراً كثيراً كثيراً من فلسفة وإيديولوجيات وماركسية وتاريخ ويطول هذا.»
واسترشاداً بالقرآن والسنة النبوية، وبناء على قراءة فاحصة للتراث الاجتهادي لعلماء الأمة، وللنظريات والمشاريع الفكرية والسياسية الأجنبية، كانت تآليف الإمام المجدد عبد السلام ياسين في نظرية المنهاج النبوي بمجالاتها التربوية والعلمية والتاريخية والفقهية والفكرية والسياسية، معيناً لا ينضب ومورداً ملهماً وموجهاً لكثير من أبناء الأمة في التفاعل مع همومها وحاجاتها المتجددة في الزمان والمكان، وقد بدأ الإمام المرشد مسيرة التأليف بالكتابة في موضوعات بيداغوجية وتعليمية، كان منها: كيف أكتب إنشاء بيداغوجياً (1962) ومذكرات في التربية (1963) والنصوص التربوية (1963).
ثم شرع في إصدار المؤلفات العلمية والدعوية بدءاً بكتابي الإسلام بين الدعوة والدولة (1972) والإسلام غدا (1973) اللذين وضعا أسس ومنطلقات مدرسة المنهاج النبوي ثم كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيماً وزحفاً (1982) الذي تضمن المعالم الكبرى لهذه المدرسة من خلال تقديم تصور تربوي وتنظيمي وسياسي للعمل الإسلامي في زمن الفتنة (زمن الحكم العاض والحكم الجبري بما رافقهما من معاني البغي والاستبداد وسلب الحقوق ومحاربة العلماء والدعاة المجاهدين) ثم جاءت كُتب أخرى تفصل مفردات هذا التصور في مختلف المجالات، مثل: كتاب الإسلام والقومية العلمانية (1989) الذي يتناول الموقف من النزعة القومية وما جنته على الأمة، ومن الأطروحة العلمانية ثم كتاب نظرات في الفقه والتاريخ (1989) الذي يبسط النظرة إلى تاريخ المسلمين وعلاقته بتطورات الفقه الإسلامي ثم كتاب تنوير المؤمنات في جزأين (1996) الذي عرض فيه الإمام ياسين موقع المرأة المُسلمة في معركة التغيير والبناء؛ بتحرر كامل من النظرة التقليدية المتزمتة والنظرة الغربية المنفلتة. كتاب الإحسان في جزأين (1998-1999) وهو عماد مشروع المنهاج النبوي بما تضمنه من تحليل عميق لما عرف بالتصوف، وتأكيد على محورية الأساس التربوي في العمل الإسلامي؛ وهو بذلك توضيح لمضامين الإحسان الشطر الثاني من شعار مدرسة المنهاج النبوي أي العدل والإحسان. كتاب العدل: الإسلاميون والحكم (2000) يمثل هذا الكتاب تنظيراً شاملاً للحكم الإسلامي وعقباته، وسبل مواجهتها، وهو بذلك توضيح لمضامين العدل الشطر الأول من شعار مدرسة المنهاج النبوي أي العدل والإحسان.
كتب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين (1994) وفي الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية (1995) والشورى والديمقراطية (1996) وحوار الماضي والمستقبل (1997) وحوار مع صديق أمازيغي (1997) فيها بسط لنظرة مدرسة المنهاج النبوي إلى عدد من القضايا والإشكالات المعاصرة مثل الديمقراطية والاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي والمسألة الأمازيغية. كتاب Islamiser la modernité الإسلام والحداثة يتضمن دراسة لإشكالية العلاقة مع الغرب وتصوراته للحداثة والعقلانية وغيرها.
ولما كانت معالم التجديد والتميز بارزة فيما خطه ياسين من كتب ودراسات ورسائل، فقد تم عقد مؤتمر علمي دولي في اسطانبول يومي 1 و 2 دجنبر 2012 شارك فيه باحثون وعلماء من جامعات ومراكز علمية من دول شتى، تناولوا فيه موضوع محورية القرآن في نظرية المنهاج النبوي، وذلك في سبع جلسات علمية اشتملت على محاور منها: نظرية المنهاج النبوي – دولة القرآن – القرآن الكريم والتزكية – المراجعات الأصولية والفقهية واللغوية في نظرية المنهاج النبوي. وبعد وفاة ياسين وتنفيذاً لإحدى توصيات هذا المؤتمر، بادر بعض الباحثين المهتمين بتراثه العلمي والتربوي إلى الإعلان عن ميلاد مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين بتركيا. لتكون مرجعاً علمياً عالمياً في التعريف بنظرية المنهاج النبوي بحثاً وتفصيلاً ودراسة، وتمكين الباحثين والدارسين من فرص الاطلاع عليها وإنجاز بحوث وتقارير علمية في جوانبها المختلفة.
كان ياسين لا يكتب بالنهار إلا قليلاً، وجل كتاباته كانت في جوف الليل أما النهار فيخصصه للقراءة وكتابة رؤوس الأقلام فقط. وكان دقيقاً في مراجعة ما يكتب، وتتبع النقط والكلمات ليخرج الكتاب خالياً من الشوائب، ولننظر في هذا القول الذي بين فيه ياسين جوانب من سياق تأليف كتاب المنهاج النبوي:«أنا فكرت طويلاً في ضرورة تقديم فكر مُنظم مُبسط جامع لما ينبغي أن يعرفه العاملون للإسلام. فكرت في هذا سنوات طويلة. وطيلة هذه السنوات ترتبت في ذهني هذه الخصال العشر، هذا الترتيب الذي ترونه، على مكث، وليست شيئاً مرتجلاً. في المعتقل الأول أخذت ما حصل عندي من كُتب الحديث، جمعتها ثم قسمتها ثم صنفتها لكي أخرج منها شعب الإيمان، وأدرجت بعدئذ هذه العناوين العشرة. وهكذا شيئاً فشيئاً اكتسب هذا التفكير المتواضع في المنهاج النبوي صورته التي تقرأونه عليها.»
ثم إن ياسين ظل حريصاً على تطوير فكره وتحصينه من التحجر والانغلاق. حيث قال:
نظم الإمام عبد السلام ياسين شعراً جميلاً عذباً مؤثراً لما تضمنه من تذكير بالله والآخرة والمصير، واستنهاض للهمم والإرادات للسير في سبيل الإحسان. فجاء شعره في حلل أسلوبية وإيقاعية متنوعة ومنسجمة. كتب الإمام في مقدمة المنظومة الوعظية قائلاً:
أبيات موزونة مقفاة أشبه شيء بنظم الفقهاء وأرجوزاتهم، لها هدف كما كان لنظم الفقهاء المعلمين هدف. نظم هدفه تنبيه نفس راقدة على وسادة الغفلة إلى لحظة موت تنتظره لا يشك فيها. يموت قريب أو عزيز فتنزعج النفس وتتأسف وتحزن وتفقد الحياة المادية ومباهجها ومشاكلها ومشتهياتها كل معنى. ثم ينسى المرء ويتناسى ويعود إلى مدرجته في الحياة. لعل هذا النوع من الخطاب المنظوم يزعجه عن مرقده. لعل الموعظة المكتسية حلة شعرية تنفذ إلى أعماق النفس. لعلها تطرق في ليل الغفلات أبواب القلب. لعلها تسري بالمستيقظ على ضربات التذكير بالآخرة من دار لدار، من حال لحال، من نمط عيش إلى حياة إيمان. وقد ألح ياسين على ضرورة التزام الأدب الإسلامي بالمضمون القرآني النبوي ليكون حاملاً لراية الدعوة إلى الله، مذكراً وموجهاً وناصحاً:
أما الدواوين الشعرية التي أصدرها فهي: