If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أوصى بك اللهُ ما أوصت بك الصُحفُ
والشـعرُ يدنـو بخـوفٍ ثم ينـصرفُ
مــا قــلتُ والله يـا أمـي بـقـافــيـةٍ
إلا وكـان مــقـامـاً فــوقَ مـا أصـفُ
يَخضرُّ حقلُ حروفي حين يحملها
غـيـمٌ لأمي علـيه الطـيـبُ يُـقتـطفُ
والأمُ مـدرسـةٌ قـالوا وقـلتُ بـهـا
كـل الـمدارسِ سـاحـاتٌ لـها تـقـفُ
هـا جـئتُ بالشعرِ أدنيها لقافيتي
كـأنـما الأمُ في اللاوصـفِ تـتصفُ
إن قلتُ في الأمِ شعراً قامَ معتذراً
ها قـد أتـيتُ أمـامَ الجـمعِ أعـترفُ
أحنُّ إلى خبز أمي
وقهوة أُمي
ولمسة أُمي..
وتكبر فيَّ الطفولةُ
يوماً على صدر يومِ
وأعشَقُ عمرِي لأني
إذا مُتُّ
أخجل من دمع أُمي
خذيني، إذا عدتُ يوماً
وشاحاً لهُدْبِكْ
وغطّي عظامي بعشب
تعمَّد من طهر كعبك
وشُدّي وثاقي..
بخصلة شعر..
بخيطٍ يلوَّح في ذيل ثوبك..
عساني أصيرُ إلهاً
إلهاً أصيرْ.
إذا ما لمستُ قرارة قلبك!
ضعيني إذا ما رجعتُ
وقوداً بتنور ناركْ...
وحبل غسيل على سطح دارك
لأني فقدتُ الوقوف
بدون صلاة نهارك
هَرِمْتُ فردّي نجوم الطفولة
حتى أُشارك
صغار العصافير
درب الرجوع...
لعُشِّ انتظارِك!
تـركـتني هـا هـنا بـين الـعذاب
تـركـتني لـلـشقا وحــدي هـنا
حـيـث لا جــور ولا بـغي ولا
حــيـث لا سـيـف ولا قـنـبل
حـيـث لا قـيـد ولا سـوط ولا
خـلّـفتني أذكــر الـصـفو كـما
و نــأت عـنّـي وشـوقي حـولها
و دعـاهـا حـاصـد الـعمر إلـى
حـيـث أدعـوهـا فــلا يـسمعني
مـوتـها كــان مـصـابي كـلّـه
أيــن مـنّي ظـلّها الـحاني وقـد
سـحـبت أيّـامـها الـجرحى عـلى
ومـضت فـي طـرق الـعمر فـمن
وانـتهت حـيث انـتهى الـشوط بها
آه " يــا أمّـي " و أشـواك الأسـى
فـيـك ودّعــت شـبابي والـصبا
كـيـف أنـسـاك وذكـراك عـلى
إنّ ذكـــراك ورائــي وعـلـى
كــم تـذكّـرت يـديـك وهـمـا
كان يـضـنيك نـحـولي وإذا
و إذا أبكانـي الـجـوع ولـم
هـدهـدت كـفـاك رأســي مـثلما
كــم هـدتـني يـدم الـسمرا إلـى
و إلى الـوادي إلـى الـظلّ إلـى
و سـواقـي الـنـهر تـلقي لـحنها
كـــم تـمـنّينا وكم دلّـلـتني
كــم بـكـت عـيـناك لـمّا رأتـا
و تـذكّـرت مـصـيري والـجوى
هــا أنــا يـا أمّـي الـيوم فـتى
أمــلأ الـتـاريخ لـحـنا وصـدى
فـاسمعي يـا أمّ صـوتي وارقـصي
هــا أنــا يـا أمّ أرثـيك وفـي
كسمكةٍ اخترقها رمح
جاءني هاتفٌ من دمشق يقول:
"أمك ماتت".
لم أستوعب الكلمات في البداية
لم أستوعب كيف يمكن أن يموت السمك كله
في وقتٍ واحد..
كانت هناك مدينة حبيبة تموت.. اسمها بيروت
وكانت هناك أمٌ مدهشة تموت.. اسمها فائزة..
وكان قدري أن أخرج من موتٍ..
لأدخل في موت آخر..
كان قدري أن أسافر بين موتين
عرفونها في دمشق باسم (أم المعتز)
وبالرغم من أن اسمها غير مذكور في الدليل السياحي
وأهميتها التاريخية لا تقل عن أهمية (قصر العظم)
ومزار (محي الدين بن عربي).
وعندما تصل إلى دمشق..
فلا ضرورة أن تسأل شرطي السير عن بيتها..
لأن كل الياسمين الدمشقي يهرهر فوق شرفتها
وكل الفل البلدي يتربى في الدلال بين يديها..
وكل القطط ذات الأصل التركي..
تأكل.. وتشرب.. وتدعو ضيوفها.. وتعقد
اجتماعاتها..
في بيت أمي..
أمي تؤمن بربٍ واحد.. وحبيبٍ واحد.. وحبٍ واحد..
قهوة أمي مشهورة..
فهي تطحنها بمطحنتها النحاسية فنجاناً.. فنجاناً..
وتغليها على نار الفحم.. ونار الصبر..
وتعطرها بحب الهال..
وترش على وجه كل فنجان قطرتين من ماء الزهر..
لذلك تتحول شرفة منزلنا في الصيف..
إلى محطةٍ تستريح فيها العصافير..
وتشرب قهوتها الصباحية عندنا..
موت أمي..
يسقط آخر قميص صوفٍ أغطي به جسدي
آخر قميص حنان..
آخر مظلة مطر..
وفي الشتاء القادم..
كل النساء اللواتي عرفتهن
وحدها أمي..
أحبتني وهي سكرى..
فالحب الحقيقي هو أن تسكر..
ولا تعرف لماذا تسكر..
كلما نسيت ورقةً من أوراقي في صحن الدار..
فتحولت الألف إلى (امرأة)..
والباء إلى (بنفسجة)
والدال إلى (دالية)
والراء إلى (رمانة)
والسين إلى (سوسنة) أو (سمكة) أو (سنونوة).
ولهذا يقولون عن قصائدي إنها (مكيفة الهواء)..
ويشترونها من عند بائع الأزهار..
لا من المكتبة...
كلما سألوها عن شعري، كانت تجيب:
" ملائكة الأرض والسماء.. ترضى عليه".
طبعاً.. أمي ليست ناقدة شعر موضوعية..
ولكنها عاشقة. ولا موضوعية في العشق.
فيا أمي. يا حبيبتي. يا فائزة..
قولي للملائكة الذين كلفتهم بحراستي خمسين
عاماً، أن لا يتركوني...
لأنني أخاف أن أنام وحدي...