If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لمّا خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وصوَّره جعله في أحسن صورة وأتمِّها، وفضَّله على جميع المخلوقات، ولم يجعله بحاجةٍ إلى التزيين والتجميل، وذلك وفق ما يَقتضيه طَبعه البشري؛ حيث إنّ البشر جُبلوا على حُبّ الجمال والتَّجمُّل، كما أنَّ الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز دعا عباده إلى التزيُّن باللباس الحسن، والاهتمام بالهندام والمظهر، لكن ذلك كان مَحصوراً بما يُوافق ما أباحَهُ الله، ولا يُخالفه إلى التَجمُّل بما فيه حُرمةٌ وانتهاكٌ محظور، كالإسراف والتبذير، أو التزيُّن بما حرّم من الزينة، قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).
التزُّين بما جَمُل من الثياب في الإسلام مَشروعٌ للرّجال والنّساء ضمن ضَوابط وحدودٍ حدَّدها الله لكلٍ منهما، فلباس المرأة يختلف في حكمه وكيفته عن لباس الرجل، إذ يُباح للرجل ما لا يُباح للمرأة، والعكس، أما الشّعر فإنّ له في الإسلام جملةٌ من الأحكام الخاصة؛ منها أن دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى العناية به والاهتمام بمظهره وشكله للرجال من خلال تسريحه وإكرامه دون مبالغة، ومن ذلك ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (منْ كان له شعرٌ فليُكْرمهُ)، وممّا اشتُهر في هذه الأيّام وفي هذا الزمان بشكلٍ عام ما يُسمّى بلبس الباروكة التي تُوضع على الرأس على أنّها جزءٌ منه، فما حُكم لبس الباروكة شرعاً؟ وهل ورد في الشرع الكريم من النصوص ما يُشير إليها صراحةً أو ضمناً؟
يقترن ذكر الباروكة بما يُعرف شرعاً بوصل الشّعر؛ حيث إنهما في النتيجة سواء، فوصل الشعر يعني إضافةُ شيءٍ من الشعر أو ما يشابهه إلى شعر الرأس، وهو ذاته ما يُقصد من الباروكة التي توضع على رأس الرجل أو المرأة، وفيما يلي معنى وصل الشعر لغةً واصطلاحاً ثم بيان المقصود بالباروكة بناءً على ذلك:
بناءً على ما مرَّ في تعريف الباروكة يَظهر أن المُراد بها وبوصل الشعر هو ذاته شرعاً؛ حيثُ لم يرد للفقهاء رأيٌ مُستقلٌ للبس الباروكة شرعاً إنّما جاء بيان حُكمها مقترناً بحكم وصل الشّعر لاقتِرانهما في المعنى والغاية فإنّ ما يُشار إليه في هذا الموضع هو حُكم وصل الشعر ويُراد منه الباروكة لما بيَّنت الدراسة من التّوافق بينهما، وفيما يلي بيان حُكم لبس الباروكة - وصل الشعر - عند الفُقهاء.
من حيث حكم وصل الشّعر في أصله فإنّ ما ذَهب إليه الفقهاء هو حُرمة ذلك اتّفاقاً، وقد استدلَّ عُلماء الفقه على حُرمة وصل الشعر لما ورد فيه من الأحاديث نبويّة، وما تَقتضيه الشّريعة الإسلاميّة عموماً من أحكام وأمور تفصيلية، بينما تباينت آراءهم فيما إذا كان هنالك سَببٌ أو غايةٌ للوصل، كأن تَصل الزّوجة شعرها أو تلبس الباروكة لتتزيّن لزوجها، واختلفوا كذلك في حال كانت الباروكة مأخوذةً من شعرٍ ليس لآدمي، كأن تكون مَصنوعةً من الصّوف أو النايلون أو غير ذلك، وفيما يلي ذكر بعض الأدلّة التي تؤيّد ما ذهب إليه الفقهاء في تحريم وصل الشعر عموماً، ثم يتمُّ التّعقيب على ذلك ببيان آراء الفُقهاء فيما إذا كان هنالك سَببٌ للوصل، أو كان الشعر المُستخدم في الوصل - الباروكة ليس من شعر الآدمي:
اتّفق الفُقهاء في الغالب على حُرمة وصل الشعر إن كان موصولاً بشعر آدمي، وقد قال بهذا الرأي من الفقهاء الحنفيّة، والمالكيّة، والشافعيّة، والحنابلة، والظاهريّة، ويستوي في ذلك إن كان سبب الوصل والدافع له التجمُّل والتزيُّن، أو تحسين المظهر العام بسبب بعض العيوب، لما ثبت من الأحاديث والأدلّة التي تُشير إلى النّهي الصريح الوارد عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مما يدلُّ على حرمة وصل الشّعر إن كان من شعر آدمي، ولأنّ الانتفاع بشعر الآدميّ محرمٌ بكلِّ أجزائه، ولأن شعر الآدمي مُكرمٌ في أصله، ولا فرق في ذلك إن كان الشعر الذي يُستخدم في الوصل هو من شعره الواصل أو شعر محارمه كالزوج والأخ وغير ذلك.
إن كان الشعر المُستخدم في وصل الشعر مأخوذاً من شيءٍ غير كونه شعر آدمي، كأن يكون مأخوذاً من مواد أخرى كالصوف وشعر الماعز والإبل وغير ذلك فقد اختلف الفُقهاء في هذه الحالة في حكم وصل الشّعر، وبيان أقوالهم على النحو الآتي:
بعد بيان آراء الفقهاء في حكم وصل الشعر بشعر الآدمي أو شعر غير الآدمي، وبيان أقوالهم في حكم وصل الشعر بشيءٍ لا يُشبه الشعر كالصّوف والحرير تتوصّل الدراسة إلى أنّ لبس الباروكة المصنوعة من مواد غير حيوانية مختلفٌ فيه عند الفقهاء، فمنهم من قال بحُرمة ذلك لوجود التدليس فيه، ومنهم من قال بجوازه لعدم تماثله بالشعر، ولكنَّ العلة في الباروكة تتّحد مع علة تحريم الوصل التي هي التدليس والخداع.