If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
وبعد أن أنهى الدكتور شوكت دراسته الثانوية في القسم العلمي التحق بالكلية الطبية الملكية، وكان عميد كلية الطب في وقتها الدكتور هاري سندرسن الطبيب الخاص للعائلة المالكة العراقية. ثم تخرج منها ضمن الدورة الثانية عام 1933م، ومنح شهادة الدكتوراه في الطب، وكان من أبرز من اشتهر من خريجي الدورة الثانية: الدكتور محمد حسن سلمان والدكتور سلمان فائق.
ويقول الدكتور شوكت عن هذه المرحلة: (والتحقت في عام 1934 وبرغبة مني بمعهد الأشعة على أن أبقى أتدرب في هذا المعهد لمدة سنة واحدة، للحصول على لقب طبيب الأشعة، وكان المعهد عبارة عن غرفة بسيطة مبنية بالطابوق واللبن، ومسقفة بمادة من المعدن تسمى (الجينكو)، ويسمون الغرفة (بنغلة) وبالعامية (بنكلة)، وتقع داخل ساحة المستشفى الملكي آنذاك ويحوي المعهد على غرفتين واسعتين أحدها فيها ثلاثة أجهزة للتشخيص الشعاعي والأخرى فيها جهاز شعاعي واحد لمعالجة مرض قرع الرأس وأدوات احتياطية، وكان مدير المعهد دكتور نورمن البريطاني يجلس في الغرفة الأولى ولهُ كرسي واحد ومنضدة عليها آلة طابعة بالأحرف الإنكليزية وأخرى بالعربية، وكان بجانبه مقعد يسع شخصين يجلس عليه ضيوفه، أما نحن فكنا ثلاثة أطباء إحسان القيماقجي وعلي البير وأنا، ولعدم وجود كراسي مخصصة لنا كنا طوال ساعات العمل واقفين وعندما يتعب أحدنا فيجلس على دكة الشباك، وكان المفروض من المدير أن يدربنا ولكن الحقيقة المرة إن تدريبنا كان لا يحتوي لا على محاضرات ولا كتب للقراءة وكنا أكثر الوقت نقف عند أحد المصورين نشاهد كيف يصور ونقف وراء مدربنا عند كتابة التقارير الشعاعية بنفسه على آلة طابعة الإنكليزية دون أن يفسر لنا ماهو في الأفلام (الصور الشعاعية) وإذا ما تجرأ أحدنا وسأله عنها فكان غالبا ما لا يجيب على السؤال وكان رفيقاي يخشون الاستفسار منه لأنهم عرفوا د. نورمن عصبي المزاج ويكره النقاش، وبما أني التحقت بالمعهد الملكي أتعلم واستفهم فليس صحيحا فقط أنظر صامتا فكنت بين حين وآخر أتجرأ وأسال الدكتور نورمن فكان يمتعض من استفهاماتي ويلتزم الصمت. لقد صدمني أسلوبه، وبعد دوامي بالتدريب في المعهد لمدة شهرين ونصف قرر د.نورمن السفر إلى إنكلترا فاقترحت علي مديرية مصلحة الصحة العامة أن أرسل إلى مدينة كركوك كطبيب مركزي على أن يعاد بي إلى بغداد لإكمال تدريبي في المعهد بعد عودة الدكتور نورمن. ولكنه بعد عودته صدمني مرة أخرى حيث لم يف بوعدهِ إذ لم يطلب إعادتي، وكنت لا أبالغ إن قلت بأني تعلمت علم التصوير بالأشعة السينية بنفسي، فقد عزمت أن أمضي قدما لتعلم هذا العلم واغتنمت فرصة كوني طبيباً مركزياً في المستشفى، إذ استلمت علاوة على وظيفة طبيب الأشعة وظيفة طبيب ردهة الرجال وردهة النساء، والمختبر والطب العدلي فكنت متلهفا للتعلم. حيث بدأت أفحص مرضى الردهة ومختلف أعضاء جسمهم بالأشعة للذين لا يشتكون منها، مثلا فحص صدر مريض لا يشكو من أعراض مرض صدري، وأدرس هذا الفلم واعتبره كقياس للصدر الطبيعي، وعندما أفحص مريض يشكو من أعراض صدرية فكنت أقارن فلمه الشعاعي مع الفلم القياسي، فتجمعت عندي أفلاما للقياس تخص الصدر والمعدة والجمجمة، وغيرها من أعضاء الجسم، وصنفت أفلاما للقياس، قسما ما هو يشاهد عند الطفل، وقسما عند الشباب، وقسما عند الشيوخ، والمريض الذي وجدت في رئتيه لطخة مثلا أحاول إدخاله للردهة ثم أفحص قشعه بالمجهر لمعرفة نوع الجرثومة المسببة للطخة، وعند حدوث وفاة كنت أشرح المريض لأدرسه، وهكذا كنت مشغولا طوال الوقت في دراسة مرضاي وبشوق وبعد مضي ستة أشهر في مستشفى كركوك، طلبت إجازة أسبوعين أقضيها في بغداد وجئت إلى معهد الأشعة ودون أن أعاتب المدير د.نورمن طلبت منه الموافقة لأقضي أيام إجازتي بالدوام في المعهد للمزيد من التعلم فوافق، وفي أحد الأيام كان د.نورمن يفحص صورة فلم شعاعي للصدر فطبع تقريره أنه لا توجد آفة رئوية، بينما كانت هناك لطخة صغيرة في الرئة اليمنى دالة على بداية السل الرئوي، فلم أتمالك نفسي فجاهرت برأيي قائلا: إنه سل رئوي. فلم يهتم د.نورمن بتعليقي وبعد حوالي عشرة أيام أرسل نفس المريض من قبل طبيبه المعالج لإعادة فحصه ومبينا في ورقته أن فحص القشع لهذا المريض أظهر وجود جراثيم السل. فانتبه د.نورمن وأخذ للمريض صورة حديثة وبالمقارنة ظهرت اللطخة السابقة قد اتسعت فخاطبني؛ أنت على حق إنك شخصت المرض قبل أيام وإنه سل رئوي. وبعد هذه الحادثة بدأ الدكتور نورمن يأخذ رأيي عند قرائته معظم الأفلام للصور الشعاعية وقبل كتابته التقارير الطبية. أي إنني حزت رضاه واعجابه لأنه وجدني متقدما في التشخيص الشعاعي، وقبيل انتهاء فترة اجازتي اخبرني بانه يقدر معلوماتي وان سيقترح على مديرية الصحة العامة لنقلي إلى المعهد في بغداد لأكون طبيبا ثابتا على ملاك المعهد، وسألني هل عندك مانع؟ فاجبت: لا مانع لدي وشكرته، فاتصل هاتفيا بالمدير العام للصحة فطلب منه الموافقة على نقلي لبغداد لأن المعهد بحاجة لخدماتي، فوافق على أن يصله كتاب من المعهد بهذا الخصوص، وباشرت بالعمل في المعهد وحصلت الموافقة التحريرية في يوم 15 كانون الأول عام 1934م، وبعد مضي أشهر ترك الطبيب علي البير المعهد ملتحقا بقسم الجراحة البولية في المستشفى الملكي، وفي عامي 1935و1936م كان الدكتور نورمن مشغولا بالاشراف على بناية المعهد الجديدة الواقعة بالقرب من مبنى البنغلة وكان بارعا في نصب الآلات الحديثة وهي أجهزة للتشخيص والمعالجة الشعاعية، وكذلك أجهزة للعلاج الطبيعي).