If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
على عكس سلفيه محمود الثاني وعبد المجيد الأول وخلفيه مراد الخامس وعبد الحميد الثاني، لم تشهد الدولة العثمانية خلال عهد السلطان عبد العزيز حروبًا خارجية، ولعلّ معاهدة باريس المبرمة عام 1856 ضبطت إيقاع السياسة الخارجية لأوروبا وجنبتها حروبًا جديدة. كذلك فلم تشهد سلطنته فقدانًا لأراضي الدولة وتقلصًا في مساحتها، كما حصل في سائر عهود عصر انحلال الدولة، بل استطاع عبد العزيز الحفاظ على أملاك دولته، أما المناطق التي شهدت ثورات، فقد استطاعت الدولة العثمانية التعامل معها بالحزم والسياسة بحيث لم تؤد لفقدان أملاك وأراض.
منذ أن فتح العثمانيون الجبل الأسود الذي يقع إلى الشمال من ألبانيا لم يتمكنوا من فرض سيطرتهم سوى على المدن الكبرى فيه أما الجبال والقرى المحيطة ظلت شبه مستقلة وذات إدارة محلية بسبب وعورة المسالك وصعوبة المفارز، وكان الجبل قد أعلن عام 1853 ثورة ضد الباب العالي تمكن القائد العثماني عمر باشا من سحقها، وفي أعقاب حرب القرم ومؤتمر باريس لعام 1856 طالب حاكم الجبل المحلي الأمير دانييل الاعتراف باستقلال الجبل فلم يلق ذلك قبولاً لدى الدول الأوروبية التي نصحته بعقد سلام مع الدولة العثمانية والاعتراف بسيادتها مقابل منحه رتبة مشير مع مبلغ سنوي من المال وتوسيع حدود دولته لتشمل أجزاءً من الهرسك أيضًا، فقبل الأمير بعرض أوروبا. في عام 1860 توفي الأمير دانييل وآل الحكم لابن أخيه الأمير نيكولا الذي شجع حركات ثورية ضد الباب العالي في الهرسك وكذلك في الجبل الأسود وأخذ يجمع جيوشًا لإعلان التمرد، فأغار عمر باشا على أراضي الجبل وحاصرها من ثلاث جهات، ثم دخلت قواته الإمارة واضطر الأمير نيكولا إلى توقيع اتفاق استسلام في 30 أغسطس 1862، التي نصّت على بقاء نيكولا حاكمًا للجبل شرط السماح للعثمانيين بناء ما يحلو لهم من حصون لتأمين وضمان السيادة داخل أراضي الإمارة، لاحقًا سعت الإمبراطورية الروسية وفرنسا لدى الباب العالي للتنازل عن حق بناء الحصون والقلاع داخل أراضي الإمارة، فقبل السلطان عبد العزيز بذلك وأصدر فرمانًا في 2 مارس 1864، انسحب بموجبه الجيش العثماني وهدم القلاع التي كان قد شرع في استحداثها، وأنهى انسحابه في يونيو 1864.
فتح العثمانيون بلاد الصرب عام 1389 وظلوا يحكمونها حكمًا مباشرًا حتى سنة 1815، ثم أبرم عام 1830 اتفاق يقضي بتحويلها لإمارة مستقلة تحت سيادة الباب العالي، ثم جاءت معاهدة باريس في 30 مارس 1856 بعد حرب القرم لتنظم العلاقة بشكل أكبر، فنصت أنه من حق الدولة العثمانية أن يكون لها في بلاد الصرب ست قلاع بما فيها قلعة بلغراد عاصمة الإمارة، وفي أعقاب اندلاع ثورة الجبل الأسود حشد العثمانيون جيشًا شعبيًا غير مدرب تدريبًا جيدًا، بهدف ضبط الأمن في صربيا؛ ولكونه جيشًا غير مدرب فقد وقعت عدة مشاجرات بين أهالي الصرب و"الجيش الشعبي" تحولت إلى مواجهات دامية، بلغت ذروتها بعد مقتل جندي عثماني في 10 يونيو 1862، وما تبعه من قصف لبلغراد بالمدفعية لمدة أربع ساعات متواليات. تدخل قناصل الدول لإيقاف القصف، ثم وبنتيجة المشاورات اللاحقة بين القناصل والسلطان عبد العزيز، قبل السلطان عبد العزيز بتخفيض عدد القلاع من ستة إلى أربعة مع احتفاظه بقلعة بلغراد، وتعهد أيضًا بعدم السماح للقواد العثمانيين بالتدخل في الشؤون الداخلية للإدارة مطلقًا وأصدر فرمانًا بذلك في 6 سبتمبر 1862. غير أن اندلاع ثورة كريت وأحوال خزينة الدولة الناضبة مع ضغوط الدول الأوروبية، انتهت في مارس 1867 بقبول السلطان عبد العزيز لاتفاق جديد يقضي بتخلي الدولة عن القلاع الأربعة في بلاد الصرب وانجلاء كافة القوات العثمانية عنها، وبذلك لم يبقَ سوى لقب "ملك" على أمير الصرب، يفصلها عن الاستقلال الكامل في أعقاب هذا الفرمان.
ثورة جزيرة كريت اندلعت أواخر 1866 لرغبة أهالي الجزيرة وهم في الغالب من اليونان الأرثوذكس الانضمام إلى مملكة اليونان، وقد حاولت المملكة المذكورة دعم الثائرين، إلا أن هذا الدعم ظل محدودًا في إطار تقاعس الدول الأوروبية عن الموافقة على سلخ الجزيرة من أملاك الدولة العثمانية. أرسل السلطان موفدًا شخصيًا إلى سكان الجزيرة اسمه كريدلي محمد باشا إلا أنه فشل في مهمة تقريب وجهات النظر بين الدولة الثوار، وفي أعقاب استقالة محمد رشدي باشا من الصدارة العظمى وإسنادها إلى محمد أمين عالي باشا في 11 فبراير 1867، أنهت الدولة مهام كريدلي باشا وأرسلت عوضًا عنه جيشًا كبيرًا بقيادة عمر باشا، الذي سطع نجمه في حرب القرم، كما أرسل الخديوي إسماعيل بناءً على طلب السلطان عبد العزيز جيشًا ليساعد في قمع التمرد، فقمع الجيشان المحتجين وأخمدا ثورتهم.
بعد الحسم العسكري، أرسل السلطان صدره الأعظم عالي باشا شخصيًا كمندوب سياسي عنه في 14 أكتوبر 1867، وسعى إلى تهدئة خاطر الأعيان بمنحهم رتبًا ونياشين، وبعد أن استتب الأمن أوائل عام 1868 قفل عائدًا إلى إسطنبول. وبنتيجة هذه الثورة انعقد في عام 1869 مؤتمر خاص في باريس للدول الموقعة على اتفاق العام 1856 للتباحث بوضع الجزيرة، وبنتيجة المؤتمر أصدر السلطان في 19 سبتمبر 1869، فرمانًا يقضي بمنح الجزيرة امتيازات تجارية وإعفاءً من الضرائب لمدة سنتين، وإعفاءً من الخدمة العسكرية.
في 5 مايو 1876 وصلت إلى سالونيك فتاة بلغارية أعتنقت الدين الإسلامي ،فلما بلغ الأمر مسيحيي المدينة قبضوا عليها وحاول بعض المسلمين استراجعها ففشلوا، وتحول الأمر إلى فوضى طائفية، اغتيل خلالها قنصلا فرنسا وألمانيا. غضبت أوروبا لمقتل قنصليها ورست سفن الأسطول الفرنسي قبالة سالونيك، وأمن الجند الألمان موكب جنازة حافل للقنصلين، ثم عقد وزراء خارجية روسيا والنمسا وألمانيا اجتماعًا في برلين وأصدروا بيانًا صدقت عليه فرنسا وإيطاليا، طالب خلاله المجتمعون بتعيين مجلس دولي لمراقبة تنفيذ فرمان سلطاني كان عبد العزيز قد أصدره في 12 ديسمبر 1875، ينصّ إلى إصلاح أحوال مسيحيي الدولة، وطالب البيان أيضًا باستكمال تنفيذ الفرمان خلال مدة لا تتجاوز الشهرين، وإلا فإن الدول التي أصدرت البيان ستضطر لاستعمال القوة بهدف تنفيذ أحكام الفرمان السلطاني. لم يقبل السلطان بهذا البيان واعتبره مجحفًا بحقوق دولته، ولعلمه أيضًا بوجود خلافات بين دول أوروبا حول الحرب وعدم تصديق إنكلترا على البيان، كما أنه قام بإعدام عدد من المسلمين بعد محاكمتهم بتهمة القتل العمد.
في أواخر أبريل 1876 خرجت مظاهرة حاشدة مؤلفة من طلبة العلوم الدينية ورجال الدين والمشايخ بعد أن تجمعت أمام جامع السلطان محمد الفاتح، وسارت زاحفة نحو مبنى وزارة الحربية ثم نحو الباب العالي نفسه، منادية بإسقاط الصدر الأعظم محمود نديم باشا وشيخ الإسلام حسن فهمي أفندي، وفشل رجال الشرطة في تفريق المتظاهرين لعدم علمهم المسبق بالتظاهرة، كما فشلوا في منعهم من الوصول إلى مبنى الباب العالي حيث يقيم السلطان شخصيًا. أما محمود نديم باشا وحسن فهمي أفندي فقد تورايا عن الأنظار ثم غادرا إسطنبول خوفًا من الشعب الهائج. قرر المتظاهرون الاعتصام أمام الباب العالي حتى تحقيق مطالبهم، وفي مساء ذلك اليوم عقد السلطان اجتماعًا شارك فيه والدته مع وزير الخارجية ومحافظ إسطنبول، وقاضي عسكر الروم إيلي واثنين من كبار علماء الشريعة للبحث في قضية المتظاهرين. أشارت والدة السلطان باستعمال القوة ضد المتظاهرين، وبضرورة إغلاق المعاهد الدينية وطرد طلابها خارج المدينة مع رفض قاطع لمطالبهم، غير أن بقية المجتمعين لم يستصوبوا رأيها، واقترحوا على السلطان أخذ الأمور باللين بعد أن شرحوا له الأخطار التي لا بدّ من وقوعها في حال تحولت الحركة إلى ثورة مسلحة في العاصمة، فوافق السلطان وجهة نظرهم، وقال بأنه يرضى بتحقيق مطالب المتظاهرين لمرة واحدة فقط. وأصدر فرمانًا بتعيين خير الله أفندي شيخًا للإسلام، ولم يعين مدحت باشا صدرًا أعظم - كما كان يطالب من يتظاهر - بل أسند الصدارة العظمى إلى محمد رشدي باشا، وقد تفرق الاعتصام في أعقاب ذلك، قبل مرور أربع وعشرين ساعة على بدايته. يذكر أن مدحت باشا كان قد نصح السلطان بالتنازل عن مبلغ خمسة ملايين ليرة عثمانية من ثروته الخاصة لإنفاقها على الإصلاحات الضرورية، والعزوف عن فكرة تولية ابنه يوسف عز الدين ولاية العهد، فلم يرضَ السلطان، وكان ذلك من مقدمات خلعه. وتكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة لكونها قد وقعت قبل حادثة الخلع بأربعين يومًا فقط.