العربية  

books principles of the verbal method

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

مبادئ المنهج اللفظي (Info)


لهذا المنهج أسسٌ نظريةٌ تسبقُ القواعد التفصيلية هي بمثابة المبادئ الأولى له. فهي مثل البديهيات في العلوم الإسلامية الأخرى ـ اتّفق على صحتها على نحوٍ ما المؤمنون بالقرآن ـ يضعها المنهج لإثبات فرضية (النظام القرآني) وإلزام المؤمنين بالقرآن بها. وهذا لا يعني أن تلك المبادئ لا تنفع من لديه شكٌّ في أمر القرآن.. ذلك لأنها ليست ركائزَ خارجيةً مسقّطةً على هذا الكتاب لأجل إثبات وجود النظام القرآني فيه.. ولكن النظام القرآني هو أحد أهمّ الحقائق التي ستكشف عنها هذه المقدّمة عن المنهج اللفظي. وبذلك تصبح المبادئ الأولى نتائج مبرهنةً من القرآن نفسه.. وهكذا فهي تعمل إزاء متلقيها بطريقتين:

من يؤمن بها يقال له: عليك أن تؤمن بالنظام الهندسي المحكم للقرآن على ضوء تلك المبادئ وإنْ كنت لم تدرك هذا النظام قبل اليوم.

ومن لا يؤمن بها يقال له: هذا هو النظام القرآني وعليك أن تؤمن به وبتلك المبادئ التي تخصّه.

وكلُ ذلك إنّما هو احتجاجٌ لا غير فلا إكراه في الدّين كما هو معلومٌ.

المبدأ الأول: مبدأ عدم الاختلاف في القرآن

يؤمن هذا المنهج أن القرآن يخلو من أي اختلافٍ بصفةٍ مطلقةٍ، ويندرج تحت ذلك إيمانه بانعدام التناقض الذي يؤمن به بعض علماء الدين. فالمنهج يرى أن الاختلاف أعمٌّ من التناقض، وأن انعدام الأول يعني بالضرورة انعدام الثاني لأنه جزءٌ من كلٍّ.

وهذا الإيمان الذي استفاده المنهج من القرآن له فوائدٌ كثيرةٌ في عملية مراجعة النصّ الديني العام منها إظهار التناقض عند المفسّرين والذي هو نوعٌ من الاختلاف الذي حسبوه هيّناً وهو عند الله عظيم. ومنها إن (عموم الاختلاف) كمفهومٍ وإيمان المنهج بخلو القرآن منه يطابق النصوص القرآنية، ويوافق طرائق المنهج التي تتحرّك وفق الاقترانات اللفظية في النظام القرآني. فهذا المبدأ (أي مبدأ عدم الاختلاف في القرآن) هو من المبادئ التي تخرج من القرآن وتعود إليه وتمنع الباحث من الوقوع في هاوية التفسير بالرأي. وستظهر لك فكرة هذا المبدأ بالتدريج شأنها شأن بقية المبادئ في هذا المنهج.

المبدأ الثاني: مبدأ قصور المتلقي

يؤمن هذا المنهج أن المخلوق قاصرٌ عن الإحاطة بكلام الخالق قصوراً دائماً. ومعنى ذلك أنّه مهما بلغ من المعرفة بالقرآن فسيظلّ محتاجاً إلى النظر فيه والتفكّر في شأنه.

ولتوضيح ذلك: إن المتكلِّمَ إذا تكلّم عن شيءٍ ما فقد تكلّم ضمناً عن نفسه أيضاً، ولمّا كانت معرفة الله لا نهائية، فتبقى معرفة كلامه لا نهائية أيضاً.

وإذا كان ذلك يبدو مجرّد أمرٍ منطقيٍّ وحسب فإنّ كشف المنهج اللفظي للنظام القرآني سيجعل القارئ على ثقةٍ من صحّة هذا الأمر عملياً.

المبدأ الثالث: مبدأ التغاير عن كلام المخلوقين

يؤمن هذا المنهج بأنّ كلام الخالق مغايرٌ لكلام المخلوقين وإنْ تشابهت بعض الألفاظ اتفاقاً.

وفائدة هذا المبدأ هي في أنّه يطبّقُ لأوّل مرّةٍ عملياً داخل منهجٍ تفسيريٍّ ليكون جزءً منه ودعامةً من دعائم حركته، وبذلك يمكنه وضع الحدود الفاصلة بين الكلام المعجز والكلام غير المعجز.

ولهذا المبدأ ثلاثة أسسٍ هي

أولاً: إنّ اللفظ عند المخلوق له معنىً اتفاقيٌّ (اصطلاحيٌّ) جرى عليه العرف. أما في كلام الخالق فله معنىً أصليٌّ يسمّيه المنهج اللفظي (المعنى الحركي)، وهو أصل جميع المعاني.

فإذا صادف أن يكون الاستعمال الاصطلاحي في مجرى المعنى الحركي فهو جزءٌ منه، وألاّ فهو خلاف الأصل، وإذن فهو استعمالٌ مخطوءٌ وإن كان موغلاً في القدم.

والمنهج اللفظيُّ يتمكّن من معرفة المسار إلى المعنى الحركي بطريقتين، إحداهما من خلال عملية الاقتران المتعدّد، وهي موضوع هذه المقدّمة. وأمّا الطريقة الثانية فسيعلن عنها بعد حين. وسيجد هذا المنهج خلال ذلك أن كثيراً من الألفاظ القرآنية التي نزل بها القرآن لم يكن فيها شيءٌ من الاصطلاح يجري في مجراها. وهذا يعني أن مراد الله شيءٌ، وما كنّا نفهمه منها شيءٌ آخر.

ثانياً: إن العبارة القرآنية هي جزءٌ من النظام القرآني كلّه، فهي متّسقةٌ في سياقه مع العبارات الأخرى اتساقاً تاماً. مثلها في ذلك مثل الجسيم الذي يمثّل جزءً من النظام الذرّي، ومثل الكوكب في النظام الشمسي، ومثل النجم في النظام السديمي. بينما تكون العبارة التي يقولها المخلوقُ منتظمةً ضمن عباراته الأخرى انتظاماً ظاهرياً وحسب، وهي مناقضةٌ في أحايين كثيرةٍ لعباراته الأخرى.

فكلام الخالق بعضهُ من بعضٍ وبعضهُ لبعضٍ، وله شاهدٌ من نفسهِ ولا شاهد له من غيره. وهذه ضرورةٌ منطقيةٌ لكلام الإله الذي كلامه صورةٌ أخرى من صور الخَلْقِ المُنظَّم، لأنه واحدٌ. وليس معنى الواحد هو العدد المعروف، بل صفة الواحدية التي لا حدوث ولا تغاير ولا اختلاف فيها، لأنّ تلك الاختلافات هي صفة ما هو محصورٌ بالظرف الزماني  والمكاني. أمّا الخالق الواحد فهو خالق الزمان والمكان، فكلامهُ يحملُ صفةً من صفاته وهي عدم الاختلاف، وبذلك يفترق عن كلام المخلوقين.

فالمعنى الحركي لكلِّ لفظٍ هو واحدٌ لا يتغيّر بخلاف المعنى الاصطلاحي الذي يطلقه المخلوق على أشياء كثيرةٍ. وهذا يعني أن اللفظ في القرآن ـ حسب هذا المنهج ـ لا يأتي بمعانيَّ متعدّدةٍ، وإنّما يقترن ويترتّب بصورٍ مختلفةٍ مع ألفاظٍ أخرى فيحسب الناسُ أن معناه قد تغيّر فيفسّرونه بمفرداتٍ مختلفةٍ.

إنّ المنهج اللفظي سيتمكّن من إبطال هذا التفسير بطرقٍ عديدةٍ في هذه المقدّمة، ويبرهن أن هذا العمل لا يوصل إلى شيء من حقائق القرآن علاوةً على إفساده للكيان اللغوي أو تدميره.

ثالثاً: إنّ المعنى الاصطلاحي هو معنىً وصفيٌّ لظاهر الشيء. هذا إذا جرى في مجرى المعنى الأصلي وألاّ فهو وضعٌ خاطئٌ للعلاقة ما بين اللفظ والمعنى. أمّا المعنى الحركي فهو حقيقة الشيء (أي كُنه الشيء) حينما كان موجوداً بالقوّة قبل إيجاده بالفعل.

الفرق بين هذين المعنيين هو كالفرق بين اسم آلةٍ معيّنةٍ وخريطتها، فكلاهما يحملان نفس اللفظ. فالأول (اسم الآلة) هو وصفٌ ظاهريٌّ، والثاني (الخريطة) هو الآلة عينها. فالخريطة تصف الآلة وصفاً حقيقياً بحيث أن الآلة لو فُقِدتْ فإنّ الخبير يعمل مثلها على تلك الخريطة، بينما لا يقدر على ذلك لو أعطيتها اسمها وحده بفرض أن لا علم له سابقٌ بها.

ولا يدّعي المنهج اللفظيّ أنّه يقدر على معرفة المعنى الحركي نفسه، إذ هو معنىً مطلقٌ، ولكن يمكنه التمييز بين المعنيين الاصطلاحي والحركي، وكذلك يمكنه إعطاء تعريفٍ أوليٍّ أو تأسيسيٍّ للمعنى الحركي لكلّ لفظٍ يتدبّره بطريقته الخاصة.

المبدأ الرابع: مبدأ خضوع المتلقي للنظام القرآني

يؤمن المنهج اللفظي بأنّ على الباحث الخضوع للنظام القرآني إنْ أراد التوصّل إلى معارف القرآن.

فأمّا معنى النظام القرآني فهو: أن في القرآن نظامٌ محكمٌ شديد الصرامة منتشرٌ في جميع أجزائه بحيث أن اللفظ مفردةً كان أو حرفاً والترتيب أو التسلسل المعيَّنُ للألفاظ في كلِّ تركيبٍ هو جزءٌ من هذا النظام، والخطأ في تصوّر شيء منه في أي موضعٍ يؤدي إلى الخطأ في تصوّر فروعٍ كثيرةٍ متصلةٍ بذلك الموضع. فالعبارة الأصح ليست قولنا (أن في القرآن نظاماً محكماً) بل (القرآن هو بذاته نظامٌ محكمٌ).

وأمّا معنى الخضوع فهو: أن على المتلقّي السير على ذلك النظام والتحرّك وفقه واكتشاف مسالكه وطرقه. وهذا مثلما يبحث عالِمٌ ما في أسرار الطبيعة، فهو يفسّرها بما فيها من قوانين ولا يفسّرها من تلقاء نفسه. وحينما يفترض فرضاً ما فإنّه يصحّحه على ضوء ما يكتشفُ من حقائق في هذا النظام. فمهمة عالم النبات مثلاً عند تفسيره لعمليات النسغ الصاعد والنازل والتركيب الضوئي هي ملاحظة هذه الفعاليات ثمّ ترجمتها بصياغةٍ علميةٍ. وبالتالي فهو لا يُملي على الشجرة نظرياته، بل يفسّر ظواهرها هذه ضمن قوانين الطبيعة وما فيها من نظامٍ محكمٍ. وإنْ لم يفعل ذلك وأسقط أفكاره الخاصة على نظام الشجرة فستختلط لديه الحقائق بالأباطيل ليصبح بذلك جاهلاً ليس بمقدوره أن يكتشف شيئاً من حقائق فسلجة النبات.

إنّ مبدأ الخضوع للنظام القرآني قد مكّن المنهج من اكتشاف ما أملاه علماء التفسير على القرآن من آراءٍ وما خالفوا فيه نظامه.. حتى صار لديهم أهون من الكائنات البدائية أحادية الخلية في نظر الباحث الغربي في علم الأحياء. فلم يتحرّك المفسّرون وفق القرآن ونظامه، بل جرّوا القرآن وراءهم وجعلوه مترجماً لأفكارهم.

فالخضوع للنظام القرآني في هذا المنهج لا يعني الاعتراف به وحسب، بل يعني أنّ على الباحث أن يكون تابعاً للقرآن لا أن يكون هو قائداً له.

المبدأ الخامس: مبدأ التبيين الذاتي

يؤمن المنهج اللفظي بأنّ القرآن مبيِّنٌ لكلِّ شيءٍ ومبيِّنٌ لذاته.

فأمّا كونه تبيانٌ لكلّ شيء معلومٌ من النصّ القرآني نفسه:

(وَنَزّلنا عَلَيكَ الكِتابَ تبياناً لكلِّ شيءٍ) النحل 89

ومع ذلك فهو يطبّق قواعده على الآية ليبرهن أن المقصود بـ (كلَّ شيء) فيها هو (كلّ شيءٍ) فعلاً، وليس كما قال المفسّرون من أنه (الأمرُ المُشكلُ) من أمور الدين.

وأمّا كونه مبيِّنٌ لذاته فيعتمد على ثلاثة أسسٍ هي:

الأساس الأول: إن القرآن هو (نظامٌ محكمٌ). ومعلومٌ أن كلَّ نظامٍ محكمٍ مبيِّنٌ لنفسه من خلال النظام نفسه. فكلّ جزءٍ من هذا النظام هو في حقيقته وصفٌ لطبيعته ولعلاقته بالأجزاء الأخرى منه. وهكذا فالنظامُ (أي نظامٍ) كاشفٌ عن نفسه لا محالة، وبخلافه فلا يمكن وصفه بالانتظام فضلاً عن وصفه بأنه نظامٌ محكمٌ. إن إثباتَ كون القرآن نظاماٌ محكماً هو الموضوع المحوري لهذه المقدمة عن المنهج اللفظي.

الأساس الثاني: وردت في النصوص القرآنية صفةُ التبيين على ثلاثة مستوياتٍ:

الأول منها: أنّه (تبيانٌ لكلّ شيء) كما مرّ سابقاً.

والمستوى الثاني: أنّه (قرآنٌ مبينٌ) أي مبينٌ بنفسه.

وأما المستوى الثالث: وهو على مستوى الآيات (آياتٌ بيِّناتٌ) أي بنفسها، وبالبناء للمجهول (آياتٌ مُبَيَّناتٌ "بالفتح") بنفسها مرّة وبغيرها من الآيات مرة أخرى، و(آياتٌ مُبَيِّناتٌ "بالكسر") لنفسها مرة ولغيرها من الآيات مرة أخرى.

وكلّ تلك المستويات سواء على مستوى القرآن أو على مستوى آياته تدلّ على سريان النظام المحكم في جميع الأجزاء. فلو كان غير مبيِّنٍ لذاته لفقد القدرة على تبيين غيره، وإذا كان عاجزاً عن تبيين ذاته كان عن تبيين غيره أعجز.

الأساس الثالث: إن الملّة المسلمة قد أجمعت وأقرّت للقرآن اتصافه بصفتين كان قد وصف هو بهما نفسه. الأولى أنّه كتابٌ للهداية والثانية أنّه كتابٌ مُعجِزٌ.

واجتماع الصفتين يحتّمُ أن يكون مبيِّناً لذاته، بل انفراد كلٍّ منهما يحتّم ذلك. إذ لو كان مُبهماً لفقد القدرة على الهداية، فلا بدّ أن يكون (مبيِّناً) وآياته (بيّنات). وإذا لم يكن مبيّناً لذاته كان خلواً من أي نظامٍ فيسقط الإعجاز إذ أن فاقد النظام لا يكون مُعجِزاً.

فمثله مثل النور يمكنك أن ترى به الأشياء، فهو مرئيٌّ بذاته فلا يحتاج إلى وسيلةٍ لرؤيته، فكذلك القرآن فإنّه (مبين) بذاته:

(ولكنْ جعلناهُ نوراً نهدي بهِ منْ نشاءُ مِنْ عِبادنا) الشورى 52

من أجل ذلك أكّد النصّ النبوي على ضرورة إتّباع القرآن، مثلما أكّد على ضرورة جعله (بين) أيدينا أي قائداً، لا جعله (خلف) أو (وراء) ظهورنا فيصبح مُقاداً. ذلك أن من جعل النور خلفه اشتدّت الظلمة بين يديه، ومن جعله بين يديه سار على هداه.

المبدأ السادس: مبدأ العلو والشمول والحاكمية والامتناع

يؤمن هذا المنهج بأنّ القرآن ممتنعٌ عن قبول أي علمٍ أو معرفةٍ غير علمِه هو، فهو متعالٍ على كلّ علمٍ آخر لأنه كلام الله الذي (أنزله بعلمه). فهو حاكمٌ على كلّ علمٍ غير محكومٍ بأيِّ علمٍ.

ولهذا المبدأ أربعة فروعٍ

أ. حُكمُهُ على اللغة

فـ (التبيين الذاتي) و(المعنى الحركي) و(النظام المُحكم) ثلاث خصائصٍ اجتمعت في القرآن فجعلته قادراً على شرح اللغة ومعانيها حاكماً على قواعدها غير محكومٍ بها.

ويدلّ على ذلك الحديث النبوي (القرآن يُفسّرُ كلّ لسانٍ ولا يفسّره لسانٌ). وكذلك تدلّ عليه نصوصٌ أخرى عدا ما ستراه عملياً عند تطبيقات هذا المنهج.

ب. حُكمُهُ على العقائد

فإذا كانت في ذهن الباحث عقيدةٌ ما يؤمن بها مسبقاً أو قضيةٌ ما يصدّق بها سلفاً وأراد البرهنة على صحّة أيٍّ منهما من القرآن جاعلاً منه سنداً مؤيّداً لتلك العقيدة أو القضية ولم يجعله حاكماً على صحتهما أو سقمهما فقد افترى إثماً مبيناً ولو كان مصيباً اتفاقاً، لأنَّه بتكرار نفس هذا العمل في عقائدَ وقضايا مختلفةٍ لا يمكن له أن يكون مصيباً فيها جميعاً مصادفةً، وعليه فلا بدّ أن يقع في خطأ ما يجرّه حتماً إلى سلسلةٍ لا حدود لها من الأخطاء.

ولكنه لو جعل القرآن إماماً وحاكماً بكشفه لكلّ قضيةٍ من خلال النظام الداخلي له فقد تدبّره كما أمر الله تعالى، وحينها فله أجرٌ وإن أخطأ مصادفةً، لأنَّه بتكرار العمل وفق النظام المحكم للقرآن لا بدّ له من اكتشاف الخطأ ومن ثمّ التراجع عنه، بل يمكن الجزم بأنه لن يخطأ قط ما دام مسلِّماً قِيادهُ للقرآن، حيث أن النظام القرآني سيعصمه عن الخطأ فيما يمكنه اكتشافه من خلاله، فهذا يسير على هدىً منه. بينما يقوم نفس هذا النظام بإيقاع الباحث الذي لا يقرّ بحاكميته في الخطأ والتناقض، وبذلك سيجعله في الضلال المبين.

وخلاصة هذا المبدأ هي في: أن أمرَ البحث في القرآن باعتباره نظاماً محكماً منوطٌ بقلب الباحث علاوةً على عقله. فمعارفُهُ محفوظةٌ ومحروسةٌ ذاتياً من داخله ولا يحصل عليها إلاّ من سَلِمتْ سريرتهُ وصَفا قلبُهُ وكتمَ علمُهُ عن غير مستحقّهِ. ويدلّ على المسألتين (أي النظام المُحكمُ يعملُ هادياً ومضلاًّ في آن واحدٍ) قوله تعالى:

(أأعجميٌّ وعربيٌّ قلْ هوَ للذين آمنوا هُدىً وشِفاءٌ والذين لا يؤمنون في آذانهم وَقرٌ وهو عليهمُ عَمى) فصّلت 44

وكما ترى أيّها القارئ الكريم فإن هذا المبدأ قد أعطاك تفسيراً جديداً للهدى والضلال وعلاقتهما بالقرآن، وكذلك أعطاك تفسيراً جديداً للحفظ كما في قوله تعالى:

(بـلْ هوَ قرآنٌ مجيد+ في لوحٍ محفوظٍ) البروج 21.

وأيضاً أعطاك تفسيراً آخرَ للنص النبوي (من اجتهدَ فأخطأ فلَهُ حسنةٌ ومن اجتهدَ فأصاب فلهُ حسنتان)، إذ ليس المقصود بالمخطئ هنا إلاّ ذلك المخطئ خلال البحث خطئاً مؤقتاً سيتراجع عنه بعد قليلٍ متتبعاً للنظام القرآني وسائراً على خطواته غير معلنٍ عن شيءٍ من النتائج التي يشكّ بها لأحدٍ من الناس.

ج. حُكمُهُ على العلم

إنّ جميع العلوم التي تؤخذ من خارج الوحي هي علومٌ استقرائيةٌ وتجريبيةٌ لا تصِلُ إلى حدِّ اليقين، لأنها علومٌ تكشف عن الظواهر الطبيعية وعلاقاتها الظاهرية. أمّا القرآن فهو علمٌ كلّيٌّ شاملٌ ويقينيٌّ، فهو حاكمٌ على العلوم غيرُ محكومٍ بها.

وهو شاملٌ من ثلاثةٍ أنحاءٍ أساسيةٍ: شاملٌ أولاً للظواهر كلّها في آنٍ واحدٍ في كلّ تركيبٍ وكلّ آيةٍ على انفرادٍ، وذلك لأنّ الآية الواحدة داخلةٌ كجزءٍ من نظامه الكلّي في الإشارة إلى جميع الظواهر والحقائق من خلال التشابك اللفظي والاقتران المستمر إلى ما لا نهاية له من الاحتمالات كما سيتوضح لك مستقبلاً.ً

وثانياً هو شاملٌ للمكان من حيث أنّه يعبّرُ عن حقيقة أي شيء في أي موضعٍ من الكون.

وثالثاً هو شاملٌ للزمان، إذ تكون الحقائق مطابقةً للنظام القرآني في جميع أدوارها وأزمانها. فهو يوحّد الرؤية الصحيحة للأشياء ويمكِّن من إعطاء تفسيرٍ موحّدٍ لها. وهذا أمرٌ قد سعى إليه طويلاً العلم الحديث ولا زال يسعى ولكن دون جدوى.

فهذا المبدأ يحتّم على الباحث الإعلان عن النظام القرآني لتوجيه الأنظار إليه ولقطع الطريق على محاولات الاستدلال على القرآن عن طريق العلم، ويؤكّد بدلاً من ذلك على ضرورة القيام بعملٍ معكوسٍ وهو عرض العلوم كلّها على النظام القرآني ليقوم بتهذيبها وجمعها وإزالة التناقض فيما بينها.

د. حُكمُهُ على السُنَّة

يؤمن هذا المنهج (وذلك بعد كشفه عن النظام القرآني) بوجوب عرض السنّة على القران، وتنفيذ النصوص التي أكّدت على ذلك من السنّة ذاتها كقولهم (عليهم السلام): (يُعرضُ الحديثُ على كتاب الله فما وافقه فيؤخذُ به وما خالفهُ فيُضرَبُ به عرض الحائط). وهي نصوصٌ معطَّلةٌ للأسف بسبب ما تعارف عليه العلماءُ من أن السنّة تفسّر القرآن، بينما تؤكّد النصوص على ضرورة جعل القرآن حاكماً عليها ومصحّحاً لمتونها.

ولذلك فإنّ المنهج اللفظي يعتبر المنهج التفسيري المسمّى بـ (تفسير القرآن بالسنّة) منهجاً باطلاً.

ويوضّح ذلك بثلاث نقاطٍ:

الأولى: إن السنة المفسّرة للقرآن ما هي إلاّ مفاتيح تُعينُ المتدبّر للقرآن وليست هي التدبّر، وهي بمثابة علامات ودلالات تمكّن الباحث من التأكّد من صحّة نتائج التدبّر وتُضيفُ له بعداً آخرَ أو تفتح له طريقاً آخرَ للتدبّر. فهي نصوصٌ لا تفسّر القرآن وإنّما تشير إلى أبواب تفسيره.

ولذلك فإن الجهل بالنظام القرآني يجعل منها مفاتيح لا نفعَ فيها، بل ستكون وبالاً على من يحاول استعمالها، لأنّ السنّة يحكمُها نظامٌ لفظيٌّ كالنظام القرآني (مع اختلافٍ جوهريٍّ نذكره في موضعه). فهي من هذه الجهة مشابهةٌ للقرآن في كونها غيرُ مختلفةٍ ولا متناقضةٍ، والجهل بنظامه ونظامها يجعل الأخطاء مركّبةً ومتراكبة.

الثانية: إنّهم قد اجمعوا على أن السنّة يتطرّق إليها الشكُّ في النصّ نفسه وفي سنده. وأمّا القرآن فلا شكّ في نسبته لله تعالى ولا شكّ في آياته وألفاظه .. فكيف يكون ما فيه شكٌّ ويحتاجُ إلى تنقيحٍ أو (تعديلٍ وجُرحٍ) مفسّراً وشارحاً لما ليس فيه شكٌّ؟!

فإرجاع الأمور إلى مواضعها يستدعي إمّا اعترافُهم بالنظام القرآني وبالتالي فساد هذا المنهج التفسيري المتّكل على السنّة، وهو أسلمُ الأمرين، أو صحّة تفسير القرآن بالسنّة وبالتالي إنكار إعجازه واعتباره دون قول البشر. وفيه ما فيه عدا مخالفته للنصوص الآمرة بعرض السنّة على القرآن.

الثالثة: إنّ الجهل بالنظام القرآني استدعى معاملة القرآن على أنّه مثل كلام الخَلْق لا فرق بينهما. وهذا ما أدّى إلى تعسّفٍ في تفسير القرآن كان نصيب السنّة منه أعظمُ. ولكن بعد كشف النظام القرآني فالواجب انعكاس الأمر لأنّ ما كان له نظامٌ أو نصّه ثابتٌ ومؤكّدٌ يكون حاكماً ومصحّحاً لما كان له نظامٌ ونصّه مشكوكٌ أو متردّدٌ فيه.

ومن منطلق هذا الفهم تقع الأمور على مواقعها الصحيحة، فكما كان القرآن شاهداً للنبيّ على نبوّته، فكذلك هو شاهدٌ على صحّة سُنّتهِ ونظام أقواله وأفعاله.

Source: wikipedia.org