If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان ميلاد بيرم بعد 11 عاما من دخول الإنجليز مصر، وضربهم الإسكندرية، وقبضهم على عرابي ونفيه. وكان الخديوي عباس حلمي الثاني وقتها حاكمًا لمصر، وكان الأجانب في مدينة الإسكندرية يعاملون أهلها معاملة جائرة، فانجلترا أعلنت صراحة منذ احتلالها لمصر أن حكمها يقوم على أساس رعاية المصالح الأوربية وحمايتها، وكان الخليفة العثماني آنذاك في الأستانة ضعيفًا، حتى فرنسا التي تصور بعض الوطنيين أنها قد تساعد مصر ضد الاحتلال الذي تعيش فيه كانت هي الأخرى لا تمثل قوى يُعتد بها في المجال الدولي بعد أن هزمتها ألمانيا في الحرب الفرنسية البروسية في عام 1870، إلى أن ظهر مصطفى كامل مُطالبًا بالاستقلال.
وفي ذلك الوقت، كان بيرم في مرحلة طفولته، فلم يُدرك مدى الظلم الاجتماعي الواقع على كاهل أهل حيه والأحياء المجاورة، إلا أن الصورة البائسة ظلت عالقة في ذهنه ، فقد وصفها بيرم قائلا: «عشت في حي صورة طبق الأصل من عشش الترجمان القاهرية..كنت ترى رجالاً تُرقص القرود..ونساءً يتجولن في الأزقة بمعيز ترعى القمامة..وأطفالاً يجمعون السبارس..وكانت أكثر المباني مؤلفة من عشش الصفيح المرقعة بالخيش والأبراش التي يعلوها الدجاج والمعيز..وكان قسم كبير من هذه العشش يمتد في شارع رأس التين الموصل إلى السراي العامرة حتى يشاهدها السفراء والقناصل في كل تشريفة».
تنطلق شرارة ثورة 1919 بعد اعتقال سعد زغلول وزملائه في 8 مارس عام 1919 ونفيهم جميعا إلى جزيرة مالطة، وتزداد الثورة اشتعالًا في النفوس، وتتأهب الأمة للكفاح، ويسعى بيرم مع أولاد البلد للانضمام إلى صفوف الطلبة والعمال، ويرى أنه يستطيع أن يقوم بدور مهم في صفوفهم لإذكاء الروح القومية بين أصحاب القضية أبناء الشعب، الذين لا يستطيع المستعمر أن يقبض عليهم جميعًا.
تضامن بيرم مع طلبة المعاهد الدينية والمدارس الذين قرروا الإضراب في الإسكندرية يوم 12 مارس احتجاجًا على سلطات الاحتلال، ويجتمع معهم في ميدان مسجد أبي العباس المرسي، ويسير في المظاهرات إلى مبنى المحافظة القديم بشارع رأس التين، وكان الهتاف بالحرية والاستقلال، ولكنهم قبل أن يصلوا إلى المكان، خرجت عليهم قوات البوليس تجري خلفهم بالعصا، فقد أصدر جارفز بك حكمدار الإسكندرية، والمستر أنجرام مأمور الضبط أوامر لقوات الأمن بفض المظاهرات تنفيذًا للأوامر العسكرية التي تحرم أي تجمهر. إلا أن المظاهرات في الإسكندرية لم تنقطع، فقد كانوا كلما فضوها بالقوة عادت للسير من جديد في الأيام الأخرى، ويأتي يوم 17 مارس، لتخرج فيه من حي الأنفوشي أكبر مظاهرة شهدتها الإسكندرية آنذاك، ولهذا أحاطتها القوات البريطانية، وحاولت أن تمنعها من مواصلة السير، ولكنها لم تستطع، وعندئذ أطلقت عليها النيران، فاستشهد 16 قتيلًا وأصيب 24 جريحًا من بين طلبة المدارس الصناعية والثانوية والمعاهد الدينية، وأدى هذا الحادث إلى غليان أهالي الإسكندرية، فخرجوا في مظاهرات أشد وأقوى، هاتفة بالحرية والاستقلال. ويعبر بيرم بنفسه ويستطرد في رواية ذكرياته عن تلك الفترة بقوله:
وأدرك بيرم أثناء اندلاع الثورة أن المستعمر ينهب خيرات بلاده، ويعيدها إلى الناس في صورة بضائع حتى يروج أسواقه فيقول:
وكان بيرم يرسل قطع زجلية إلى الصحف التي كان يكتب لها مثل«الاكسبريس»، إلى أن أصدر بيرم جريدته«المسلة» التي كان ينشر بها أعماله وقطعه الزجلية.
كان بيرم يوم 23 يوليو 1952 جالسًا على المقهى الذي اعتاد الجلوس عليه بجوار منزله في حارة النواوي بشارع السد البراني، وكان في ذلك الوقت يكتب زجله لجريدة «المصري». إذا به يسمع المذيع في الراديو وهو يعلن خبر قيام ثورة من الجيش في مصر، ولا يملك بيرم نفسه من الفرحة، فيقوم ليهنئ كل الجالسين على المقهى، ويجري بكل قوته إلى الإذاعة المصرية، ليقف أمام الميكروفون، وهو يتنفس لأول مرة من أعماله نسائم الحرية.
يقف ليقول للمستمعين زجلًا على نفس وزن بحر الزجل الذي شتم به السلطان فؤاد، ويبدأ هذا الزجل بنفس مطلع الزجل القديم، فيقول:
و سخر بيرم قلمه لخدمة الشعب وأغراض الثورة، وعندما حصل بيرم على الجنسية المصرية في عام 1954، فإنه اعتبر ذلك خير رد لاعتباره من جانب الدولة المصرية.