If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ذكريات عن مؤنس طه حسين بقلم صديقه وجاره الشاعر والكاتب د. عبد الرشيد الصادق محمودي, هي في جوهرها دراسة أدبية إنسانية تحليلية لشخصية مؤنس وأعماله الدراسية والإبداعية ـ في مقدمتها شعره ـ كتبت في ظل مودة غامرة وصحبة حميمية وتآلف روحي تحقق للصديقين مؤنس وعبد الرشيد, الأمر الذي يجعل منها وثيقة نادرة وكاشفة, بالنسبة لعالم مؤنس طه حسين وشواغله ودوافع هجرته ومواجهته لمصيره المتوحد بعد وفاة أخته الوحيدة أمينة ورحيل زوجته ليلي العلايلي, التي حمل لها أعمق الحب وأجمله وتغني بها في ديوانه الرابع والأخير سوف ينحسر البحر الصادر عام1995, وكله متخصص لرثائها والتعبير عن عمق فاجعته بافتقادها.
ولقد كان بعض أبناء جيلي ـ ونحن طلاب علم في الجامعة إبان الخمسينيات ـ نتسامع بأمر مؤنس طه حسين, وتصل إلينا أصداء من سيرته, أبرزها غربته التامة داخل إطار اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية, لكن لأنه الامتداد الحي لطه حسين العظيم, فقد كان انتسابه الي الرمز الكبير يقلقنا ويثير دهشتنا, ثم جاءت الكلمة الضافية للدكتور عبد الرشيد لتجلو بعض الغشاوة عن عيوننا, فهو يحكي مثلا ما رواه له مؤنس من أن والده كان يختبره في العربية أحيانا فيتلجلج, وكيف كان طه حسين يعرب عن استيائه, وقد حاول أن يعالج هذا القصور فاستقدم لمؤنس معلما للغة العربية, ولكن الأوان كان قد فات لتوثيق علاقة الغلام بها. كما يروي الدكتور عبد الرشيد بعضا مما قيل عن تركه للعمل في قسم اللغة الفرنسية بسبب نزاع علي الترقية أو رئاسة القسم.
ويضيف الي هذا أنه ـ أي الدكتور عبد الرشيد ـ يخيل اليه أن لرحيل مؤنس عن مصر أسبابا أخرى تتعلق بتطورات ذات صبغة عامة. فلعله رأي أن البيئة الثقافية الناطقة بالفرنسية في مصر, التي نشأ فيها وازدهر قد أصابها التدهور. ثم يضيف أن الأوضاع في الجامعة وفي الحياة الثقافية المصرية ـ بصفة عامة ـ أخذت تتغير علي نحو شامل منذ قيام الثورة, ونزوح كثير من الأجانب وتضييق الخناق علي الجامعة والجامعيين. ولعل مؤنس قد شعر أن الحياة في مصر لم تعد تلائمه, ولم يكن في ذلك مختلفا عن غيره من الكتاب والفنانين الذين أخذوا يرحلون عن مصر بداية من أوائل الخمسينيات.
يري الدكتور عبد الرشيد أن رحيل مؤنس عن الجامعة المصرية, كان إحدي المحن الكثيرة التي تعرض لها, فقد خسرته الجامعة كما خسرها فقد كان أستاذا جامعيا بكل معني الكلمة, وكانت الجامعة هي بيئته الحيوية التي يمكنه فيها أن يزدهر بحق, فيمارس نشاطه الأكاديمي دون إضرار بإبداعه أو هواياته المتعددة. كما يورد شهادة لبعض من درسوا عليه ـ في قسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب( الدكتورة أمينة رشيد والدكتورة آمال فريد) وكيف كان مؤنس يفتح لهم أبواب الثقافة الرفيعة, ويعلمهم الاهتمام بالموسيقي وتاريخ الفن, وكيف كان قادرا علي تحبيبهم في الشعر اللاتيني رغم بعده عن أذواقهم, وكيف كان يخرج عروضا مسرحية يمثل فيها طلابه, وكان بين الحضور طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل. ويكفي دليلا علي تفتح مواهبه في سن مبكرة أنه نشر ديوان شعره الأول شاحبا كان الظل وهو في السادسة عشرة من عمره.