If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أنشأ ديفيد بونيت وجون ريزنر عام 1994 شركةَ استضافةِ مواقع إنترنت تُدعَى بيفرلي هيلز إنترنت. والذي بدأ بفكرةٍ مبتكرة، وهي استعمال أسماء الأحياء السكنية لتنظيم وتصنيف صفحات الإنترنت؛ فالمستخدمون، أو كما كان يُطلَق عليهم «مُلَّاك العقارات السكنية»، كان بمقدورهم إقامة صفحاتِهم على الشبكة العنكبوتية العالمية مجانًا داخل الحي السكني الافتراضي الذي يختارونه، وأُعطِيَت كلُّ صفحة ويب عنوانًا إلكترونيًّا (يو آر إل) فريدًا، شمل اسمَ الحي السكني وعنوانَ الشارع، وحملت الأحياء الأولى أسماءً مثل: «كولسيوم»، و«هوليوود»، و روديو درايف، و«صنست ستريب»، و وول ستريت، و ويست هوليوود. كانت الفكرة هي أن ينجذب المستخدمون إلى اسم الحي الذي يعكس اهتماماتهم على أفضلِ نحوٍ؛ فعلى سبيل المثال: الموقع الإلكتروني الترفيهي سيكون في «هوليوود»، والموقع الإلكتروني المالي في وول ستريت، والموقع الإلكتروني الموسيقي في «صنسيت ستريب». والواقع أن تلك «الأحياء» بدأت تصبح ذاتَ أهميةٍ للناس خلال معاناتهم لإيجاد مكانٍ على الويب لصفحاتهم الرئيسية. وفي كانون الأول / ديسمبر 1995، توسَّعَتْ شركة بيفرلي هيلز إنترنت إلى ١٤ حيًّا، شملت «طوكيو» و«باريس» و«سيليكون فالي»، وتغيَّرَ اسمها رسميًّا ليصبح جيوسيتيز.
أدَّت جوجل دورًا فعَّالًا في إعادة إنتاج هذه الكمية الضخمة من البيانات المتاحة؛ حيث ساهَمَ محركُ البحث في تحويل الشبكة العنكبوتية العالمية من قاعدة بيانات غير عملية من المعلومات المصنفة بعنايةٍ، إلى كومةٍ من المعلومات المتفرِّقة يمكن تجميعها بمرونة؛ فمثلًا: لم يَعُدْ ضروريًّا أن تقبع صفحاتُ الشبكة العنكبوتية العالمية الشخصية التي تحتوي صورًا للقطط وكلمات الأغاني المفضَّلة داخل حي «سيليكون فالي»، ولكن أصبح بالإمكان العثور عليها بالبحث عن «قطط» أو اسم مؤلِّفك الموسيقي المفضَّل. جعلَتْ جوجل كوْنَ المعلومات متفرقاتٍ أمرًا مقبولًا، حيث جعلت غياب التصنيف للمعلومات أمرًا لا مناصَ منه.
وعلى مدى 15 عامًا منذ تطوير جيوسيتيز، تغيَّرَت الشبكة العنكبوتية العالمية تغيُّرًا كبيرًا؛ فزاد تواصُل الأشخاص اجتماعيًّا، واستهلاكُهم المواد الترفيهية والأخبار، وبحْثُهم عن المعلومات على الإنترنت. لم نَعُدْ نزور المواقعَ الإلكترونية فعليًّا، بل صرنا نزور الشبكة العنكبوتية العالمية نفسها ببساطة. وبسبب الانتشار الكبير للشبكة العنكبوتية العالمية، نجد أنه لم يَعُدْ بَنَّاءً أن نميز بين الشبكة العنكبوتية العالمية (التي تُفهَم بين مستخدِمِي الشبكة العنكبوتية العالمية عادة على أنها المحتوى الكائن داخل المتصفحات) وبين الإنترنت؛ وهي البنية التحتية للشبكات التي تجعلها جميعًا ممكنة. فجميع ما سبق هو الشبكة العنكبوتية العالمية. ومثلما يظل البرنامج التليفزيوني برنامجًا تليفزيونيًّا حتى إنْ عُرِض على الشبكة العنكبوتية العالمية، فإن الشبكة العنكبوتية العالمية تجاوَزَت عتادها المادي وبرمجياتها، وأصبحت تدل على شبكة المحتوى التي تسود ساحةَ اتصالنا.
تمتد الشبكة العنكبوتية العالمية الآن إلى المواقع المادية. عندما تتاح للناس فرصةُ إدراجِ بياناتٍ أولية في خرائط مجمَّعة ، والدخول إلى الشبكة العنكبوتية العالمية من هواتفهم المحمولة ذات الإدراك المكاني، فثمة مُجددًا تغييرٌ هائلٌ في كيفية تنظيم المعلومات: من «أرضٍ قاحلةٍ مليئة ببيانات غير مُنقَّحة» يُشار إليها عادةً ب «الفضاء الرقمي»، إلى خريطةٍ للمعلومات موضوعةٍ في سياق مادي. فالمنطق التنظيمي الجديد للشبكة العنكبوتية العالمية صار يعتمد على الموقع المادي، وصارَتْ أشكالُ المعلومات التي نجدها ونصل إليها على الشبكة تعتمد بقدر متزايد على مكاننا.
هذا الارتباط مع المواقع المادية لا يمثِّل فقط منطقًا جديدًا لتنظيم المعلومات على الشبكة، ولكن يمثِّل أيضًا تغيُّرًا جذريًّا في طريقةِ فهمنا للشبكة العنكبوتية العالمية ذاتها. مثَّلَتْ جيوسيتيز أسلوبًا للتفكير في الشبكة العنكبوتية العالمية وَضَعَ عالَمَ المعلومات بمعزل عن العالَم المادي. وبالصياغة الشهيرة لنيكولاس نيجروبونتي (١٩٩٥)، كان يوجد اختلاف جَلِيٌّ «بين الذرَّات والبِتَّات»؛ فما كان ممكنًا في عالَم المعلومات الخالصة كان شديدَ الاختلاف عمَّا هو ممكنٌ في عالمنا المادي الذي تحكمه قوانين الفيزياء. أما الآن، فما يجري تنظيمه ليس فقط المعلومات، ولكن أيضًا العالَم المادي الذي يحتويها.
كان الاعتقادُ بأن عالم الذرات مختلف عن عالم البِتَّات ناتجًا إلى حد ما عن التقنيات التي كنا نستخدمها للاتصال بالشبكة العنكبوتية العالمية؛ فاستخدام كمبيوتر مكتبي ثابت «للولوج» إلى الشبكة العنكبوتية العالمية كان يعني عادةً حتميةَ أنْ يكون المستخدمون جالسين أمام شاشةٍ، وهو وضعٌ حالَ دون الكثير من الأنشطة في العالم المادي. وإضافةً إلى ذلك، فإن خبرة تصفُّح الشبكة العنكبوتية العالمية غالبًا ما كانت خبرةً فرديةً. وحتى لو كان الغرض من دخول الشبكة العنكبوتية العالمية هو الانخراط اجتماعيًّا مع الآخرين، فإن انتشار العوالم الافتراضية وغرف المحادثات على الإنترنت، قاد الكثيرين إلى الاعتقاد بأننا قد ينتهي بنا الحال إلى التواصل فيما بيننا في المقام الأول في فضاءات رقمية. قاد ذلك إلى الاعتقاد بأنه لو استطاعت الشبكة العنكبوتية العالمية أن تعطينا إحساسَ «التواجُد في مكانٍ ما»، فلن توجد حاجةٌ إلى الخروج للفضاءات العامة والتواصُل اجتماعيًّا مع الآخرين وجهًا لوجه.
بعد مرور خمس سنوات على اختراع أول عالَمٍ افتراضيٍّ على الإنترنت — «الزنزانة المتعدِّدة المستخدمين» (إم يو دي) التي ابتكَرَها ريتشارد بارتل وروي ترابشو — وصفَتْ روايةُ الخيال العلمي «نيورومانسر» (١٩٨٤) لويليام جيبسون عالَمًا معلوماتيًّا يُدعَى المصفوفة، ويتصل به المستخدمون بواسطة شرائح عصبية مزروعة فيهم. في هذا العالَم، يستطيع الأشخاص حرفيًّا أنْ «يُجْرُوا عمليةَ تنزيلٍ رقمية لأدمغتهم»، وأن يتخلَّوْا عن أجسادهم المادية. الشخصية الرئيسية في هذه الرواية وهي «كيس» تنال عقابًا في بداية القصة؛ فلا يعود في استطاعتها الاتصال بالفضاء الرقمي، وتظل حبيسَة جسدها المادي. وثمة شخصيةٌ أخرى هي «بوف» ليست سوى وجهةَ نظرِ، وتتكون كليًّا من بياناتٍ، وهي متحررة تمامًا من جسدها المادي. استمر هذا التصور طوال تسعينيات القرن العشرين، وجُسِّد في كتبٍ مثل «مايند تشيلدرن» لهانز مورافيتش، وأفلامٍ مثل ترون (كوشنر وستيفن ليزبرجر، 1983)، وماتريكس (أوزبورن واتشوسكي وواتشوسكي، 1999)، وفيلم الطابق الثالث عشر (إيميريش وآخرين، 1999). وباقتران هذه المراجع الروائية مع المجال الأكاديمي الناشئ لدراسات الإنترنت أسَّسا نموذجًا للتفكير بشأن الشبكة العنكبوتية العالمية، كان كامنًا بشدةٍ في مفهوم أن الشبكات الرَّقْمِيَّة تمضي بالتوازي مع «الحياة الحقيقية»، ولكنها تظل منفصلةً عنها.
دفعت إمكانية التواصل اجتماعيًّا مع الناس عن طريق الشبكة بعضَ الأشخاص للقلق من احتمالية اختفاء الفضاءات العامة النابضة بالحياة؛ فلو أنَّ في استطاعة المرء أنْ ينجز كلَّ شيء عن طريق الإنترنت — كالعمل والتسوق والمعاملات البنكية وطلب الطعام — فما الداعي لمغادرة المنزل؟ ولا شك أن استعمال الهواتف المحمولة والاتصال بالإنترنت من خلالها ساهَمَا في تحرير الناس من فضاءات أعمالهم الثابتة وقيامهم بأنشطة أثناء الحركة مثل: الحديث، والتسوق، والتنسيق مع الآخرين. لهذه الأسباب، كثيرًا ما كان يُنظَر إلى الهواتف المحمولة أيضًا على أنها تفصل الناسَ عن أماكنهم المادية، والأهم من ذلك أنها تفصلهم عن التفاعل الاجتماعي في تلك الأماكن. في مرحلةٍ ما شعر كلُّ شخصٍ منَّا بالانزعاج من استخدام الهواتف المحمولة في المطاعم ووسائل المواصلات العامة وفي الفضاءات العامة.
ولكن الأمر يتعدَّى مجرد الإزعاج؛ فقد غيَّرَ ذلك طريقةَ تفكيرنا في الشبكة العنكبوتية العالمية؛ فلم تَعُدِ البياناتُ متفرقة فقط، ولكنها أصبحت واسعةَ الانتشار ومحدَّدةَ الموقع أيضًا، وتغيَّرَتِ الفكرةُ الرئيسية السائدة بشأن الشبكة العنكبوتية العالمية؛ من الافتراضية إلى الحركية. عكست الدراساتُ الجديدة الطرقَ المتغيِّرة التي يستطيع بها المستخدمون التفاعُلَ مع شبكة الاتصال، وفيما بينهم. وبالرغم من كون القدرة على فعل أشياء (كالتواصُل مع الآخرين والوصول للبيانات) أثناء الحركة ليسَتْ أثرًا مباشرًا لرواج الهواتف ذات الإدراك المكاني، فإنها تحدَّتْ الِافتراضاتِ القديمةَ عن حالة الفضاءات المادية ومفهوم الشبكة العنكبوتية العالمية. ما أُطلِق عليه نموذجُ الحركيات لا يختصُّ بالشبكة العنكبوتية العالمية وحدها، ولكن تركيزه على الفضاءات المادية والقدرة على الاتصال هيَّأَ الأجواءَ أمام طريقةٍ جديدة للتفكير بشأن ثنائية الافتراضي/المادي. لو أن الاتصال بالشبكة العنكبوتية العالمية خلال تسعينيات القرن العشرين كان يعني التحديقَ في شاشة ثابتة، فاليومَ صار الاتصالُ يعني بصورةٍ متزايدة السيْرَ في فضاءات عامة، ومشاهدة شاشات إعلانية مختلفة، وشراء ملابس، والتحدُّث إلى شخصٍ ما على هاتف محمول.
أغلقَتْ «جيوسيتيز» أبوابها رسميًّا في ٢٦ تشرين الأول / أكتوبر 2009، وتنحَّى جانبًا تصوُّرُ الشبكة بوصفها مدينة رمزية، وترَكَ الساحةَ لواقعية الشبكة العنكبوتية العالمية بوصفها «جزءًا» من المدينة. كلما واصلت معلومات العالَم طريقَها نحو الارتباط بالموقع والقابلية للبحث، وازدادت سرعة الشبكات ذات النطاق العريض والشبكات الخلوية، وارتفع «ذكاء» الأجهزة المحمولة؛ فقَدَت الشبكة العنكبوتية العالمية انفصالَها عن العالَم الذي سعت إلى تصنيفه. «لم تَعُدِ الإشاراتُ إلى الفضاءات المادية على الشبكة العنكبوتية العالمية (مثل: هوليوود وسيليكون فالي) إشاراتٍ رمزيةً إلى المعلومات الرَّقْمِيَّة، بل صارت الفضاءات المادية هي سياق هذه المعلومات.» لم يَعُدْ بمقدورنا الحديث عن حياتنا «الحقيقية» وحياتنا الرَّقْمِيَّة، يمكننا فقط الحديث عن الواجهات البينية التي تتجمع خلالها قنوات اتصالنا المتعددة (وجهًا لوجه، والرسائل الإلكترونية، والرسائل النصية القصيرة، ووسائل أخرى كثيرة). في تسعينيات القرن العشرين سيطرَتْ فكرةُ «المدينة الافتراضية» على أخيلة الناس، أما في وقتنا الحاضر، فلا توجد مدينة شبكة عنكبوتية عالمية رقمية، وبدلا من ذلك، بالنسبة إلى غالبية الناس، لا توجد مدينة مادية دون الشبكة العنكبوتية العالمية.
شَكِّلت الخدمات المعتمدة على الموقع القطاعَ الأسرع نموًّا في مجال تكنولوجيات الشبكة العنكبوتية العالمية. ومن بين الخدمات المعتمدة على الموقع، تُعَدُّ الملاحةُ الشخصية (وهي خدمات تتيح للمستخدِمين الوصولَ إلى الموقع والبيانات ومشاركتهما مع الأصدقاء) الأسرعَ نموًّا، وكل المؤشرات تدل على أن دمج بيانات الموقع في التطبيقات الاجتماعية والتجارية لن يتباطأ. قاد توافُر بيانات الموقع إلى ظهور تطبيقاتٍ مثل: «جيو تشيرب» أو «تويتر ماب» الذي يضع التغريدات في سياقٍ يعتمد على الإحداثيات الجغرافية، أو «تويت أراوند»، وهو خريطة واقع معزَّز تمزج بين خاصية الكاميرا في الهاتف الذكي والتغريدات المرتبطة بالموقع.
الموقع المكاني شكلٌ متزايد النفع لتجميع البيانات لمتصفِّح الشبكة العنكبوتية العالمية على الأجهزة الثابتة، ولكنه «أساسي» بالنسبة إلى تطبيقات الأجهزة المحمولة. ولا شك في أن من خصائص الهواتف المحمولة (الذكية) الرئيسية قدرتها على تحديد مكان الشخص ووضع سياقٍ لتعامُله مع الشبكة العنكبوتية العالمية فعلى سبيل المثال: تتيح الشبكات الاجتماعية المعتمدة على الموقع، مثل فورسكوير ولوبت، للمستخدمين رؤيةَ مكانِ تواجُد «أصدقائهم» على شاشات هواتفهم المحمولة. وبالمثل، يمكن الإعلانَ المعتمِد على الموقع إيصال قسائم شرائية أينما كان المستخدِم في نطاقٍ محدَّدٍ لمتاجر بعينها، ٥ وتسمح تطبيقات الأجهزة المحمولة التي تتيح التعليقات التوضيحية — مثل «ويكي مي»، و«جيو جرافيتي»، و«مازجات خرائط جوجل» — للأفراد بالوصول إلى المعلومات الخاصة بالأماكن وتحميلها. ولأنه باستطاعة المستخدمين تخصيص المعلومات التي يرغبون في التفاعل معها (أيًّا من الأصدقاء يرغبون في رؤيتهم، وأيَّ قسائم شرائية يرغبون في الحصول عليها، وأيَّ بياناتٍ يرغبون في الوصول إليها)، فالآن يستطيع الناسُ استخدامَ تلك الأجهزة لإضفاء طابعٍ شخصيٍّ على خبراتهم مع الفضاءات المادية والتحكم في تلك الخبرات؛ فالعالم المادي مليء بالمعلومات، ويستطيع مستخدمو الويب تنظيمَ تلك المعلومات في الأماكن التي قد يتواجدون بها.
تحيط قاعدةُ البيانات بنا من كلِّ مكان، وبينما يفتح هذا التصورُ البابَ أمام بعض الاحتمالات المشوِّقة لصِيَغ جديدة من التفاعل مع العالم وفيما بيننا، فليس صعبًا تخيُّل الأخطار الموازية؛ فإحدى عواقب قدرة المرء على تحديد موقع الأشياء والأشخاص هي أنه يمكنك أنت نفسك تحديد موقعك، وقد تكرَّرَتْ كثيرًا نظرةُ الشك والخوف من التكنولوجيات ذات الإدراك المكاني بدعوى التهديدات المحتملة للخصوصية الشخصية والمراقبة العليا والموازية الوشيكة.
ومع ازدياد تَقبُّل الناس لفكرة السماح لأجهزتهم بتتبُّع إحداثياتهم المكانية، ومع تنامي اعتيادهم على تأثير موقع عنوان بروتوكول الإنترنت الخاص بهم على نتائج البحث، ومع توقعاتهم برؤية إعلانات مرتبطة بالموقع، أصبحوا منفتحين على البيئة المحيطة. المراقبةُ أكثر من مجرد كاميرا مخبَّأة وضابطِ شرطةٍ متخفٍّ، فالبيئاتُ المحيطة تتعقَّبُنا من خلال البيانات الشخصية التي نكشفها طوعًا. عندما قدَّمَ روجر كلارك مفهومَ رصد البيانات في عام 1998 ، كان يشير في الأغلب إلى تعقُّب البيانات الشخصية خلسةً باستخدام آلات مركزية، أما في وقتنا الحاضر، فقد جعلَتِ الأجهزةُ ذات الإدراك المكاني رصْدَ البيانات أمرًا طبيعيًّا، بل مكوِّنًا ضروريًّا أيضًا لتعاملاتنا اليومية مع الشبكة العنكبوتية العالمية. فتُعَدُّ مشاركتنا للبيانات أمرًا ضروريًّا لكي نحسن «استخدام» الشبكة العنكبوتية العالمية.
يوفِّر رسم خرائط للمعلومات والناس البنيةَ التحتية التي يمكن من خلالها وضع المستخدم على مسافة نسبية من كل مكان في العالم. ولكننا لا نقول إن المستخدمِين يشعرون بالضرورة بأنهم قد صاروا أقربَ إلى العالم المرسوم في الخرائط؛ فقد أشار الفيلسوف مارتن هايدجر في عام 1971 إلى أن المذياع في خمسينيات القرن العشرين لم يقرِّب بين أنجاء العالَمَ؛ فالاستماع إلى صوت المذيع، بينما يبدو شديدَ القرب كما لوكان بالغرفة ذاتها، ليس في واقع الأمر سوى الفهم الخاطئ لانعدام المسافة. عادةً ما يُشَغِّل الناس المذياع عندما يشعرون بالوحدة، ولكن لا يوجد أي حميمية في الاستماع إلى ذلك الصوت، فقط يوجد انطباعٌ بوجودِ حميميةٍ، وهذه الحميمية في جانبٍ كبيرٍ منها مصطنعة.
في الممارسة الفعلية، للقُرْب المادي والقُرْب عن طريق وسيطٍ، تأثيراتٌ متباينة على سلوك الناس؛ فإذا تصوَّرْنا — مثلًا — شخصين يجلسان متجاورين في حافلة ركاب، فإن لكل منهما مسئوليةً تجاهَ الآخر ليسَتْ موجودةً لدى شخصٍ يستمع إلى آخَر عبر المذياع. فلو جرح الشخصُ الجالس بجوارك ذراعه أثناء جلوسه، فستسأله على الأرجح عمَّا به، أما لو وصَفَ الصوتُ الذي تستمع إليه في المذياع إصابتَه بشيءٍ مماثل، فمن المستبعد تمامًا أن تتصل بمحطة الإذاعة لتسأل عن حالته. تتضح المسافة عندما نتذكر وجودنا في الموقع المادي.
ولكن مع تغيير تكنولوجيات الإدراك المكاني وممارساته الطريقة التي يدرك بها الناس موقعهم المادي، يضيق تدريجيًّا الفارقُ بين القُرْب وانعدام المسافة. يصطنع الإعلامُ المسموع إحساسًا بالحميمية بجعل الأمر يبدو وكأنَّ المذيعَ موجودٌ معك في الغرفة نفسها ويتحدَّث إليك، وهذا الأمر يحدث من طرفٍ واحدٍ فقط؛ فالراجح أن المذيعَ لن يبادِلَ كلَّ مَن يستمع إلى برنامجه هذا الشعورَ نفسه. ولكنْ أن يضع المرءُ نفسَه في موقعٍ يربطه ببقية العالَم، فإن في ذلك تحدِّيًا للتمايُز الصارم بين ما يبدو قريبًا من خلال وسيطٍ وبين ما هو قريب حقًّا. عندما يصبح المرء مُدْرَجًا على خريطة، وموضوعًا في علاقةٍ جغرافيةٍ مع أشياء محددة على الخريطة، فإن ذلك يُوجِد نوعًا من الإحساس بانعدام المسافة، وكأنَّ هناك وصولًا عالميًّا لكل شيء، ولكنْ يوجد مع ذلك شعورٌ بالقرب، وفي هذه الحالة فإنَّ كلَّ شيء يُقاس بالمسافة الفعلية بينه وبين المراقب.
لم يَعُدْ تحديدُ المرء لموقعه مجردَ صورةٍ من المشاركة، مثل إضافةِ تعليقٍ إلى مدونة أو نشرِ تعقيبٍ على يِلب، بل صار يهيِّئ فعليًّا ظروفَ التفاعل ويوفِّر السياقَ الذي تُؤَوَّل المعلومات وتُستخدَم من خلاله؛ ولذلك فإن للموقع أهميةً أكبر مما لبقية صور الهُوِيَّة الشبكية. يَبْني اسمُ المستخدم والصورة التي ترمز إليه (الأفاتار) الهُوِيةَ أما الموقع فيَبْني الإطار الذي يمكن من خلاله للهُوِيَّة أن تتشكَّل؛ فهو يحدِّد موضعَ المستخدم في شبكةٍ ما، ليس فقط بوصفه عضوًا في مجتمعٍ على الإنترنت، ولكن في علاقته بالشبكة عمومًا. يخلق الوضوحُ الجذري للبيانات المحددة الموقع للمستخدمين «إمكانيةَ» أن يختبروا قُرْبًا ذا مغزًى من الأشياء والأشخاص. إن تحوُّلَ التفاعل الاجتماعي عبر الوسيط من مجرد انعدام المسافة — كما وصفه هايدجر — إلى القُرْب هو مسألة ممارسة.