If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان الوادي، وكل من فيه، إرثا لقبيلة برلاس، لكن القبيلة لم تكن مالكة للوادي إلا بقدر ما كان باستطاعتها الاحتفاظ به، والدفاع عن كرومه ومروجه ومراعيه. كان أفراد القبيلة طوال القامة، ضخام الأجسام، ينحدرون من الشاقاص (السيئيين)، أو من الأتراك كما يقول بعضهم. وقد اكتسبوا التسمية المغولية بعد أن انضموا للعمل تحت راية جنكيزخان، وحاربوا مع ابنه جوشي في صفوف الجماعة (الهوردة) الذهبية، في روسيا والقرم.
كان جنكيزخان قد جعل من قبائل منغوليا وتركستان أسيادا على آسيا وأوروبا الشرقية. وكان البرلاس رجال حرب كأجدادهم، وقليل منهم من كان يموت تحت سقف خيمته. وكانوا لا زالوا محتفظين غريزيا بالمهارة في المحاربة الصحراوية كما كان أسلافهم من قبل.
كانوا مغرمين بالصيد بواسطة الصقور، وكانوا مهرة في استعمال القوس والنشاب المزدوج الرأس، يصيدون الطيور وحيوانات الغاب. وكان لحم الصيد طعامهم المفضل، وكذلك عجز الجمل. كانوا يأكلون من حلة عامة، يتحلقون حولها جثوا على السجاد، وأصابعهم تحمل الطعام إلى الأفواه.
كانوا يعجبون بالفروسية العربية. وكانوا، كعرب البادية، دائمي الضجر والتبرم ما لم يكونوا على ظهر الجواد. كانوا أرستقراطية حرب ونزال، ويعتبرون مصاهرة التجار والمزارعين ضارة بعنصرهم ومحطة له. وكانوا لا يحسنون تجارة ولا صناعة، وكانوا لذلك فقراء وفي طريقهم إلى الإفلاس والخراب. كانوا كرماء إلى حد غير معقول، وعلى مقدار عظيم من العناد والقسوة البالغة. كانوا يبيعون ممتلكاتهم أو يرهنونها للإنفاق على ولائمهم. كانت الضيافة طبيعة، وكانت أفنية دورهم محشورة دائما بعابري السبيل، في حين كانت أغنامهم مواظبة على السير إلى داخل الحلة.
وكان يعيش في وادي المدينة الخضراء أناس من غير قبيلة البرلاس. كان هناك مزارعون إيرانيون، يعملون بصبر وأناة في الحقول والمزارع، ويروون الأرض بمياه الأقنية وأخاديد الري. وكان هناك السرتيون سكان المدينة، يجلسون في الأكشاك في ميدان السوق، ويصغون إلى القراء يرتلون من آيات القرآن كتاب الله الكريم. كانوا يعتمرون العمائم، ويتبعون شريعة الإسلام، بينما كان الرجال ذوو الخوذ يعملون بشريعة الياسا، شريعة جنكيزخان.
ومما كان يزيد في سوء أحوال قبيلة البرلاس، ولا يعمل شيئا لإصلاح اوضاعهم انهم كانوا بلا زعيم. فطرقاي، الذي سبق وكان رئيسا للقبيلة، كان رجلا وديعا، ممتلثا بكرامته وشرف مقامه ومحتده. كان قد استمع كثيرا لدروس الفقهاء، وأصغى مقتنعا لشروحاتهم وتفاسيرهم، ثم راح يعيش منعزلا كناسك، ضيفا على إحدى التكايا. وقد قال لابنه تيمور:
وكان من عادة طرقاي، كسواه من الآباء، أن يحاضر ابنه في ماضي أجداده وامجادهم، وهم الذين كانوا أسيادا على الجبال المطلة على صحراء كوبي. كان يحدثه عن الأميرات الصينيات، اللواتي كن يرسلن كزوجات لخانات الصحراء، مع عربات محملة بالحرير والعاج المصنع. وكان يروي له أيضا قصصا عن احتفال هؤلاء الخانات بالنصر، وعن شربهم لحليب الأفراس في جماجم أعدائهم وقد بطنت بصفائح من الذهب الخالص. وكثيرا ما كان يقول:
وكان يعود ليستطرد ويقول:
وهكذا رحل طرقاي عن هذه الدنيا، تاركا وحيده لمصيره. ولكن رجال التكية كانوا قد عرفوا بوجود الصبي. وذات يوم كان تيمور جالسا عند إحدى زوايا الردهة، يقرأ سورة من القرآن، ومر به متعمم أبيض الشعر، فسأل تيمور عن اسمه، فقال هذا وهو يهب واقفا:
- أنا تيمور
تطلع سليل الرسول إلى الصبي، وأمعن النظر في وجهه، وقال:
- أيد دائما دين الإسلام، وتكون بخير وأمان..
فكر تيمور في هذا القول مليا، وكانت النتيجة أن أعرض لبعض الوقت عن المشاركة في البولو ولعب الشطرنج، وكانا تسليته المفضلة. وكان من عادته، عندما يلتقي بدرويش جالسا في الظل، على طريقه، فإنه كان ينزل عن حصانه، ليسأله البركة. لم يكن يقرأ بسهولة، ولذا اقتصر جهده على سورة واحدة، إلى أن أتقن استظهارها عن ظهر قلب.
في هاتيك الأيام، وقد بلغ السابعة عشرة من عمره، كان كثير التردد على المساجد، مستمعا إلى دروس الأئمة والفقهاء. وفي رواية أن أحدهم، ويدعى الملا زين الدين، ابصر بالفتى يوما، فناداه إليه، ليعطيه قلنسوته الخاصة، وحزاما من الشال، وخاتما مرصعا بحجر من العقيق الأحمر. كان زين الدين هذا ثاقب الفراسة، خبيرا بطبائع البشر وأحوال الدنيا، ويتحلى بكثير من مؤهلات الزعامة. وكان تيمور يتذكر دائما عينيه الحادتين، وصوته الرزين، وربما هديته أيضا.
كان الحاج برلاس الزعيم الوحيد الباقي في قبيلة برلاس، وكان عما لتيمور، أخا لأبيه، ولا يرى إلا نادرا في المدينة الخضراء. كان قد أدى فريضة الحج إلى مكة المكرمة، ولم يكن ليهتم بتيمور، ابن أخيه، أو يسأل عنه. وكان كثير الوساوس والظنون، متهورا ودائم الكآبة. وقد سارت أمور القبيلة تحت زعامته إلى أسوأ ما يمكن أن يكون، وتحول معظم الوجهاء والبارزين في القبيلة للعمل في خدمة الأمراء والملوك. وإلى هناك ذهب ايضا تيمور، بعد أن بلغ سن العشرين.