If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
تناولت الحضارات القديمة والحديثة الأمراض النفسية وأثرها على المرضى النفسيين، وشمل ذلك تقديم التفسيرات والعلاجات المختلفة لها، وكانت ترى هذه الحضارت الأمراض النفسية من زوايا مختلفة.
كانت الأمراض النفسية قديماً رمزاً للشر وسيطرة الأرواح الخبيثة على الفرد، واعتقد الناس لقرونٍ عدة أن سبب الأمراض النفسية هو سيطرة الأرواح الشريرة أو غضب الآلهة، وأن الشفاء يكون برضاها. وكانت علاجاتها سابقاً قاسية وغير إنسانية، ويشوبها العنف الجسدي والبدني؛ كحرق المرضى وهم أحياء بما أنهم أفراد قد وقع عليهم غضب الآلهة، بالإضافة إلى نبذهم والنفور العام منهم. وبشكل عام فقد كانت أبرز الإجراءات التي تُتخذ تجاههم هي التخلص منهم، أما الحالات المرضية الخفيفة والطفيفة فقد كان يتم الاعتناء بها بشكل بسيط. وفي وقت لاحقٍ جاء أبوقراط في القرن الخامس قبل الميلاد ووضع العديد من النظريات التي عالجت آلية عمل الدماغ والعقل البشري، وأوضح أن مصدر الخلل العقلي والنفسي هو الصدمات التي تصيب الدماغ. كما أدخل أبوقراط العديد من الأساليب العلاجية المختلفة كتغيير بيئة الفرد الخارجية، والعمل على تغيير الذكريات الراسبة في نفس المريض، وغيرها الكثير.
تعرّضت أوروبا للكثير من الأحداث التي ساهمت في انهيار العلوم؛ فقد أدّى سقوط الامبراطوريات إلى انهيار وانحطاط حركة النظريات العلمية والعلوم المختلفة بشكلٍ عام والطب النفسي بشكل خاص، حيث ظهر اتجاه عزل العلوم عن الحياة بسبب الإهمال والتعصّب الديني مما أدّى إلى انتشار الجهل، فوُضِع الطب في أيدي العلماء الجهلة، فكان المرضى النفسيون يتعرضون إلى أشد أنواع التعذيب؛ حيث كان يُنظر إليهم على أنهم تحت وطأة السحر الأسود أو التعرض لتلبس الأرواح الشريرة. أما في وقت لاحق في عصور النهضة الأوروبية فقد انتعشت العلوم من جديد وسادت النظرة الإنسانية للمرضى النفسيين، بالإضافة إلى تطور الآراء والاتجاهات نحو هؤلاء المرضى حيث حُوّلت السجون التي كان يُحتجز بها المرضى إلى منشآتٍ ومصحات نفسية يتم علاجهم بها.
أدرك العلماء والأطباء المسلمون المهتمون بالطب النفسي أهمية وأثر العناية بالصحة النفسية والاجتماعية للمرضى النفسيين؛ فأنشؤوا العديد من دور العناية النفسية وجهزوا الأماكن التي كان يتم تقديم الخدمات العلاجية فيها لهؤلاء المرضى، والتي أُطلق عليها البيمارستانات. وقد كان يعمل بها العديد من الأطباء النفسييّن والممرّضين المتدرّبين، فكان هناك العديد من الأساليب والطرق العلاجية التي تميزت بالتعامل الإنساني والتفاعلي الرحيم والودود مع المرضى، ومن أبرز هذه العلاجات التي كانت تُستخدم: الأدوية المهدئة، والأنشطة البدنية، والرياضية، والموسيقى، بالإضافة إلى توفير أكبر قسطٍ ممكنٍ من الراحة المطلقة اللازمة لإتمام عملية الشفاء، أما المرضى الذين تظهر عليهم الأعراض التي تتسم بالعنف، ونوبات الثوران والهيجان، فقد خُصّصت لهم الغرف والأجنحة التي يتم وضعهم فيها، حيث يتم توفير جميع مقوّمات العلاج لهم: كالراحة، والأمان، والهدوء.