If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
إذ أردنا الإنصاف فلا بد من التأكيد على حقوق الأساتذة وحمايتها، وحماية إنتاجهم العلمي، وعدم الاكتفاء بمطالبتهم بالواجبات، كما ينبغي أيضاً عدم تحميلهم وحدهم مسؤولية الركود العلمي. فما يحدث من سرقات علمية في الرسائل الجامعية، فضلاً عن السرقات الأدبية الأخرى التي تملأ المكتبات المخصصة لبيع الكتب بالاعتماد على ضعف الحماية للمؤلف قانوناً، مما أضاع حقوق المؤلفين وعرَّض الحياة الفكرية للخطر.
وإلاَّ فما هو شعور العالم الذي أمضى سنوات طويلة في تحقيق كتاب من كتب التراث، عندما يجد كتابه وقد انتحله آخر بتغيير طفيف في المقدمة والحواشي؟! وهل يستمر العالم في متابعة الإنتاج وهو يعلم مصير منجزاته وأعماله العلمية؟
إن حقوق التأليف في بلدان العالم المتقدمة محفوظة، ومحترمة إلى حد كبير، والعالم يفرغ للبحث والتأليف والتحقيق وهو مطمئن إلى ضمان حقوقه الأدبية والمادية، وهذا عامل هام في إيجاد الأجواء الصالحة للبحث العلمي. ولا يكفي أن نعتمد على (النية) وحدها في التأليف والتحقيق، فلماذا لا يسري ذلك على أجور المعلمين ومحاضرات الأساتذة، ويسري على حقوق التأليف وحدها؟. مع أن أجور المعلمين دفعتها الدولة منذ صدر الإسلام، بل وجعلت التعليم مقابل المال في مفاداة أسرى بدر.
إنه إذا أردنا أن تسري الروح في الحياة الفكرية؛ فلا بد أن نحافظ على الحقوق المادية والأدبية للمؤلف وللمحقق؛ بوضع اللوائح التنظيمية، ودعم المؤسسات الرسمية المتخصصة، وتشريع العقوبات المناسبة لسرقة الأفكار والمؤلفات. إن الأجواء الفكرية الراكدة جعلت لصوص الفكر آمنين حتى من النقد والتعريض بهم فضلاً عن أمنهم العقوبة؛ فالروح الفردية وعدم المبالاة أدى إلى ألاَّ يرتفع قلم إلاَّ ليدافع صاحبه عن حقوقه، وليس عن حقوق المؤلفين عامة.
أين المعارك الأدبية؟ وأين النقد الأدبي يقوَّم النتاج ويُعَرِّف به ويحميه؟ وكم تصدر من دراسات وتحقيقات لا تحظى باهتمام أحد لعدم وجود النقاد؟ وكيف تنتعش الحياة الثقافية في مثل هذا الأجواء الراكدة؟
الأمة الإسلامية تعاني من فوضى في النشر لا نجد لها مثيلاً لدى الأمم الأخرى. ومنذ عدة عقود، وعندما بدأت حركة إحياء التراث وساهم فيها عدد من العلماء في بداية الأمر، ظهرت مشكلة تكرار الأعمال لعدم وجود مركز يُوَحِّدُ المعلومات عن الكتب المطبوعة والمخطوطة؛ يمكِّن العالم من تسجيل حقه في العمل بكتاب معين، ويعلن ذلك ويلتزم به أدبياً، فلا يزاحمه أحد ولا يقلقه طفيلي، ومقابل ذلك يلتزم بإخراجه ولا يُسمح لعالم واحد باحتكار مجموعة كتب لا ينشر إلا مقدماتها ثم ينتقل إلى رحمة الله!
لقد تضخمت هذه المشكلة بتوسع الدراسات العليا، وإقبال طلبتها على تسجيل رسائلهم العلمية في تحقيق التراث.