العربية  

books linguistic structure

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

التركيب اللغوي (Info)


في ما يخص الناحية البنيوية، يبدو التحول واضحا لدى غوثمان في الفصل الأخير من الكتاب، حيث يحاول التقريب بين عرضه السردي وعرضه الأخلاقي للقصة ليصهرها في قالب واحد، كذلك الحال عندما يقارب بين شخصيّتَي غوثمان الصغير- الشاطر وغوثمان الفيلسوف الأخلاقي، ويظهر ذلك في السطور التالية من الرواية:

"لقد خرجت بنفسي من كل هذه النكبات، وقد بدأت أرى النور من أولئك الذين يتبعون الفضيلة... من هنا بدأتُ تأملاتي فاتركني لنفسي ليلة واحدة: انظر هنا يا غوثمان، تلك هي قمة جبل المآسي، هنا كنتَ قد ركبتَ شهوتك الحمقاء، أنت الآن في الأعلى، متأهبٌ للقفز والغوص في أعماق الجحيم، أو للمضيّ نحو النعيم، رافعاً يدك للأعلى، حتى تكاد تلامس السماء... أدِرْ عينك ثانية يا غوثمان، حتى وإن ذرفت ذنوبك كلها هنا، ينبغي عليك أن تحمل الآلام والجراح كأنك تحمل الفاكهة يا غوثمان... على هذا الكلام وما أتى من بعده أمضيتُ ساعات من الليل، لم أدّخر دمعة واحدة بها، ولكني غفيتُ طويلا، وحين صحوتُ وجدتني إنسانا آخر، لم أكن أنا، ولا ذلك القلب هو قلبي العجوز الذي كان معي".

عدا عن الطريقة المريبة التي انتهى بها الكتاب، توجد عناصر أخرى تثير الشك في مصداقية هذا التحوّل، والواضح أنه منذ هذه المشاهد وما بعدها فإن جميع مغامرات غوثمان تظهره بصورة المفعول وليس الفاعل، وأنه كان يساهم في كشف الجرائم الأخرى. على كل حال لقد مات الشاطر، وماتت قصته معه، ومع أنه كان من المنتظر أن يصدر جزء ثالث، إلا أنه وإن وجد بالفعل فإنه لم يصلنا إطلاقا، ويبقى وجود احتمالين لهذا الجزء المفقود: أولهما فكرة السقوط من جديد لمجاراة التقدم في عجلة التاريخ (السقوط ومقاصد التعديل، والمزيد من الشرح الأخلاقي للمؤلف الذي يضع كل حادثة كمثال ويستشهد بحادثة ضدها)، والتفسير الثاني هو التحول في سِيَر القديسين (حيث كتب المؤلف سيرة سان أنتونيو دي بادوا) مستخدما شخصية غوثمان المفتدى والرجل المبهج.

وقد انتشر الجدل على نطاق واسع حول الثنائية المتناقضة في شخصية غوثمان الراشد- الأخلاقي، وغوثمان الشاطر الذي واجه حياة الإهمال والمتاعب، كذلك الجدل حول تناقض الضمير في شخصية الكاتب نفسه، ويذكر أن الاستطراد في هذا الأمر في القرن السابع عشر والذي كان يعتمد على الوقائع الأخلاقية لم يترك عائقا أمام متعة القراءة في أوروبا كلها، حيث أنّ الكمّ الهائل من النسخ التي احتوت هذه الرواية أعطتها مصداقية عالية. لكن ذلك لم يدم حتى القرن الثامن عشر، حيث بدأت الرواية باعتماد الشخصية المحصورة على الإبداع الخيالي، ونشر ليساغيه Lesage (روائي فرنسي) ترجمة للرواية إلى الفرنسية عام 1732 أسماها "سقوط القيم الأخلاقية غير الضرورية" وظل هذا المعيار الأخلاقي حتى أواسط القرن العشرين حيث عاد غوثمان للظهور بشكله الأصلي.

تجعل هذه القصص المختصرة الكتاب – كما بيّن ماتيو أليمان - مزيجا فريدا من المواد السردية والتعليمية، فهي لا تقتصر على سرد حكايات وسِيَر الشّطار، إنما تمزج بها العديد من الحكايات الشعبية والقصص والخرافات والنصائح التي أشار إليها في مقدمة كتابه عندما وجَّه خطابه للقارئ الفطن: "اقرأ كما لو كنتَ تقرأ نفسك، ولا تهزأ من النصيحة حتى لا تفوتك". واحتوتْ أيضاً على تضمينات من الرواية الموريسكية (حكاية أوزمين وداراخا) والتي تصَنّف من الأدب التعليمي، وفيها نجد عتابات أخلاقية تشتمل على جميع أشكال الاستطرادات النقدية والساخرة والأخلاقية التي تراوحت من جنس الخطابة المقدّسة إلى مرحلة إصدار الأحكام.

يبدو بارزا من أسلوب الخطاب التمهيدي التوجّه لاستخدام ضمير المخاطَب (أنت)، الموجَّه لقارئ النص التعليمي، ولكنّه مع ذلك يضعه شريكا للشاطر في مغامراته التي تلازمه طيلة أحداث الرواية، والتي بدورها تسهم في الغرض التعليمي بطريقة أو بأخرى. وهو يجعل من القارئ شخصا فضوليا على خط سير الأحداث، ويخاطبه بما يتناسب وأحداث الرواية: "إنني أحذرك، عليك أن تتحلّى بالصبر وإلا فاتركني الآن"، "سترجوني أن أعظك، ولكن، أيّ أبلهٍ سيشفيه طبيب مريض!".

في بعض الأحيان فإن استخدام ضمير المخاطَب يعمل على إبراز ازدواجية صوت الراوي الذي يتحدث إلى نفسه عن طريق المناجاة واستجواب النفس، ففي هذه الحال ليس هناك فرق بين الضميرين (أنا) و(أنت) اللذين يقومان بالمهمّة نفسها.

Source: wikipedia.org