العربية  

books linguistic derivations

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الاشتقاقات اللغويّة (Info)


أورد كل من البيروني (المتوفّى سنة 442هـ/1050 م)، فيما نقل عنه ياقوت (ج1، ص 228)، والزبيدي (تاج العروس، ج 46، ص 7)، وابن أبي دينار (المؤنس، ص 19) تفاسير أخرى بالرجوع إلى الجذر اللغوي العربي (ف ر ق بمعنى فصل) الموجود في لفظة إفريقية.وقد ذكروا لنا أنّ إفريقية سمّيت كذلك لأنها "فرقت بين مصر والمغرب". أما في نظر الحسن بن محمد الوزّان الفاسي المعروف بليون الأفريقي (Léon L"Africain) فقد سُمّيت كذلك لأنها مفصولة عن أوروبا وجزء من آسيا بالبحر المتوسط.

وقد وضعت كثير من الاشتقاقات الأخرى بالرجوع دائما إلى الجذر اللغوي، أورد بعضها المؤلفون القدامى، واقترح بعضها الباحثون المعاصرون، وهي مستمدة من أصل لاتيني أو يوناني أو سامي، فقد رجعوا بأصل اسم افريكا (Africa) إلى اللفظ اللاّتيني (Aprica) (بمعنى الساخنة) وهو الاشتقاق الذي ذكره إيزيدور (Isidore). وسرفيوس (Servius)، (تيسو Tissot ، كما أشار إلى ذلك الاشتقاق أيضا المؤرخ ابن أبي دينار الذي اعتبر اللفظ اللاّتيني بمثابة جذر لغوي عربي فكتب يقول: "قال ابن الشباط ناقلا عن بعض المصادر أنّ إفريقية كانت تسمى أبريقة (apika)، وهي كلمة مشتقة من البريق، لصفاء سمائها من السحب".، كما رجعوا بأصل الاسم إلى الكلمة اليونانية (a-phike) أي دون برد أو بالخصوص إلى الجذر اللغوي السامي (ف ر ق)، فالباحث الأول وهو م. دافزاك (m.d avezac) بدأ بالإشارة إلى أن بعضهم قد سعى إلى أن يجد في كلمة إفريقية معنى "الأرض الخصبة بالسنابل، أو بلاد النخيل، أو المنطقة المغبرة، أو الإقليم المتفرق المشتت، أو أرض برقة". ثم أضاف يقول:"لكن كم تبدو هذه الافتراضات متكلفة متصنعة بالقياس إلى ما كان أكده سويداس (suidas) بكل بساطة عندما أعلن أن إفريقيا هي الاسم القديم لقرطاج نفسها...". أما معنى الاشتقاق اللّغوي لهذه التسمية القديمة، فنجده في لغة قرطاج نفسها تمدنا به بكل بساطة وطبيعية إذ تشير في كلمة إفريقه (afriqah) إلى مركز منفصل أو مستعمرة لقاعدة صور. وجاء العرب فاستعملوا اشتقاقا قياسيا وسموا الأرض التي تنتسب إلى إفريقه العتيقة "إفريقية". وهذا التأويل الذي تبناه دي سلان (de slanc) ورفضه كل من فورنال (founel) وتيسو (tissot) وقزال (gsell)، يصطدم بعقبتين رئيسيتين:

أ - فإنه ليس من الثابت مطلقا أن قرطاج قد كانت تسّمت باسم "إفريقية" في العصور القديمة. فالشهادة المنفردة التي قدمها سويداس في هذا الباب إنما هي شهادة كاتب متأخر (من القرن التاسع والعاشر) لا يثق به الكثير من الباحثين. فكلامه إذن لا ينهض دليلا حاسما.

ب - ومن ناحية أخرى، وبالإضافة إلى عقبات الاشتقاق، فان كلمة آفر (Afer) ومشتقاتها - وهي ألفاظ غير لاتينية دون شك - لم يُعثر عليها في أي نقش كتابي بوني، لا في عهد جزال، ولا حتى في أيامنا الحاضرة.

حينئذ لجيء بطبيعة الحال إلى التفكير في ألوان أخرى من الاشتقاق بالاعتماد على اللغة البربرية: انطلاقا من كلمة آفري (مغارة) أو من إفران أو بالخصوص من اسم قبيلة أوريغة. وقد تقدم بفكرة هذا الاشتقاق لأول مرة الباحث كارات (Carette) مستوحيا إياه من اشتقاق كلمة ليبيا المتداولة عند اليونان والتي أطلقت في بادئ الأمر على بلاد قبائل ليبو (Lebou) أو اللواتة. وقد كتب عن أصل كلمة أفريكا، ناسجا على منوال المثال السابق فقال: "كانت هذه الكلمة بالنسبة إلى المعمرين الفينيقيين بقرطاج مثلما كانت كلمة ليبيا عند المعمّرين اليونان بقريني (Cyrène) أي تسمية مقتبسة من الشعب الذي يحصل أول اتصال به وهي تسمية تكون قد وُضعت بعدُ في نطاق تقاليد البلاد. بل إن تسمية أفريكا قد سبقت تسمية ليبيا مثلما كان انتصاب القرطاجيين سابقا لارتكاز القرينيين". وبعد أن أضاف كارات أن "هذا الاشتقاق في تسمية إفريقيا لا يقوم على أساس وثائق" وأنه يعتبره مع ذلك اشتقاقا "محتملا" حاول أن يثبت، لتحميل بعض الدلائل الضعيفة أكثر مما تحمل، أن قبائل أوريغة كانت تسكن، حسب المفروض وفي أقدم العصور، البلاد التي أصبحت تحتلها دولة قرطاج. وفي عهد حكم هذه الدولة قضي، فيما يبدو، على قبيلة أوريغة هذه وتشتّتت، باستثناء الهوارة، وهم بطن منها...". وقد رجع إلى القول بهذا التفسير وإلى تبنّيه كل من فيفيان دي سان مارتان (Vivien de Saint Martin) وتيسو (Tissot) اللذين يريان أن الأوريغة هم الأفارقة أنفسهم الذين ذكرهم الجغرافيون العرب، ونفس "الايفوراكس" (Ifuraces) والذين يتحدث عنهم كوريبوس (Corippus). ونحن نعلم اليوم أن الجمع بين كل هذه المسميات في هوية واحدة هو من قبيل المجازفة. هذا وإن تأويلات كارات (carette) ليس لها من أساس سوى بعض الافتراضات الواهية. وإذ لم نظفر بأي تفسير ثابت يقيني في هذا الباب، وإذا ما أبينا النسج على منوال فورنال أو جزال في التزام جانب الحكمة والإقرار بجهلنا، فقد يكون الافتراض الأبعد عن المجازفة والخطإ هو القول بأن لفظ أفريكا (إفريقية) مشتق من الجذر اللغوي السامي (ف ر ق). وفعلا فإنه لا يمكن أن يكون الرومان قد وجدوا هذا اللفظ في لغتهم ذاتها ولا أن يكونوا اقتبسوه عن اليونان - الذين كانوا يطلقون على إفريقيا اسم ليبيا - فلا يبقى إذن من احتمال آخر سوى أنهم تلقوه من أسلافهم البونيّين الذين أورثوهم البلاد بعد أن دارت عليهم دائرة الحرب والسلاح. وفعلا فإن عبارة البلاد الأفريقية (terra Africa) أو المقاطعة الأفريقية (povincia Africa) - وهي ما عرف عند العرب بافريقية - أطلقت في أول الأمر على الأرض التي انتزعت من قرطاج وأدخلت في حكم روما.

هذه هي الحقيقة الوحيدة التي أثبتت على نحو لا يدع مجالا للشك أو النزاع. ويوجد بعض التردد في النطق بكلمة إفريقية. وهو ناشئ عن عدم ضبط الحركات في الكتابة العربية. فبعض أصحاب المعاجم يوردون اللفظة دون حركات ولا يضبطون طريقة نطقها للقارئ. أما عند ابن دريد فإن الكلمة قد ضبطت بصيغة:"إفريقيّة" بتشديد الياء. ولا ندري هل القائم بضبط حركات هذه الصيغة هو مؤلف الكتاب أو ناشره؟ ويؤكد ابن منظور أنه ينبغي أن ننطقها "مخففة الياء"، ويذهب الزبيدي المذهب نفسه فيذكر لنا أنه يجب قراءتها "بالكسر... وهي مخففة". ويضيف هذان المؤلفان أن جمع إفريقية هو أفاريق ويستشهدان ببيتين للشاعر الأحوص لا نرى فيهما دليلا قاطعا. أما ابن أبي دينار فهو يرسم الكلمة بصيغة إفريقيا تارة (كما ورد في العنوان مثلا) وبصيغة إفريقية طورا.

أما اليوم فإن الاستعمال الغالب شيئا فشيئا هو أن يطلق اسم إفريقيا على القارة بأكملها، وتخصص صيغة إفريقية لتسمية المنطقة الترابية العربية الإسلاميّة التي كانت تحمل هذا الاسم في العصر الوسيط.

Source: wikipedia.org