إنّ من أهمّ ما يُستفاد من هذه الهجرة العظيمة؛ ما يأتي:
- أنّ الهجرة كانت وحيّاً من الله -عز وجل- لرسوله الكريم -صلّى الله عليه وسلّم-؛ فقد جاء الإذن من السّماء للنبيّ بالهجرة، فقد قال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (رَأَيْتُ في المَنامِ أنِّي أُهاجِرُ مِن مَكَّةَ إلى أرْضٍ بها نَخْلٌ، فَذَهَبَ وهَلِي إلى أنَّها اليَمامَةُ أوْ هَجَرُ، فإذا هي المَدِينَةُ).
- جمال التنظيم والتخطيط للهجرة مما أدى إلى نجاحها رغم ما اكتنفها من المصاعب والمتاعب.
- حفظُ الله تعالى لنبيّه وخليله -صلّى الله عليه وسلّم- ظاهراً وجليّاً من أوّل بعثتِه إلى أن وصل المدينة مع أصحابه، فقال الله -سبحانه وتعالى-: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
- دور الصحابي الأعظم الصديق أبي بكر -رضي الله عنه-، وصُحبته للنبي -صلّى الله عليه وسلّم- وتعدّ هذه منقبةٌ عظمى من مناقبه الشريفة، وما هذا إلى تكريماً له وامتناناً عليه من الله -تعالى-.
- تجلّي عناية الله -تعالى- بأحبابه من عباده؛ فإنّ الله -عز وجل- كافٍ عبده، ومعينه على أمره؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- يحفظ أولياءه الصالحين ويحميهم من أعدائهم وأعداء الدين، ولا يخذلهم أبداً، فالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قد اجتمع عليه المشركون، وأرسلوا إليه الرجال ليقتلوه، وأرادوا أن يهجموا عليه هجمة رجلٍ واحدٍ، حتى يتفرّق دمه بين القبائل، لكن النبيّ -صلّى اله عليه وسلّم- خرج لهم وأخذ حفنة من التراب وألقاها على رؤوسهم وهو يتلو فاتحة سورة ياسين: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)، ، فخرج النبيّ -صلوات الله وسلامه عليه- وترافقه عناية الله -سبحانه وتعالى-، ولم يلحظْ المشركون خروجه.
- الأخذ بالأسباب؛ ومن ذلك ما قام به النبيّ -صلى الله عليه وسلم- من الأسباب؛ فقد أمر أبا بكر -رضي الله عنه- أن يبتاع راحلتين قبل مجيء الهجرة، وكذلك أخذه بشتّى العوامل السريّة؛ وذلك حين جاءه أبو بكر في ساعةٍ وكان متنكراً فقال له: (يا أبا بكر، أخرج من عندك)، فقال له أبو بكر:( إنّما هما ابنتاي)؛ فجاءه الإخبار بأنّ الله -تعالى- قد أمره بالهجرة، وقد خرج النبيّ في الهجرة من غير الطريق التي تعوّد أن يخرج منها، وذلك من أجل أن يبعد القوم عن آثارهم، ومنها أيضاً أنّه قد استأجر ابن أُريقط وهو رجلٌ من بني الديل، ليكون له دليلاً فهو خبيرٌ بطُرُق الصّحراء، وذلك من أجل أن يدلّهم على الطريق بدقّةٍ، وكذلك ما صنعته أسماء أو ما قامت به من تحضير الزاد للنبيّ ولأبيها، ومنه أخيراً دخولهما في غار ثور فقد مكثا فيه ثلاثة أيّامٍ، إلى أن خفّ البحث عنهما، ويئس القوم من الوصول إلى مكانهما، وبعدها خرجا بسلام.
- إنزال الطمأنينة على قلبِ النبيّ في أحلك الظروف وأقساها، فهذه الطمأنينة النفسية لا يرزقها الله -سبحانه وتعالى- إلّا للعبد المؤمن الصابر الثابت، لمّا دخل النبي وأبو بكر الغار والقوم يلاحقونه من خلفه وقد تمركزوا على بوابة الغار، إذ بأبي بكر يخاف قلبه خشية على النبيّ، فيُطمئنه النبيّ بهذه العبارة العميقة الخالدة: (يا أبا بكرٍ، ما ظَنُّكَ باثنَينِ اللهُ ثالِثُهُما؟) ، وبقيت هذه العبارة كجزءٍ من آيةٍ قرآنيّةٍ تُتلى إلى يومنا هذا: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وبهذا قد نصر الله نبيّه وأعزّ دينه، وأعلى كلمته؛ كلمة الحقّ والدين، وذاع صِيتُ أعظم دينٍ بين العالمين.
Source: mawdoo3.com