العربية  

books knowledge management

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

إدارة المعارف (Info)


بعد أدائه المتميز في رئاسة البلدية ونجاحه الكبير من خلال جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، عين الشيخ قباني بإرادة سلطانية مديراً للمعارف، فوجد في منصبه الجديد الفرصة التي لطالما أرادها للعمل على الارتقاء بأسس التعليم الحكومي وتصحيح ما كان يراه فيه من أخطاء فانكب فوراً على العمل على وضع خطة للنهوض بالجهاز التعليمي والتحسينات التي يمكن القيام بها. والشيخ قباني كان معروف عنه حماسه لكل ما يتعلق بالأمور التربوية حتى أنه تحدث دوماً عن إدارة المعارف وأهمية دورها إذ يقول في أحد المقالات في ثمرات الفنون:

مجلس المعارف لا حاجة إلى إبانة مزيته وإيضاح مرتبته بل يكفي في فضله كلمة (معارف) بمعنى العلوم فهو مجلس العلوم، مجلس الفنون، مجلس إصلاح التعليم، مجلس إصلاح التربية، مجلس تنظيم الدروس، مجلس تحسين الآداب، مجلس انتقاء الكتب النافعة للقراءة المقربة المنال الطاوية للمسافات على الطالب.

مجلس انتقاء أساتذة ذوي الأهلية واللياقة والمدركين لحاجيات العصر ولوازم الزمن. مجلس النهضة الكبرى في علوم الأخلاق لترقى العمران

هذا ما كان يراه الشيخ قباني في هذا المنصب وهكذا كان يحس بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه بعد توليه إياه. فقام بوضع لوائح تعليمية لتطوير التعليم الرسمي وقام بتقديمها إلى الجهات المختصة التي قامت بتجاهلها "فبقيت في زوايا الإهمال" على حد تعبير الشيخ قباني في ثمرات الفنون. وليس تصرف النظارة هذا بمستغرب إذ أن سياسة الأتراك في تلك الفترة لم تكن من أولوياتها نشرة الثقافة والتعليم بين المسلمين خوفاً من انقلابهم.

وفي 13 آب 1908 وبعد مرور شهر واحد على انقلاب جمعية الاتحاد والترقي، أبلغته الجمعية نبأ إقالته من منصبه دون أي مبرر قانوني بل إكتفوا بإعطائه شهادة حسن سلوك تؤهله العمل في الدوائر الرسمية إذا شاء. أورد الشيخ قباني إقالته في صحيفته ثمرات الفنون كما يلي:

تبلغ صاحب هذه الجريدة من مقام الولاية نص تلغراف ورد من نظارة المعارف الجليلة بعزله من مديرية المعارف في الولاية وأن من المقتضى تعيين وكيل لرؤية الأشغال. ولما كان هذا العزل بهذه الصورة مخالفاً لأحكام القانون الأساسي وللعدالة التمس تلغرافياً من مقام الصدارة العظمى ومن نظارة المعارف بيان السبب للمدافعة عن الحقوق دفعاً للمغدورية.

وبسبب ما تحمله هذه الإقالة من افتراء إضافة إلى ما رافقها من محاولات للإساءة لسمعة ودور الشيخ قباني في الجرائد العثمانية بواسطة رسائل من مجهول حملت بعضها إمضاء "مهجور الوطن" قام الشيخ قباني باللجوء إلى القضاء لإبطال مفعول هذه الإقالة وتبرئة ساحته وهو الذي كان كله أمل بأن تلك الأيام بعد إعلان الدستور تختلف عن سابقاتها وبأن حقه لن يضيع وهو الذي قال: " وأقسم بخالق الحب والنوى وبحقوق الوطن المقدسة التي تحملت لأجلها الجهد أني لو عزلت قبل زمن الحرية والقانون الأساسي لما خطر في بالي غير الشكر والامتنان إلا أن حصوله في هذه الأيام أيام إشراق نور القانون الأساسي والحرية حملني على تقديم الإستدعاء تلغرافياً إلى المقامات العالية طلباً للعدالة ودفعاً للحيف والمغدورية ولم أزل أترقب النتيجة". وقام بالرد على متهجميه من خلال جريدته ثمرات الفنون في سلسلة من المقالات التي تروي حقيقة وتفاصيل كل ما جرى معه. وبالرغم من صدور الحكم بنظافة كفه من كل مخالفة قانونية إلا أن الحكام أصروا على موقفهم فقاموا بدفع تعويضه وإعطائه شهادة حسن السلوك، وما لبثوا أن قاموا بإقفال ثمرات الفنون لإسكات ما كانت تنشره عن المخالفات وفساد الحكام وما كان كان يكتبه الشيخ قباني لتبرئة ساحته وساحة رجالات الوطن الأحرار العاملين لخيره وتقدمه ممن إستهدفتهم السلطة بعد الأيقاع بهم بفخ حرية التعبير الوهمية وإعلان الدستور.

ولأن كرامته وعزة نفسه لم تسمحا له بالاستمرار في العمل الحكومي بعدما تجلت له حقيقة النوايا التركية ومعاملة المحتل التي كانوا يعاملون بها أهل وطنه. فقرر اعتزال العمل العام نهائياً. وقد حصل الشيخ قباني على العديد من الأوسمة الرفيعة في السلطنة العثمانية حيث أكرمته الدولة بمنحه المرتبة الأولى من الصنف الأول، والوسام المجيدي، والوسام العثماني، وميدالية السكة الحجازية وميدالية وصول الخط الحجازي إلى معان.

رغم كون قرار الجمعية تعسفياً دون أي مبرر قانوني ودون أن تكون ضد الشيخ قباني أية شكوى أو شبهة. إلا أن الأسباب التي أدت إلى هذه الإقالة كانت واضحة جليّة للجميع. فالشيخ قباني كان معروف عنه اعتداله وحرصه على الحفاظ على العلاقة المميزة التي كانت تربطه بالسلطان عبد الحميد وذلك لتجنيب بيروت الصراعات التي كانت تعصف بالمنطقة في ذلك الوقت.

كانت بيروت هي الهدف دوماً؛ وكان الشيخ قباني ممن حلموا ببيروت ودورها كمدينة محايدة منذورة للثقافة والجمال والفن، مدينة للجميع للتلاقي والحوار والانفتاح. هذه الرؤية تحولت مشروعاً وتخطيطاً أخذ طريقه للتنفيذ في عهد الشيخ قباني في رئاسة بلدية بيروت؛ حينها أثبتت الأفعال، كما يثبت الزمن اليوم، صحة وجمال هذه الرؤية.

Source: wikipedia.org