If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
التراث الإسلامي، مصطلح شامل يتسع لكل ما له علاقة بالإسلام من نصوص القرآن والسنة النبوية, واجتهادات العلماء السابقين في فهم هذه النصوص وتطبيقها على الواقع، وقد حصل خلاف حول ما إذا كان هذا التراث دينا مقدسا يجب الالتزام به، أو نصوصا واجتهادات مرتبطة بأزمانها وأماكنها الغابرة، تعامل على أنها تاريخ ينقل لنا تجربة بشرية قابلة للنقد والنقض والتعديل والتطوير بما يتناسب مع الزمان والمكان والظروف الخاصة بكل عصر.
وهو لا يقتصر بالضرورة على الإنتاج المعرفي في العلوم الشرعية وحدها كالتفسير والحديث والفقه ونحو ذلك، بل يتسع ليشمل كل ما خلَّفه العلماء المسلمون عبر العصور من مؤلفات في مختلف فروع المعرفة، وبشتى اللغات، وفي كل بقعة من بقاع الأرض بلغتها دعوةُ الإسلام. ويمكن تعريف التراث الإسلامى على أنه كل ما خلفه الأسلاف المسلمون من عقيدة دينية (القرآن والسنة) وعطاءات حضارية (مادية ومعنوية).
التراث هو الهوية الثقافية للأمم، والتي من دونها تضمحل وتتفكك داخلياً، وقد تندمج ثقافياً في أحد التيارات الحضارية والثقافية العالمية القوية. وبالنسبة للمسلمين فإنهم يتعرضون لهذا التفكك ويندفعون بقوة مطردة نحو التيارات العالمية المتباينة، ويمكن أن نتلمس أسباب ذلك أو بعضها في طبيعة التراث من ناحية، وفي طريقة الإفادة منه ثانياً، وفي القيم العامة التي تحكم إلى حد ما ـ ولو على صعيد القيادات الفكرية ـ عملية التفاعل معه ثالثاً.
فأمَّا طبيعة التراث، فإن معظم التراث الإسلامي يتمثل في المكتبة العربية والتي ترجع بدايتها إلى فجر التاريخ الإسلامي، عندما قامت حركة التدوين في القرن الأول، ثم انتهت إلى التصنيف في القرن الثاني، وازدهرت كثيراً في القرن الثالث ثم الرابع، ولا يعني ذلك غمط جوانب التراث الأخرى حقوقها أو التقليل من آثارها، فإن الأعراف الاجتماعية والتقاليد الخلقية تتوارثها الأجيال اللاحقة وتكتسبها من الأجيال السابقة، وكذلك فإن المخلفات المادية المحفوظة توضح المستوى الحضاري للأمة ومدة تنوع نشاطها في الماضي، ولكن من الواضح أن المكتبة العربية هي أهم جوانب التراث الإسلامي، وقد كتبت معظم المؤلفات بلغة أدبية رفيعة مما يرتفع بالذوق الأدبي والثروة اللغوية للقارئ، الذي لابد أن يتمتع بمستوى لغوي وثقافي مناسب؛ ليتمكن من الإفادة من المكتبة العربية (الكلاسيكية ).
وإذا كانت هذه الظاهرة من مزايا التراث ـ وهي كذلك فإنها تؤدي إلى العزلة بينه وبين الجماهير التي تحتاج إلى تيسيره وتوطئته؛ إذ ليس من المعقول أن نطالب الجمهور الواسع بالارتفاع إلى المستوى الفني اللازم للتعامل مع التراث في الوقت الذي نعرف تماماً أن معظم الأكاديميين يلقون صعوبات شتى في هذا المجال؛ بل أن معظم المحاضرات في الأقسام الأدبية المتخصصة لا تُلقى باللغة العربية الفصحى!!.
إن عملية نقل التراث إلى الأجيال المعاصرة ليست سهلة، فإن احتمال التحريف المتعمد للقيم التراثية يعتبر من أبرز الأخطار التي اقترنت بما تم في هذا المجال؛ بسبب الغزو الثقافي الذي تعرضت له أرض الحضارة الإسلامية، والذي أدى إلى إحلال قيم ثقافية جديدة تتصل بالحضارة الغربية ولا ترتكز إطلاقاً على جذورنا الثقافية.
إن التيسير المطلوب والتوطئة المقصودة؛ تحتاج إلى أقلام تؤمن بعقيدة الأمة الإسلامية، وتُقِرُّ بجدوى تجديد روح الأمة وقيمها بالارتكاز على جذورها الحضارية والثقافية. ومن دون ذلك لن يكون التيسير إلا تشويهاً منظماً وتخريباً مقصوداً، ولن يثمر في تعميق الوحدة الثقافية للأمة بل سيزيد في الفصام، ويقوي التشتت والإحساس بالضياع وفقدان الهوية.
نعم، إن ثمة صحوة لابد من الاعتراف بها ومن تقويمها ..صحوة نحو إحياء التراث تختلف عن حركة (الرينيسانس) الأوروبية بكونها تلتصق بالجذور القريبة، ولا تعاني من مشكلة حذف مرحلة تاريخية معينة كما حدث لحركة الإحياء الأوروبية؛ إن هذه النظرة الإيجابية التي تتسم بها حركة الإحياء الإسلامية الحديثة ذات أثر عميق في التعامل مع التراث.
ولعل من المظاهر القوية لهذه الصحوة: الإقبال الكبير على تحقيق النصوص التراثية ونشرها، تتعاون في ذلك المؤسسات الجامعية والعلمية والتجارية. ورغم أن ذلك يتم بصورة عشوائية إلى حد ما؛ من حيث عدم الوضوح الاستراتيجي، وعدم تقديم الأولويات، بل عدم الاتفاق على قواعد نشر محددة، فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى تكامل المكتبة العربية القديمة؛ مما يهيئ المجال أمام الباحثين للقيام بدورهم في التحليل والتركيب؛ بغية وصل الحاضر بالماضي، وفي الوقت نفسه دفع الحاضر إلى الأمام للِّحاق ببقية المتسابقين بالاعتماد على تقوية الجذور وتحديد الهوية خوفاً من الضياع في حلبة السباق . .
فلا بد أن تكون معالم الطريق واضحة، وأن تكون خُطا الأمة ثابتة واثقة، وأن يسودها روح التحدي للتخلف والتمرد على الواقع.
فالطفرات هي الوسيلة الوحيدة للَّحاق بالآخرين فضلاً عن سبقهم، وما دام الأمر كذلك فلا بد من دراسة التاريخ الحضاري العالمي وخاصة فترات الأزمات العصيبة التي مرت بالأمم، ولابد من أن تتحول الدراسات إلى روح عامة في الأمة ولا تقبع في مدارج الأكاديميين أو على رفوف المكتبات.
التراث في أبسط تعريف له هو السجل الكامل للنشاط الإنساني في مجتمع ما على مدى زمني طويل، بكلام آخر حفظ مجمل المناشط الإنسانية في الذاكرة الجماعية لشعب من الشعوب بحيث تعكس نفسها في حاضر الأمة تفكيراً، وسلوكاً، وهذا السجل التراثي قد يكون قصيدة شعرية، أو وثيقة تاريخية، أو إبداعاً أدبياً، أو اختراعاً علمياً، أو مؤلفاً ثقافياً، أو لوحة تشكيلية، أو نحتاً فنياً، أو شكلاً معمارياً، أو أقصوصة أسطورية، أو مثالاً شعبياً، أو احتفالاً شعبياً، أو تقليداً عائلياً، أو عرفاً اجتماعياً..باختصار أن التراث هو تراكم تاريخي طويل متعدد المشارب (ثقافي، أدبي، اقتصادي، اجتماعي، سياسي، معماري..الخ)، وهذا السجل بكامل حمولته يشكل هوية كل مجتمع وخصوصيته التي تميّزه عن باقي المجتمعات.
أصل كلمة تراث في اللغة من مادة (ورث) التي تدور حول "ما يتركه الإنسان لمن بعده"، كما جاء في قوله تعالى: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ، وقوله جل في علاه: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ، وقوله عز وجل: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ .
وقد وردت كلمة التراث في القرآن مرة واحدة بمعنى الميراث في الآية الكريمة: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا أى تأكلون الميراث لا تسألون أمن حلال هو أم من حرام ؟ وهكذا فإن كلمة التراث في العربية تعنى الميراث وهو يشمل المال كما في الآية السابقة، كما يشمل الدين والعلم والهداية – كما في قول النبى صلى الله عليه وسلم السابق، ويتضح أيضاً في قول الله تعالى في دعاء زكريا: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا فالمراد هنا " وراثة العلم والدين " وكذلك في قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ فالمقصود هنا وراثة الاعتقاد والإيمان بالكتب المنزلة من قبل القرآن.
وقد أطلق الصحابى أبو هريرة كلمة الميراث على التراث العقائدى والثقافى عندما خاطب الصحابة " أنتم هنا وميراث محمد يوزع في المسجد ... " فلما انطلقوا إلى المسجد اندهشوا إذ لم يجدوا سوى حلق الذكر وتلاوة القرآن فأوح لهم أبو هريرة : إن هذا هو ميراث محمد صلى الله عليه وسلم .وهكذا نخلص إلى أن التراث في لغة العرب بمعنى الميراث ويطلق على وراثة المال والعقيدة والدين والمجد والحسب.
وإذا تأملنا التعريفات السابقة يتبين لنا ان التراث – بإيجاز – هو ما خلفه السلف للخلف من عقيدة وحضارة مادية ومعنوية . ويتصف التراث بما يلى:
فالتراث يطلق على وراثة الحسب والمال والدين[؟]، وقد يتسع ليشمل الملك والنبوة.
والأمر هنا لا يقتصر بالضرورة على الإنتاج المعرفي في العلوم الشرعية وحدها كالتفسير والحديث والفقه ونحو ذلك، بل يتسع ليشمل كل ما خلَّفه العلماء المسلمون عبر العصور من مؤلفات في مختلف فروع المعرفة، وبشتى اللغات، وفي كل بقعة من بقاع الأرض بلغتها دعوةُ الإسلام.
ورغم أن مصطلح التراث (LEGACY) في الحضارة الغربية المعاصرة يطلق أيضاً على المخلفات الحضارية والثقافية والدين[؟]ية؛ فإن الروح العلمانية (غير الدينية) المهيمنة على الفكر الغربي الحديث جعلته لا يميز بين الدين وبقية الإرث الحضاري؛ بل هو يتعامل مع التراث على سواء بين ما مصدره الإنسان المخلوق وما مصدره الإله الخالق، فالكل يتعرض لعملية النقد والانتقاء والقبول والرفض، ويخضع الدين لهذا المنهج دون أية قداسة.
ومن هنا يكمن خطر اعتبار الدين تراثاً ضمن الظلال العلمانية الغربية التي أحاطت بمصطلح (التراث)، فالمشكلة إذَنْ ليست في تعريف التراث كاصطلاح علمي حضاري، وإنما في هيمنة الفكر الغربي وقيادته للعلوم وللثقافة، وتحديده لمصطلحاتهما وصبغهما بصبغته غير الدينية.
يعتبر التراث الإسلامي مظهراً من مظاهر الإبداع الفردي والإبداع الجماعي للأمة خلال تاريخها الطويل، كما يعتبر التراث أفضل تعبير عن الهوية الثقافية للأمة وذاتيتها الثقافية.
ويشمل التراث الإسلامي أشكالاً متعددة ثقافية وفنية وفكرية متوارثة من ماضي الأمة القريب والبعيد. وهو عطاء من صنع الإنسان، يختلف باختلاف الأزمنة والأماكن، وهو في مفهومه العام يخص التراث المادي وما يشمله من مبان أثرية، أو ما تكشفه الحفريات، وما تضمه المتاحف من آثار ممثلة العصور مختلفة، بل يضم أيضاً التراث الفكري النابع من أعمال ونتاج العلماء والكتاب والمفكرين والمبدعين، كل في عصره.
كما أن هناك تراثاً اجتماعياً يتمثل في العادات والأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع ومدى تأثيرها في أفراده. ولذلك كانت له علاقة وطيدة بالممارسات الثقافية ونظرتها إلى المستقبل، والربط بين حاضر الأمة وبين ماضيها.
وإذا كنا نؤمن بأن المصدر الأساس للتراث الإسلامي هو القرآن الكريم والسنّة النبوية الصحيحة، اللذان فجرا عطاءات علمية وفكرية وثقافية، فإننا ننزه تراثنا عن حصر مدلوله في مجرد الصيانة المنظمة للآثار، وتبويبها في قوائم، وعرضها، أو في مجرد مواصلة الاحتفالات التقليدية، أو في الارتباط العاطفي بآثار الماضي. ذلك أن التراث يعتبر من أهم الوسائل الفعالة في ترسيخ الهوية الثقافية.
كما أننا نرفض إضفاء هالة التقديس على التراث الإسلامي بحجة أن الوحي هو الذي فَجَّرَه، ذلك لأن هذا التراث ليس بوحي بل هو عمل إنساني وإن ارتبط بالوحي.
ولهذا نرى أن دراسته دراسة نقدية هادفة هي أمر مفيد يندرج ضمن سبل العناية به. فالثقافات التي لديها الجرأة على القيام بنقد ذاتي لتاريخها والاستفادة من الدروس المستخلصة من تراثها، يمكنها أن تصوغ تراثها المستقبلي بروح خلاقة لمواكبة التغير دون التخلي عن أصالتها، وإن الذين يستوعبون تراثهم اكتشافاً ودراية ونقداً، يكونون أكثر استعداداً للحفاظ على التواصل من خلال التغيير.
والتراث الإسلامي على صنفين : التراث المكتوب والمقروء والذي تزخر به آلاف المكتبات في مختلف البلدان والقارات، والتراث المرئي من آثار وأدوات ومنجزات عمرانية وحضارية ومهارات فنية لازال بعضها قائماً منتشراً يثير الإعجاب والتقدير.
عند الحديث عن التراث الإسلامى يثار دائماً السؤال التالى : ما موقع الإسلام (قرآناً وسنة) من التراث الإسلامى ؟ هناك مواقف ثلاثة تجيب عن هذا السؤال إجابات مختلفة :
والنظر إلى التراث والتعامل مع وفق هذا الموقف الأخير " لن يكون واحداً، إذ أن الوحى الإلهى لا يقبل الانتقاء والاختيار منه، أو محاولة تطويعه للواقع، أو التفكير في توظيفه لتحقيق مصالح خاصة أو عامة ، بل هو إطار يحكم الحياة ولكنه يدعها تتطور داخله ، فإذا انفلتت خارجة عنه ، فقد وقع انحراف لا بد من تقويمه ، وأما المنجزات البشرية الحضارية، فإنها قابلة للانتخاب والتوظيف وفق الرؤية المعاصرة.
وهكذا فالقرآن والسنة النبوية إن أدخلا في التراث فإنهما " يسموان عليه ، فالتراث ينطلق منهما وينضبط بهما. فالقرآن الكريم قوام على التراث وحفيظ على ما فيه من القيم، كما أنه – أى القرآن– قوام على السنة الصحيحة التي هي تطبيق له، وهما الإطار الذي يجب أن نرجع إليه ونحتكم في كل قضايا التراث" .
ومن ثم ، يصبح التراث الإسلامى عند أصحاب هذا الموقف الأخير هو " ما ورثناه عن آياتنا من عقيدة ، وثقافة ، وقيم ، وآداب ، وفنون وصناعات وسائر المنجزات الحضارية الأخرى المعنوية والمادية " .
وتأسيساً على ما سبق ، واستناداً إلى هذا الموقف الأخير ، الذي تتبناه الدراسة الحالة ، يمكن أن نعرف التراث الإسلامى – بإيجاز – بأنه كل ما خلفه الأسلاف المسلمون من عقيدة دينية (القرآن والسنة) وعطاءات حضارية (مادية ومعنوية).
يحمل لفظ القرآن شحنة كلامية كثيفة لا تجعله كفيلا بأن يكون مفهوما إجرائيا يستخدم من أجل مشروع نقدي وإعادة تحديد للتراث الإسلامي في مجموعه. عندما أتحدث عن الحدث القرآني على غرار الحديث عن الحدث البيولوجي أو الحدث التاريخي، فإنني أرمي من ذلك إلى استبعاد كل البناءات المذهبية، وكل التحديات الكلامية والفقهية والأدبية والخطابية والتفسيرية… التي تؤخذ عادة على أنها غير قابلة للنقاش منذ انتقالها من متن قرآني مفتوح إلى متن رسمي مغلق. وهو انتقال يصعب تحديد تاريخه بدقة، وليس بإمكاننا إلا الإشارة إلى بعض المراجع الكرونولوجية كتاريخ الطبري وتفسيره ورسالة الشافعي وصحيح البخاري ومسلم والكليني وابن بابويه وأبي جعفر الطوسي. كل هؤلاء المؤلفين قد خلفوا لنا مؤلفات تعد معلمات في التطور التاريخي البطيء لبناء الأصول الإسلامية التي عرفت جدالا كلاميا وتناحرا سياسيا. وسرعان ما أصبحت الصحاح بدورها متونا رسمية منغلقة على ذاتها تحتل المرتبة الثانية ضمن الأصول التي حددها الشافعي لبناء شريعة[؟] يوقن بتفاسيرها. ومن حيث إن هاته المؤلفات السنية والإمامية إبداعات جماعية، فإنها تعكس التطورات اللغوية والثقافية والسيكو-اجتماعية لوضع إيتوس إسلامي بالمعنى الأنتربولوجي لكلمة ethos كما حدده C.Geertz. كما أنها تشهد على تبادل التفاعل بين تعاليم القرآن والمعطيات الأتنية الثقافية الخاصة بمختلف الأوساط التي دخلها الحدث القرآني.
لم يحدث الإيتوس الإسلامي وهو في طريقه إلى التكوين[؟] التأثير نفسه على مختلف الجماعات التي تنتمي إلى مجموعة شاسعة الأطراف تمتد من إيران القديم إلى المناطق الآهلة بالبربر[؟] إلى الجزيرة العربية والمجال التركي الشاسع الخ. وحتى بعد أن تحددت المتون الرسمية وتوقف انفتاحها وأخذت تذيع كتابة ومشافهة فإن انتشار الإيتوس الإسلامي لم يعمم على الجماعات كلها امتدادا وعمقا، كما أنه لم يتحدد دوما وفقا للتعريف الأصولي النموذجي الذي حافظ عليه التراث المكتوب.
ينبغي ربط التكون التاريخي لما ندعوه الشرع الإسلامي، خصوصا في جانبه الفقهي، بالحدث الإسلامي، أما الدور الذي يقوم به الحدث القرآني فيقتصر على أن يضفي على نصوص القواعد التي أصبحت شريعة طابعا قدسيا. ونحن نعلم اليوم أن تشكل المذاهب الفقهية قد استمر حتى القرن الرابع الهجري، وابتداء من القرن الثالث فرض إضفاء القدسية نفسه كضرورة دينية للحد من تشرب الأعراف والتقاليد المحلية. وإن كل المحاولات التي سعى عن طريقها الخطاب النبوي إلى نهج سبل تحرر قانوني للشخص لم تجد إلا تطبيقات جزئية عبر الأزمنة والأمكنة ما دامت تحالفات القرابة مازالت اليوم تثقل بكاهلها على محاولات بناء حديث للروابط الاجتماعية وظهور المجتمع المدني ودولة القانون والشخص -الفرد- المواطن كعوامل فعالة في السير التاريخي نحو الحداثة الفكرية والروحية والسياسية. سقت مثالا عن الكيفية التي يوظف بها الفقهاء أنفسهم الخطاب القرآني لحصار ما يرون أن من شأنه أن يهز أسس النظام العرفي الذي كان يضمن آليات التضامن الأسري والتآزر العشائري في الفضاءات العرفية والثقافية التي يمتد فيها حكم الدولة الإسلامية الناشئة. بعد أن فرض ما دعوته المتن الرسمي المنغلق نفسه كرس التراث الإسلامي الأمر الواقع الذي فرضته التفاسير والمصادر التي اعتبرت أصولا. لهذا لا يمكننا اليوم أن نرجع القهقرى ولا أن نحرر الشخص من الأوضاع التي حددت في ما دعي قانون الأحوال الشخصية. وبالفعل، فإن هذا الأمر الواقع أمر لا رجعة فيه، وما زالت الشريعة[؟] بالنسبة لأعضاء الأمة ينظر إليها على أنها أحكام تفرعت عن الآيات القرآنية.
بين إفراط الظاهريين وتفريط الحداثيين يجد الدارس للفكر الإسلامي أن الجمهور الأعظم من العلماء المسلمين فرقوا في تعاملهم مع التراث الإسلامي بين قسمين:
وبهذا المفهوم يمكن للثراث الإسلامي أن يجمع بين ما هو دين مقدس, وما هو تاريخ في ذات الوقت، أما الدين فهو النصوص القطعية -أقصد القرآن والسنة الثابتة- وهذه تمثل الأصول والكليات والأهداف والقواعد العامة، والمرن هو النصوص الظنية أي المحتملة لثبوت النقل وعدمه، وهي ما سوى القرآن والأحاديث النبوية الثابتة، أو النصوص المحتملة لأكثر من معنى، كلها بما فيها القرآن والسنة وهذه تمثل الفروع والجزئيات والوسائل وأساليب التطبيق.
وبهذا يجمع التراث الإسلامي وبمصطلح أدق الشريعة الإسلامية بين الثبات والمرونة، وهذا يجعلها قادرة على استيعاب كل المستجدات في كل العصور، مع محافظتها على المبادئ العامة والقواعد الكلية، وهذه - أقصد المبادئ- وحي من الله ولا يصح لبشر أن يتدخل فيها البتة، هذا إن سلمنا جدلا بأن أحدا من البشر قادر على التدخل فيها ونقدها وتعديلها، والصحيح أن ذلك فرض جدلي محال، يقول تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ , ثم إن أحق وأقدر من يضع هذه المبادئ الكلية التي تصرف أمور الخلق هو الخالق لا الخلق، الخالق صاحب الكمال والعلم المطلق الأعلم بطبيعة الخلق وما يصلح لهم، يقول تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ , من هنا قال صلى الله عليه وسلم (إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه).
تندرج مؤلفاتُ جابر بن حيّان الكيميائية، ومؤلفات الخوارزمي الرياضية، ومؤلفات الرازي وابن سينا الطبية، ومؤلفات الإدريسي والمقدسي الجغرافية، تحت عنوان التراث الإسلامي. ومن حيث اللغة، تعدُّ مؤلفات الفردوسي وعمر الخيام وجلال الدين الرومي تراثًا إسلاميًّا وإن كُتبت بالفارسية، وتُلْحق كتاباتُ ابن كمال باشا وآشق باشا بالتراث الإسلامي رغم تدوينها بالتركية. ومن حيث المكان، تمثل مؤلفات العلماء في الأندلس وفارس وإفريقيا وجمهوريات ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي لبناتٍ متألقة في صرح التراث الإسلامي.
بعض التقليديين ينظروا إلى التراث الإسلامي، على أنه كله -النصوص الشرعية والاجتهادات البشرية على حد سواء- دين مقدس صالح لكل زمان ومكان ويجب الالتزام به، والوقوف عند كل جزئية من جزئياته، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). (أخرجه البخاري)، هؤلاء أوقفوا عجلة التاريخ ووقفوا عند مذاهب القدماء بكلياتها وجزئياتها، محاولين إسقاط تلك النصوص والاجتهادات على قضايا العصر، حتى القضايا المستجدة إما أن تكيف بما يتلاءم مع ذلك الموروث أو أن تعتبر من بدع هذا الزمان، وحكموا على كل إضافة في هذا التراث بالرد، وعطَّلوا باب الاجتهاد محتجين بأن الله أكمل الدين وأتم التشريعات الكلية والجزئية، ولا داعي لأي إضافة بشرية مستدلين بقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، ونتيجة هذا التفكير وقف هؤلاء عاجزين عن حل مشكلات العصر واستيعاب مستجداته، وضيقوا الإسلام عن أن يعالج تلك المشكلات ويستوعب تلك المستجدات، وعن أن يكون صالحا لكل زمان ومكان.
بعض من الحداثيين ينظروا إلى التراث الإسلامي على أنه اجتهادات بشرية محكومة بعقول وأفهام بشرية-من جهة- وبواقع خاص من جهة أخرى، وبالتالي فهي قابلة للأخذ والرد؛ لأنها اجتهادات بشرية، ولأنها مرتبطة بزمان ومكان خاصين وقد لا تتناسب مع غيرهما، والواقع أن أكثر هؤلاء أداروا ظهورهم لكل هذا الموروث وجردوه من أي صفة دينية قدسية، وأقصى حالات الاحترام لهذا التراث -عند هؤلاء- مجرد الدعوة إلى إعادة صياغته بكلياته وجزئياته بصيغة تتلاءم مع العصر، فعلى سبيل المثال يدعو طه حسين إلى إخضاع القرآن الكريم للنقد كأي نص أدبي، ويدعوا آركون إلى نقد العقل الإسلامي، ويقصد كل ما كان له دور في تشكيل العقل الإسلامي من نصوص القرآن والسنة واجتهادات العلماء السابقين، ويعتبر نصر أبو زيد القرآن نصوصا خاصة نزلت لتعالج وقائع خاصة لشخوص وأزمان محددة، ولا يصح –عنده- أن تعمم على غير هذه الوقائع، ومثلهما محمد شحرور وغيرهما ممن يسمون بالحداثيين، وما يجمع بين هؤلاء أنهم يخضعون التراث الإسلامي كله بما فيه القرآن والسنة للنقد والنقض والأخذ والرد، أي أن التراث الإسلامي –عند هؤلاء- كله تاريخ وليس فيه شيء مقدس.
الحديث عن التراث الإسلامي بصيغة التعريف بدل الكلام عن الإسلام فحسب؟ وكيف يفحص هذا التراث بحيث يشمل الفحص جميع التجليات التاريخية والاجتماعية بعيدا عن التحديدات الكلامية التي تواجه بين تراث أصولي تعترف به كل جماعة (أهل السنة والجماعة بالنسبة لأهل السنة، وأهل العصمة والعدالة بالنسبة للشيعة الإمامية) وبين مختلف البدع. الإسلام هو الاسم العام الذي يطلق على مختلف المدارس الكلامية والفقهية والتفسيرية وعلى كل الشعوب التي تبنت هذا المذهب أو ذاك، على هذا النحو فإن الإسلام يتعدد بتعدد الأوساط الاجتماعية والثقافية واللغوية التي اقتسمت ذاكرة تاريخية طويلة، وعلى هذا النحو يتحدث عن إسلام أندونيسي وإسلام هندي وإسلام تركي وأزبيكي وسينغالي وإيراني الخ. وينبغي دراسة وجود الشخص وتطوره وحمايته أو قمعه داخل كل تراث محلي على حدة، مع الأخذ بعين الاعتبار بهيمنة التراث الإسلامي. إن التراث الإسلامي الذي يشترك فيه جميع المسلمين، مهما كانت مرجعيتهم اللغوية والثقافية والتاريخية، يشمل ثلاثة أصول كبرى: القرآن والأحاديث النبوية (التي يضيف إليها الشيعة تعاليم الأئمة الاثنا عشر أو الـ 7 حسب الشيعة الاثني عشرية أو الإسماعيلية[؟])، ثم الشريعة[؟] التي هي المظهر القانوني لأوامر الله والتي تبلورت بفضل اجتهاد الفقهاء.
لقد تحددت هذه الأصول الثلاثة نظريا حسب الترتيب الذي قدمناها به خلال فترة تشكل الفكر الإسلامي (661هـ) ، بعبارة أخرى فإن النصوص والتعاليم والمذاهب التي تندرج تحت هذا التراث المكتوب تنتمي جميعها إلى فترة من التاريخ العام للفكر يطلق عليها فترة وسيطية. سنعود فيها بعد إلى القضايا التي يطرحها تحقيب التاريخ العام للحضارات كذلك الذي فرضه التقليد التاريخي الأوروبي ابتداء من القرن السادس عشر. ولنكتف الآن بالقول إن بإمكاننا أن نتحدث عن التراث الإسلامي بصيغة التعريف لأنه سعى دوما لفرض سيادته متجاهلا، بل ولاغيا في بعض الأحيان الممكنة، التراثات المحلية السابقة عليه، لأنها تنتمي إلى ما ينعته القرآن الكريم بالجاهلية أي فترة الجهل بالديانة الصحيحة التي بعثها الله لنبيه خاتم المرسلين. إن هذا التعريف الكلامي للتراث الذي يقضي على غيره ويمحوه، يجهل بطبيعة الحال مفاهيم التقاليد والأعراف كما بلورتها الاثنوغرافيا والأنتربولوجيا الثقافية منذ القرن التاسع عشر. إن التوتر التقليدي بين التراث الكتابي كما هو عند علماء الكلام والفقهاء، وبين التقاليد المحلية يغتني اليوم بإعادات النظر التي بلورها التاريخ النقدي ومجموع العلوم الاجتماعية وأدخلتها في دراسة كل أشكال التراث الديني ابتداء من اليهودية والمسيحية اللتين لم تنفكا تواجهان تحديات الحداثة. كما أن صيغة التعريف التي أعطيناها للتراث تشير كذلك إلى المقاومات التي يبديها الفكر الإسلامي الحديث إزاء ما تمليه الحداثة باسم “دين حق” يرفض الأسئلة التي تطرحها عليه حتى التوترات التربوية لماضيه عندما كان ذلك الماضي يسمح بالتعدد المذهبي.
التراث هو انتقال السمات الحضارية أو الثقافية لمجتمع معين من جيل إلى جيل عن طريق التعلم والتعليم، ويسمى بالتراث الحضاري أو الثقافي أو الاجتماعي. ويتحدد التراث ـ كمصطلح اجتماعي ـ بالسمات الحضارية أو الثقافية والاجتماعية لأمة من الأمم. انه تركة الأجيال الماضية من حضارة مادية ومعنوية يتلقاها الأفراد من المجتمع، الذين هم أعضاء فيه.
وهذه السمات الحضارية هي كل شيء ـ بالنسبة للأشخاص، ولولاها لما استطاع المجتمع أن ينمو ويتطور ويتقدم. فالتراث الحضاري عنصر مهم من عناصر التطور، والإنسان المعاصر مدين لأجياله السابقة التي أورثته كل هذه النماذج التي لها الفضل الكبير في بلورة شخصيته الحضارية وتكاملها.
ويشكل التراث تراكما حضاريا وثقافيا عبر الأجيال والقرون لمضمون العناصر المادية والمعنوية للحضارة، كالمعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والصناعات والحرف وقدرات الإنسان وكل ما يكتسبه من المجتمع من سلوك متعلم قائم على الخبرة والتجارب والأفكار المتراكمة عبر العصور والتي تنتقل من جيل إلى آخر عن طريق اللغة والتقليد والمحاكاة.
والتراث الحضاري ظاهرة إنسانية عامة لكل المجتمعات والأمم. فكل أمة ومجتمع له تراثه الحضاري والثقافي من جهة، ومن جهة أخرى هناك تراث إنساني عام تشترك فيه كل الأمم والمجتمعات، ويخص الجنس البشري بأجمعه، لأن الإنسان يتميز عن الحيوان بقابلية اللغة والتفكير والعمل.
وتختلف المجتمعات الإنسانية في ارثها الحضاري من حيث عمق تراثها في التاريخ أو ضخامته أو بساطته وعدم تعقيده. وتراث أية أمة من الأمم يمكن أن يكون عاملاً مهماً وأساسيا في تطورها وتقدمها، لأن الإنسان في كل زمان ومكان وارث لما قدمه أسلافه من معارف وخبرات يستفيد منها في حاضره ويضيف إليها من خبرته وتجاربه ويطورها بعلمه ومعرفته من أجل بناء حاضره ومستقبله.
ولهذا فالتراث عملية تراكم دائمة ومستمرة عبر الماضي، مروراً بالحاضر وتجاوزاً للمستقبل. ولا يمكن إن يكون هناك قطع زمني في هذه العملية، فتجربة الإنسان في الماضي تصبح تجربة جديدة في الحاضر وتستمر للمستقبل. ولهذا يكون علينا إن نستفيد من الإرث لتطوير الحاضر وتجديده والعمل من اجل المستقبل، دون أن يطغى ارث الماضي على الحاضر ولا يلغي الحاضر الماضي، ولا يقف الماضي في سبيل المستقبل.
وتراث أية أمة من الأمم ليس تراكم معرفة وتجارب فحسب، لكنه تمثيل لشخصية الأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ويعني ذلك تمثيلاً لخصائص الأمة الحضارية، والمادية والمعنوية، فالشخصية القومية لا تولد في الحاضر وليست لها حقبة زمانية معينة، وانما هي وليدة ارث أجيال متعاقبة عبر التاريخ وعبر تجارب وخبَرات وأفكار، ولذلك فالتراث الحضاري هو العامل الأساسي في وحدة الأمة وبقائها واستمرارها، وهو الوسط الذي تنمو فيه الشخصية وتترعرع.وقد ترك العرب تراثاً ضخماً غنياً هو ثمرة جهود إنسانية واسعة وعميقة في التاريخ تمتد إلى العرب قبل الإسلام، عبر عصر الازدهار والتفتح العلمي، كانت مادة هذا التراث العظيم هي اللغة العربية، الغنية بمفرداتها التي جمعت ذلك التراث ووحدته وحفظته. فاللغة العربية هي لغة العلم والتخاطب في الميراث الحضاري العربي، والتي لعبت دوراً أساسيا وإنسانيا بما قدمته وإضافته في تطوير عصر النهضة العربية، عصر النقل والترجمة والتأليف والإبداع وما أحيته وطورته في التراث اليوناني القديم وأضافت إليه فكراً وتطبيقاً. وقد انطوى التراث العربي على الكثير من عناصر الحضارة المادية والمعنوية. وفي مختلف مجالات الحياة.
التراث العربي هو حلقة من سلسلة طويلة من الحضارات الإنسانية المتعاقبة، وهو جزء من التراث الإنساني العام، لأنه أدى ولا يزال دوراً أساسيا ومهماً في إغناء وتطوير الحضارة الإنسانية، ومن يتصفح كتب التراث العربي يجد أمامه عملاقاً متشعب الفروع، يضم الطب والرياضيات وعلم البصريات إلى جانب الفلسفة والجغرافية والآداب والعلوم الاجتماعية والفنون.ان الاهتمام بالتراث الحضاري مهمة ضرورية تحتاج إلى موضوعية وعقلانية من جهة وإلى عالمية الفكر الإنساني وتواصله من جهة أخرى، وان عملية إحيائه هي عملية انتقائية تحتاج أولا إلى الاستيعاب استيعاباً موضوعياً وذلك عن طريق فهمه وهضمه وتطويره نحو الأفضل وربطه بالمعاصرة التي تعني استيعاب الحاضر بخصوصياته القومية وربطه بالتراث الإنساني العالمي وخصوصيات العالم المعاصر.
ان مفهوم التراث أيديولوجيا ، يدل على هوية ثقافية معينة بمعنى القومية، أو على نوع ثقافي معين بمعنى التخصص، كقولنا في الحالة الأولى التراث العربي أو في الحالة الثانية التراث الفلسفي أو التراث العلمي وقد كانت الدلالة الثقافية المعينة لشعب ما خاصة الثقافة العربية مصدر خلاف بين المفكرين، لأن مفهوم التراث يخضع لمصادرات مفاهيم أيديولوجية مسبقة تحدده.على هذا النحو تنوعت وجهات النظر وتياراتها في الأيديولوجية العربية المعاصرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: التراثية السلفية (الدينية) التراثية العلمانية، التراثية القومية إلى ما هنالك.
إن تدرجات الفواصل النوعية بين هاتيك التيارات تنعكس على تحديد مفهوم ثان مرتبط بالتراث إلا وهو مفهوم العروبة. وبالتالي مفهوم الأمة، لما بينها من ترابط لا يمكن فصل عراه، فهل نقول: التراث العربي بالمعنى الشمولي لمفهوم العروبة بوصفه صفة كلية للحضارة السامية باعتبار العروبة آخر تجليانها الباقية، المستمرة على جميع مستويات الحضور التاريخي واللغوي؟ أم نقول:التراث العربي الإسلامي بحيث نطابق بين العروبة والإسلام عندئذ تجابه الفكر اشارات وشذرات عاصفة مثل: هل الإسلام دين قومي خاص بالعرب، أم انه دين أمم يتجاوز العرب؟ وبمفاهيم منطقية ـ هل يستغرق الإسلام العرب أم أن العرب يستغرقون الإسلام استغراقاً تاماً؟ حينئذ أين يمكننا وضع مفاصل العرب غير المسلمين من مسيحيين ويهود وغيرهم من الاقليات الاثنية، العرقية ـ الثقافية ـ اللغوية؟ وكيف يمكن حذف مرحلة عرب ما قبل الإسلام بعمقها وتراثها العظيم؟ لكل سؤالية اشكالاتها واحالاتها وشروطها واستدعاءاتها.
ان ضرورة التواصل لا الانقطاع مرتبط بأصالة ذلك التراث وحيويته، والتواصل يعني ربط الماضي بالحاضر عن طريق استيعاب مضمونه وهضمه وتطويره، وانقطاع التراث يعني فقدان الهوية القومية والحضارية، والإشكالية المثارة منذ مدة حول طريقة النظر إلى التراث في المجال الحضاري العربي الإسلامي ناجمة عن الدخول القوي للقيم الحضارية الغربية، وتراجع الأشكال التقليدية للفكر في مجتمعاتنا، مما اوهم انقطاعاً بين تالد الأمة وطريفها.
فكان هناك الذين رأوا إلغاء الماضي لصالح الحاضر، والذين نظروا للماضي بمختلف مناهج النظر والتحليل الحاضرة، والذين أصروا على أن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها. وهكذا ظلت المحاولات التي جرت لقراءة التراث في نطاق إحدى وجهات النظر الثلاث حبيسة الأيديولوجيا وقاصرة عن الفهم المتكامل.
إن التعامل مع التراث باعتباره حصيلة إنتاج العقل المسلم من مختلف الطبقات الاجتماعية والتيارات الفكرية والثقافية من البلدان الإسلامية جميعاً، وباعتباره أيضاً حاضناً لهوية الأمة، يتطلب العمل على إعادة دراسة هذا التراث وتخليصه من شوائبه، وفتح باب الاجتهاد في مجالاته المتعددة، وتوظيفه لخدمة حاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها، والسهر على إحياء التراث الإسلامي الفكري والفني والمحافظة عليه ونشره بمختلف الوسائل، وترجمة روائعه إلى اللغات الحية، والتعريف بالثقافة والقضايا الإسلامية المعاصرة من خلال وسائل الإعلام الدولية. فالتراث مظهر للإبداع الفردي، مثلما هو مظهر للإبداع الجماعي للأمة وتحولاتها التاريخية.
ووظيفة التراث أن يفتح آفاقاً جديدة للأمة، لا أن يغلق عليها الآفاق ويسجنها في الماضي، وهو أفضل تعبير عن الذاتية الثقافية.
ومعلوم أن هذا التراث الإسلامي ينبني أساسا على روح الإسلام ومقاصده، ولذا نجده مطبوعا بالطابع الإسلامي الذي يجعله في غالب الأحيان لا يختلف مع العقيدة ومقومات الدين التي تمتاز بخصائص ومناهج ومعايير خاصة. ومما لا ريب فيه أن كثيرا من هذه الخصائص والمعايير تختلف مع كثير من خصائص ومعايير الحضارات السائدة حالياً، بحكم الاختلاف في المنطلقات والخلفيات التاريخية والعقدية. فلا مجال في الثقافة الإسلامية للمذاهب المادية مثلا ولا العلمانية ولا الوضعية ولا لكثير من المذاهب والنظريات التي لا تعترف بالشرائع السماوية ولا بمصدريتها ومرجعيتها.
ومن المظاهر الحية القائمة في التراث الإسلامي، فضلا عن الصناعات الفنية والمآثر التاريخية المشار إليها آنفا، مجموعة من المؤسسات الاجتماعية كالوقف على بيوت الله، وعلى خزانات الكتب ودور العلم والإحسان، بل وحتى على الحيوان. ومن المؤسسات الثقافية الكتاتيب والمدارس القرآنية والجامعات وخزانات الكتب. وكذا مجموعة من المظاهر الدينية والتقاليد الاجتماعية، كالاحتفال بالأعياد والمواسم الدينية.
في لحظات التحول الحضارى عندما تنهض الأمة لإقامة حضارة في أعقاب دورة حضارية سابقة لها – كالأمة الإسلامية– " تجد نفسها أمام تراث فكرى قد تخلف لديها من أيام الصعود والثبوت والانحطاط الحضارى ، مضافاً إلى هذا الفكر المتسرب من الحضارات المحيطة بها . وهنا تبدأ في الأمة معارك وصراعات بين ألوان الفكر المختلفة ... الفكر المتسرب من الحضارات المعاصرة ، وقد تمثل في أنظمة متقدمة عصرية حية ، بينما فكر التراث قد تمثل في أنظمة من الماضى أصبحت تاريخاً وآثاراً ، وكلاهما بالنسبة للأمة لا يمثل الذاتية ، الأول يمثل تغايراً في المكان ، والثانى يمثل تغايراً في الزمان"
ومن الطبيعى أن " الحيرة الفكرية التي تتولد في عقل الأمة وتترسب في ضميرها نتيجة لهذا التغاير وذلك التباين تكون أشد تأثيراً عليها في لحظات الإعداد الحضارى ، خاصة عندما لا يكون لهذه الحيرة عمق علمى أو سبب جوهرى ، بل يكون الأمر كله حيرة بين شعارات مختلفة تبدو متناقضة ".
وفى إطار هذه الحيرة ، كلما طرحت مسألة التراث نجد الناس – بعامة – حيالها فريقين: فريق مع التراث، وفريق ضده ، وداخل كل فريق يتوزع الناس جبهات تتقارب أحياناً وتتباعد أحياناً كثيرة ،وربما يكون التحزب إلى جانب أحد هذين الفريقين تحزب ضد الآخر . وإن كان هناك فريق ثالث بازغ لا يحظى باتساع وانتشار الفريقين السابقين ينأى أصحابه عن التعصب مع أو ضده التراث ، ويؤكدون ضرورة إخضاع تراثنا للفرز والتمحيص بغرض استثمار إيجابياته في تحقيق نهضتنا المنشودة . وعلى ذلك يمكن أن نحدد أبرز المواقف التي تعكس تعاملنا الراهن مع التراث الإسلامى إما بالعودة إلى التراث والاكتفاء به ؛ حيث يرى أصحاب هذا الموقف أن السبيل إلى تجاوز وهننا وتحقيق نهوضنا الحضارى هو العودة إلى تراثنا ، و " التزام حرفية الأقوال والأعمال والتصرفات والعادات التي كان السلف يلتزمونها ويمارسونها دون زيادة عليها ولا نقصان منها ولا تغيير لها " لأن أية مخالفة لما تركه لنا السابقون تنال حتماً من شخصية الأمة وتشوه هويتها.
وينطلق أصحاب هذا الموقف من رؤية تقوم على تقديس التراث استناداً إلى نظرة مثالية لا ترى في الإمكان إبداع ما هو أحسن مما كان . ومن ثم ، فإن المطلوب هو أخذ التراث كما هو ، والنسج على منواله ، واستعادة نماذجه بحذافيرها إلى واقع اليوم ، لأن السلف لم يتركوا مجالاً إلى طرقوه ، وليس بعد ذلك من مجال لإبداع أو تقدم
وتتعدد العوامل التي تقف وراء هذه الدعوة إلى العودة إلى التراث، فالبعض يرى أن هذه الدعوة تعبر عن حالة التخلف التي يعيشها أصحابها، " فالمتخلف بطبعه يركن دوماً إلى تقليد نموذج جاهز، فهو غارق في التقليد لا يستطيع أن يمارس غير عملية النقل، فيركن إلى نموذج سلفى يحتمى به ويفر إليه من واقعه".
وهناك من يرجع هذه الدعوة إلى الثورة الراهنة في مجال الانتقال والاتصال ، والتي تهاوت على أثرها الحواجز والحدود الجغرافية، فإذا بثقافات الآخرين تحل بدارنا عبر وسائل لإعلام المتعددة ، وإذا بملايين المسلمين يوشكون أن يفقدوا معالمهم وسط طوفان الأفكار والنظم الوافدة إلينا. واستتبع ذلك أن استولى الخوف من الضياع على الكثيرين ، وأصبحت تطاردهم أشباح غزو جديد يقضى على ما بقى على للمسلمين من فرص الإفاقة والانبعاث ، ويسلبهم معالمهم ، ويجعل منهم موالى تابعين لحضارة أخرى . ونتيجة لذلك كله برزت الدعوة إلى العودة إلى التراث والاعتصام به باعتباره المنفذ من الضياع الوسيلة الآمنة لانبعاثنا الحضارى من جديد. وهناك من ينظر نظرة الأحادية للتراث ، أو يبالغ في الافتخار بالتراث ، أو ينظر نظرة غير فاقهة للتراث ، بل نجد من يرفض التراث ، وهناك أيضا من يستثمر النافع من التراث في إنهاض الأمة.
التراث تركة الأجيال الماضية، وهو يتنوع في عناصره المادية والمعنوية والحضارية لدرجة أنه يصعب حصر أنواعه وأشكاله، فمنه ما يتصل بالعلم والمعرفة، ومنه ما يتصل بالمعتقدات والفن والأخلاق والصناعات والحرف، ويدخل في التراث كل ما يكتسبه المجتمع من سلوكيات وخبرات وأفكار متراكمة عبر العصور، وهي تنتقل من جيل إلى جيل عن طريق اللغة والتقلي