If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يلتقي سعد بن أبي وقَّاص مع النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في النَّسب عند كِلاب؛ الجدِّ الرَّابع له، واسمه سعدُ بن مالك بن أُهَيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كِلاب بن مُرَّة الزُّهريِّ القُرشيِّ، وكنيته أبو إسحاق، وهو من أخوال النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، حيث باهى به حينما أقبل عليه فقال: (هذا خالي فليُرِنِي امرؤٌ خالَهُ). وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، ومن السِّتَّة من أهل الشورى، كما أنّه أحد الصَّحابة السِّتَّة الذين توفِّي رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو راضٍ عنهم. ويعدُّ سعدٌ فارس الإسلام؛ حيث إنَّه أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله -تعالى-، كما أنّه كان رامياً باسلاً لا يُخطئ رميه، وهو حارس رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وقد فداه رسول الله بأبيه وأمِّه، حيث قال له يوم أُحُد: (ارْمِ سعدُ، فِدَاكَ أبِي وأُمِّي)، وكان لا يُردُّ دعاؤه؛ فقد دعا له رسول الله بإجابة دعوته وتسديد رميه.
كان سعد بن أبي وقَّاص قد هاجر إلى المدينة المنوَّرة قبل رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وشهد معه جميع الحوادث والغزوات، وقد تولَّى قتال فارس، وكان رئيس القادة في فتح العراق، كما أنّه فتح الكثير من المدن وقام ببناء الكوفة، وكان والياً عليها في عهد عمر وعثمان -رضي الله عنهما-. أما بالنِّسبة لروايته للحديث فقد روى عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مئتين وسبعين حديثاً.
كان سعد بن أبي وقَّاص يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً عندما رأى في منامه أنّه يغرق في بحرٍ مظلمٍ، وبينما هو على هذه الحال إذ رأى قمراً فلحق به واتَّبعه، وكان قد سبقه إلى القمر ثلاثةٌ؛ هم زيد بن حارثة، وعليُّ بن أبي طالبٍ، وأبو بكرٍ الصِّدِّيق -رضي الله عنهم جميعاً-، فلمّا أفاق في الصباح سمع أنّ محمداً يدعو إلى دينٍ جديدٍ، فعلم أنّه القمر الذي رآه في منامه، وقد سبقه إلى هذا الدِّين عليٌّ وزيدٌ وأبو بكرٍ وخديجة، فذهب مُسرعاً إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- ليلحق بمن سبقه إلى الإسلام، وكان ذلك بعد صلاة العصر، فلقيه في شِعب جِياد وأعلن إسلامه، فكان من السَّابقين الأوَّلين إلى الإسلام، وكان تفسير رؤياه في منامه أنّ الله -تعالى- أراد أن يخرجه من الظُّلُمات إلى النُّور بسبب إسلامه.
لمّا علمت والدة سعدٍ بإسلامه امتعنت عن محادثته كما امتنعت عن الطَّعام والشَّراب حتى يعود عن دينه إلى الكُفر، فأمضت يوماً وليلةً على هذه الحال لا تأكل ولا تشرب شيئاً حتى ظهر التَّعب والجهد عليها، فقال لها سعدٌ -رضي الله عنه-: "يا أمَّاه، والله لو كان لكِ مئة نفسٍ فخرجت منكِ نفساً نفساً ما عُدت عن ديني، إن شئتِ فكلي أو لا تأكلي"، فلمّا سمعت ما قاله ورأت إصراره أكلت، فأنزل الله -تعالى- قوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
اتَّصف سعد بن أبي وقَّاص برجاحة العقل، والحكمة، والتَّفكير في المستقبل، وكان قويَّ البدن، عفيف اليد واللِّسان، بارّاً بأهله، وفيّاً لأصحابه، رفيقاً بهم، وأحبُّ الناس إليهم بل وأحبُّ قريشٍ للناس، كما كان ورعاً يتَّقي الشُّبهات. وما جمع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أبويه في الفداء إلّا لشخصين من الصَّحابة؛ هما الزُّبير بن العوَّام وسعد بن أبي وقَّاص، فقد قال عليُّ بن أبي طالبٍ: (ما سَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَمع أبَوَيْهِ لأحَدٍ إلَّا لِسَعْدِ بنِ مَالِكٍ، فإنِّي سَمِعْتُهُ يقولُ يَومَ أُحُدٍ: يا سَعْدُ ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي).
أُطلق لقب الأسد في براثنه على سعد بن أبي وقَّاص؛ لِما كانت له من مواقف الأسد في شجاعته في الغزو؛ حيث افتتح معركة القادسية بخطبته قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، وهو الذي أمر جيشه في تلك المعركة أن يعبروا النهر، فلما أرادوا أن يدخلوه تردَّدوا، فقال: "يا خيل الله اركبي"، فجمد النهر حتى أصبح يابساً وعبروه، وهو الذي دخل إيوان كسرى وهو يتلو قوله -تعالى-: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ* وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ* كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ)، كما أنّه هو الذي أطفأ نار المجوس التي كانوا يعبدونها من دون الله -عزَّوجلَّ-، ونشر الإسلام في العراق حتّى صارت أمَّةً موحِّدةً لله -تعالى-.
كان سعد بن أبي وقَّاص يعدُّ من أشجع الفرسان، وكان له سلاحان؛ رُمحه ودعاؤه، وقد عاش عمراً مديداً، وكان من أغنياء الصحابة، فلمّا حضرته الوفاة طلب جُبَّةً باليةً من الصوف كان قد قاتل بها المشركين يوم بدر وأمر أن يُكفَّن بها؛ رغبةً منه في لقاء الله -تعالى- بها، وقال وهو على فراش الموت: (أَلحِدُواْ لي لَحْدَاً وَانْصِبُواْ عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبَاً، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم)، وتوفِّي -رضي الله عنه- سنة خمسٍ وخمسين من الهجرة، أثناء خلافة معاوية بن أبي سفيان، في العقيق على بعد سبعة أميالٍ من المدينة المنوَّرة، ثمّ حُمل إليها ودُفن بالبقيع.