If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يعيش عالم اليوم مشكلة تتفاعل ما بين دوله، وتتفاقم تداعياتها في أكثر من مكان، من أوروبا إلى آسيا إلى الولايات المتحدة الأميركية، وتتمثَّل برغبة الولايات المتحدة بإنشاء نظام دفاع صاروخي على أراضي القارة الأوروبية، وربما على مساحة الكرة الأرضية في ما بعد. وعندما باشرت الولايات المتحدة تنفيذ مشروعها في أوروبا اندلعت معارضة كبيرة له، بخاصة من روسيا الاتحادية وبعض دول الاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب خطورته المباشرة على روسيا، وخطورة انعكاساته وتداعيات إنشائه على دول أوروبا وآسيا وربما على بقية دول العالم . فما هو هذا المشروع العسكري؟ وما هي انعكاسات انشائه في أوروبا؟ وكيف انطلقت فكرة إقامته ومتى؟
يعتبر البعض أن فكرة أقامة نظام دفاع صاروخي ضد الصواريخ ولدت العام 1944 خلال تساقط الصورايخ النازية "ف 1 وف 2" على مدينة لندن( 9 ). فقد أدرك البريطانيون أن الطريقة الفعالة لتدمير الصواريخ المهاجمة هي إطلاق صواريخ اعتراضية لتدميرها. وبالفعل، فقد مضى حوالى 17 عامًا ما بين ولادة هذه الفكرة والتجارب الأولى لاطلاق مثل هذه الصواريخ الاعتراضية، من قبل كل من الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد السوفياتي السابق، في العامين 1961 و1962. وقد بدا واضحًا منذ البداية سعي كل من الدولتين العظميين إلى تدمير صواريخ الدولة الأخرى. وعلى الرغم من بلوغ كل من بريطانيا وفرنسا والصين مرحلة الدولة النووية فإنها لم تؤثر على طبيعة الدفاع الصاروخي ذلك أنه، ولفترة طويلة، فإن الدولتين العظميين فقط كانتا تملكان القدرات الكافية والإمكانات المناسبة لشن هجوم نووي صاروخي، في أي مكان، إذا رغبتا في ذلك وبشكل مفاجئ. وعلى الرغم من انطلاق سباق التسلح النووي الصاروخي، والمحاولات المتعدِّدة لتطوير أنظمة الدفاع الصاروخية، خلال فترة الستينيات من القرن الماضي، ما بين هذه الدول وبخاصة الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والاتحاد السوفياتي وحلفائه من جهة أخرى، فإن بعض القادة السياسين في الولايات المتحدة رأى أن يضع حدًا لهذا السباق في تطوير هذه الأنظمة، وذلك خلال التحضير لمحادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية( 10 ) "سالت 1"، ومعاهدة الأسلحة المضادة للصواريخ البالستية "أ بي إمABM "، وذلك في نهاية فترة الستينيات من القرن العشرين. لقد كان هؤلاء يخشون أن تعطي أنظمة الدفاع الصاروخية وهمًا مزدوجًا لكلا الطرفين قد يعمي بصيرتيهما بالتفوق فيقومان باستخدام الأسلحة النووية بعضهما ضد البعض الآخر، على خلفية أنهما يملكان أنظمة دفاعية صاروخية مضادة للصواريخ فيقع الطرفان في المحظور.
لم تفلح الحجج الأميركية في وضع حد لسباق التسلُّح، بشكل مباشر أو فوري، لأن الجهود السوفياتية، في ذلك الوقت، كانت تتركَّز على سد الثغرة القائمة بينهما في مجال الأسلحة النووية الاستراتيجية. ولهذا ما يبرِّره بالنسبة إلى السوفيات إذ أن الولايات المتحدة، وبعد أن أجرى الاتحاد السوفياتي تجربته النووية الأولى العام 1949، وضعت في الأول من كانون الثاني/يناير 1950 مخطَّطًا لضربه بالأسلحة النووية حمل اسم "تروجان Trojan"، ويتضمَّن قيام حوالى 840 قاذفة استراتيجية بإلقاء ما يقارب 300 قنبلة ذرية فوق الأراضي السوفياتية، ولكن الفكرة أهملت لأن التدريب على الخطة أثبت عدم جدوى الضربة الاستباقية، ولعدم إنجاز الأهداف المحدَّدة لها بشكل فعَّال . العام 1953 تبنَّت إدارة الرئيس الأميركي إيزنهاور مبدأ "الانتقام الساحق"(massive retaliation) ، المرتكز على التفوُّق الساحق للولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي في مجالات الرؤوس النووية ووسائط إيصالها العام 1960 وضع أول مخطط متكامل لشن حرب نووية دعي "سيوب" single integrated operating plan: SIOP))، ويقوم على شن حرب شاملة على الاتحاد السوفياتي باستخدام أسلحة نووية غير محدودة. في العام التالي طوَّرت الولايات المتحدة مخططها "سيوب 2" وفيه ارتأت القيادة السياسية والعسكرية أنه من الضروري أن تمتلك الولايات المتحدة "قوى استراتيجية نووية" كافية لإنجاز مفهوم "التدمير اليقيني" (assured destruction) للاتحاد السوفياتي. ويؤمن المخطط فكرة الضربة الوقائية للمراكز الحكومية، ومقرَّات القيادة والسيطرة (قطع الرأس)، وضرب الوسائط الناقله للأسلحة النووية، الأمر الذي يمكن أن يقلِّص قوة الرد والانتقام السوفياتية إلى حدِّها الأدنى. كما أن الدمج ما بين هذه الضربة الوقائية وأنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية، يمكن أن يحمل الأمل بإنجاز نصر تام على الاتحاد السوفياتي، فتكون الأضرار من أي رد انتقامي على الأرض الأميركية في مستوياتها الدنيا.
لذلك، وفي مثل هذه الظروف والمخطَّطات الأميركية، كان الاتحاد السوفياتي ينظر إلى المفاوضات للحد من نشر الصواريخ الاستراتيجية ومبادرات الحد من أنظمة الدفاع الصاروخية بعين الحذر والشك، في الوقت الذي كان يطوِّر فيه أنظمة دفاعه الصاروخية بنجاح أكبر من الولايات المتحدة. كما أن الموقف السياسي الدولي كان مضطربًا؛ فمن تورط الولايات المتحدة في فيتنام، إلى أزمة تشيكوسلوفاكيا مع السوفيات (1968)، وهزيمة العرب حلفاء السوفيات على يد إسرائيل (1967) الخ....، كل هذا دفع الطرفين إلى إيجاد وسائل لتخفيض حدَّة التوتر في علاقاتهما. وبالفعل، فقد بدأت المفاوضات بين الدولتين العظميين في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1969 من أجل هدف واحد رئيس هو "الحد من نشر أنظمة الدفاع الصاروخية"، وانتهت العام 1972 باعلان معاهدة (ABM) التي شكَّلت حجر الزاوية في إقامة علاقات ثابتة بين الدولتين خلال ما عرف بفترة الحرب الباردة(cold war) . وفي هذه المعاهدة ولد ما عرف بنظرية "التدمير المتبادل اليقيني"MAD. وهكذا أتاح حظر نشر الأنظمة الصاروخية المتبادلة إقامة توازن استراتيجي بين الطرفين، لأنه ألغى الدوافع بينهما لزيادة إمكاناتهما الهجومية، أو للحصول على أفضلية أحادية من خلال تطوير الأنظمة الدفاعية. لقد ثبَّتت هذه المعاهدة مبدأ الاستقرار في العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين، وأوجدت الظروف والشروط التي تمنع أي طرف من التفوُّق على الطرف الآخر في الحاضر كما في المستقبل . في آذار/مارس 1983 أطلق الرئيس الأميركي رونالد ريغن برنامجًا جديدًا للدفاع الصاروخي عُرِف باسم "مبادرة الدفاع الاستراتيجي “Strategic Defense Initiative (SDI)أو باسم "حرب النجوم"starswar ، يهدف إلى إعطاء دفعٍ لبرنامج الدفاع الصاروخي وتطويره بالتكنولوجيا المتقدِّمة التي تم التوصل إليها. وقد جهد الاتحاد السوفياتي، والذي كان يعاني مشاكل سياسية واقتصادية، لمواكبة التحدي الجديد بإمكانات فاقمت من أزمته الاقتصادية ما أسهم في ما بعد في انهياره . تعامل الرؤساء الأميركيون في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي، من الرئيس جورج بوش الأب إلى الرئيس بل كلينتون، مع روسيا، وريثة الاتحاد السوفياتي بأكبر ترسانة نووية (قنابل ووسائل إطلاق)، بخفة وعدم جدية بالنسبة إلى الأنظمة الدفاعية الصاروخية والمعاهدات التي كانت تنظم العلاقة بينهما، ورفضوا تطوير هذه المعاهدات وإعطاء دور مميَّز لروسيا بما يتناسب مع إمكاناتها العسكرية النووية والصاروخية. وعلى العكس، فقد سعت الولايات المتحدة إلى الانسحاب رسميًا من معاهدة الحد من الصواريخ البالستية ما سمح لها ببدء عمليات تطوير منظومات دفاع صاروخي مضادة وانتاجها ونشرها.