العربية  

books habsburg spain

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

إسبانيا هابسبورغ (Info)



إسبانيا هابسبورغ هي الفترة من تاريخ إسبانيا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر (1516-1700)، عندما حكم إسبانيا الفرع الرئيسي من سلالة هابسبورغ (ترتبط أيضاً بدورها في تاريخ أوروبا الوسطى). تحت حكم هابسبورغ (خصوصا في ظل كارلوس الخامس وفيليب الثاني) وصلت إسبانيا ذروة نفوذها وقوتها، حيث سيطرت على أراض تتراوح بين الأمريكتين إلى جزر الهند الشرقية في آسيا والبلدان المنخفضة (و التي تقع الآن في فرنسا وألمانيا) وجزء من إيطاليا الحالية، والإمبراطورية البرتغالية في الفترة بين 1580-1640 وغيرها من الجيوب صغيرة مثل سبتة ووهران في شمال أفريقيا. إجمالاً كانت إسبانيا هابسبورغ ولأكثر من قرن أعظم قوة في العالم. لهذا السبب يشار إلى هذه الفترة من التاريخ الإسباني باسم "عصر التوسع".

هيمنت إسبانيا خلال حكم آل هابسبورغ سياسيا وعسكريا على أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر ولكنها شهدت انحدارا تدريجيا لنفوذها في النصف الثاني من القرن السابع عشر تحت حكم ملوك هابسبورغ اللاحقين.

اعتبرت سنوات آل هابسبورغ العصر الذهبي الإسباني من ازدهار ثقافي. من بين الشخصيات الأكثر تميزا في هذه الفترة كانت تيريزا الأفيلاوية وبيدرو كالديرون دي لا باركا وميغيل دي سرفانتس وإل غريكو دومينغو دي سوتو وفرانسيسكو سواريز ودييغو فيلاثكيث، وفرانسيسكو دي فيتوريا.

الاسم والبنية الإقليمية

تعني إسبانيا في تلك الفترة كامل شبه جزيرة إيبيريا، فهي سياسيا تعني كونفدرالية تضم عدة ممالك مستقلة اسميا في الاتحاد الشخصي: أراغون وقشتالة وليون ونافار وانضمت البرتغال في الفترة (1581–1640).وفي بعض الأحيان تكون تلك الممالك الفردية عبارة عن اتحادات، وأشهرها:" تاج أراغون عبارة عن: (إمارة كتالونيا ومملكة أراغون ومملكة فالنسيا ومملكة مايوركا).

بزواج الملكة إيزابيلا الأولى وفرناندو الثاني سنة 1469 تم توحيد البيت الملكي لإثنين من أكبر تلك الممالك (قشتالة وأراغون) مما ساعد في حملة ناجحة ضد الموروسكيين. وانتهت بالإستيلاء على غرناطة في 1492.

أنعم البابا إسكندر السادس على ايزابيلا وفرديناند لقب أصحاب الجلالة الكاثوليك سنة 1496 واستمر مصطلح Monarchia Catholica أي جلالة الملك الكاثوليكي (الإسبانية الحديثة: Monarquía Católica) يستخدم لملوك هابسبورغ الإسبان.

تكون مفهوم "إسبانيا" في فترة آل هابسبورغ. بمعنى أنه أضفي عليه الطابع المؤسسي في القرن ال 18. وفي القرن ال 17 أي خلال وبعد نهاية الاتحاد الإيبيري اشتهر نظام هابسبورغ الملكي في إسبانيا أيضا باسم "الملكية الإسبانية" أو "الملكية في إسبانيا" إلى جانب إسمها الشائع مملكة اسبانيا.

ظهرت دولة إسبانيا الموحدة إلى حيز الوجود وبحكم القانون بعد وفاة كارلوس الثاني في 1700 ومعه انتهت سلالة هابسبورغ الإسبانية وصعود أسرة آل بوربون بتنصيب فيليب الخامس مع ظهور إصلاحات مركزية مماثلة لتلك في فرنسا.

التاريخ

    بدأت الثورة البرتغالية على إسبانيا في عقد 1640 بمساعدة من أهالي كتالونيا ونابولي والفرنسيون. وعلقت الأراضي المنخفضة الإسبانية بين القبضة المحكمة للقوات الفرنسية والهولندية بعد معركة لنس في 1648، مما أجبر الأسبان بإعطاء سلاما مع الهولنديين حيث اعترف باستقلال المقاطعات المتحدة بمعاهدة صلح وستفاليا التي أنهت كلا من حرب الثمانين عاما وحرب الثلاثين عاما.

    حاول اوليفاريس قمع الثورة الكتالانية خلال شن غزو على جنوب فرنسا. لكن إيواء القوات الأسبانية في كاتالونيا جعلت الأوضاع تزداد سوءا، فقرر الكاتالونيون الانفصال عن أسبانيا والإندماج مع فرنسا. فاستغلت فرنسا ذلك وأرسلت قواتها إلى كاتالونيا، ولكن ماإن تجددت الحرب الأهلية في فرنسا حتى تمكنت القوات الإسبانية من اخراجهم في 1652.

    استمرت الحرب مع فرنسا لمدة أحد عشر سنة أخرى. على الرغم من أن فرنسا تعاني من حرب أهلية 1648-1652، إما إسبانيا فقد استنفدت قوتها في حرب الثلاثين عاما بالإضافة إلى الثورة المشتعلة في البرتغال وكاتالونيا ونابولي. تلك الحرب الطويلة والمرهقة انتهت بمعركة ديونز (1658) حيث تمكن الفرنسيون بقيادة الفيكونت دورين (بمساعدة الإنجليز) من هزيمة الإسبان. فوافق الإسبان سنة 1659 على صلح البرانس حيث تنازلوا بموجبه لفرنسا عن مقاطعة هولندا الإسبانية ارتوا ومقاطعة روسيون وجزءا من اللورين.

    استغل البرتغاليون الثورة الكاتالونية لإعلان استقلالهم سنة 1640. فقد كانت السنوات الستين من الوحدة بين إسبانيا والبرتغال لم تكن جيدة. فقد زار فيليب الثاني الذي يجيد البرتغالية بطلاقة البلاد مرتين، وزارها فيليب الثالث مرة واحدة، وهي زيارة رسمية قصيرة. أما فيليب الرابع فلم يكلف نفسه عناء الزيارة. فالإسبان الذين يتعرضون لضغوطات في أماكن أخرى، ملامين لعدم حمايتهم الحماية الكافية للمستعمرات البرتغالية من الهولنديين (الذين ضموا جزء من البرازيل إليهم). ولم تكن المستعمرات الإسبانية عند الانكماش الاقتصادي تتمتع بتجارة ومنافسة مع نظيراتها البرتغالية. وفوق ذلك فإن وضع الحكم الذاتي للبرتغال المتساوي مع غيرها في الاتحاد بدأ بالإضمحلال بعد فيليب الثاني فقد كان ينظر إليها في مجالس الدولة باعتبارها مقاطعة. وعند أعلان البرتغال الاستقلال واختيارها دوق براجانزا ملكا عليها بإسم جواو الرابع، كانت إسبانيا منشغلة بإخماد ثورة في الأندلس وبالتالي اختارت عدم فعل أي شيء حيال ذلك.

    أدت الثورة البرتغالية -نوعا ما- لإسبانيا أن تبرم معاهدة سلام مع فرنسا في 1659. وقد تعايشت كلا من إسبانيا والبرتغال حالة فعلية للسلام من 1644 إلى 1656. وعندما توفي جواو في 1656 حاول الإسبان انتزاع البرتغال من ابنه ألفونسو السادس ولكن هزموا في معركتي اميكسيال (1663)، ومونتيس كلاروس (1665) فأجبر الأسبان على اعتراف باستقلال البرتغال عام 1668.

    شهد عهد فيليب الرابع انحسار نفوذ الامبراطورية الأسبانية، فقد غرق ببطء في حالات الاكتئاب بعد أن اضطر إلى إقالة اوليفاريس وزيره المخلص في 1643. ثم فقد ابنه الأكبر ووريثه بالتازار كارلوس في 1646 وهو في سن ال 16. أما كارلوس فقد تلاعبت به مختلف الزمر السياسية. فقد وقع لفترة قصيرة تحت تأثير أخيه الأصغر الدون خوان خوسيه الأصغر من النمسا فهيمن النبلاء على إسبانيا مرة أخرى. ومعظمهم يخدم مصالحه الخاصة، إلا أن هناك عدد قليل منهم مثل الكونت أوروبيسا، الذي تمكن (بالرغم من الانكماش الإقتصادي المدمر) من استقرار العملة. وحاول آخرون إضعاف سلطة محاكم التفتيش (التي استمرت حتى 1808) وتشجيع التنمية الاقتصادية.

    ومع ذلك فقد انكمش الاقتصاد الأسباني (خاصة القشتالي) وانخفض عدد سكانها إلى ما يقرب من مليوني شخص في القرن 17. وأسباب هذا الإنخفاض يعود بعضه إلى الطاعون الذي ضربها، وأيضا إلى كثرة قتلى الحروب المتتالية. فوصل عدد السكان إلى أدنى مستوى في 1677-1686 حيث المجاعة والطاعون والكوارث الطبيعية والاضطرابات الاقتصادية فازدادت الهجرة إلى العالم الجديد.

    أضحت فرنسا الآن قوية وموحدة تحت حكم لويس الرابع عشر فبعد صلح البرانس (1659) أزيحت إسبانيا كقوة مهيمنة في أوروبا وأخذت فرنسا مكانها. فقد خاضت فرنسا ثلاث حروب خلال تلك الفترة: حرب أيلولة (1667-1668) والحرب الفرنسية الهولندية (1672-1678) وحرب التحالف الكبير (1688-1697). وبالرغم من خسائر إسبانيا الإقليمية (فرانش كونته وبعض المدن في جنوب هولندا وجزء من جزيرة هيسبانيولا) كانت قليلة نسبيا إلا أنها أظهرت بعض الضعف. وقد خطط لويس الرابع عشر (وغيره من حكام أوروبا) لما بعد وفاة كارلوس الثاني، فقد كان واضحا انه لا ينجب أطفال وأن سلالة هابسبورغ الإسبانية ستموت معه. وجائت نهاية كارلوس عن عمر ناهز 39 في 1 نوفمبر 1700.

    الدين ومحاكم التفتيش الإسبانية

    أطلقت محاكم التفتيش الإسبانية رسميا في عهد الملوك الكاثوليك وأكملها خلفائهم آل هابسبورغ ولم تنتهي إلا في القرن 19. وأضحت محاكم التفتيش إدارة رسمية في الحكومة الإسبانية في عهد كارلوس الأول، فاندفعت حتى أصبحت خارج السيطرة مع مرور القرن 16.

    وسع فيليب الثاني من محاكم التفتيش وجعل الكنيسة التقليدية هدف السياسة العامة. وفي 1559 أي بعد ثلاث سنوات من حكم فيليب منع الطلبة الإسبان من السفر إلى الخارج، وحمل قادة محاكم التفتيش مسؤولية الرقابة، ولم يعد من الممكن استيراد الكتب. فمحاولة فيليب القوية لاستئصال البروتستانت من أسبانيا، حيث أدار حملات عديدة لإستئصال أدبيات اللوثرية والكالفينية من البلاد على أمل تجنب الفوضى التي تشهدها فرنسا. كان فيليب أكثر تدينا من والده، وكان مقتنعا أنه إذا لجأ البروتستانت إلى القوة العسكرية فلا بد له من أن يحذو حذوها. وكان على استعداد للقيام بكل ماهو ممكن لمحاربة الزنادقة والحفاظ على الهيمنة الأسبانية. وقد تدخل في الانتخابات البابوية لضمان اختيار بابا مؤيد لإسبانيا، حيث نجح ثلاث مرات مع الباباوات أوربان السابع وغريغوري الرابع عشر وإينوسنت التاسع. ولكن في المرة الرابعة فشل فيليب في منع انتخاب كليمنت الثامن الموالي لفرنسا.

    تم تطهير الكنيسة الإسبانية من تجاوزاتها الإدارية العديدة في القرن 15 بإدارة الكاردينال خيمينيث، فمحاكم التفتيش عملت على تطهير العديد من الإصلاحيين الأكثر راديكالية الذين سعوا إلى تغيير لاهوت الكنيسة كما أرادها المصلحين البروتستانت. بدلا من ذلك، أصبحت إسبانيا مطعمة بمكافحة الإصلاح لأنها خرجت بالتو من الاسترداد. فقد أنجبت إسبانيا خطين فريدين من فكر مكافحة الإصلاح تمثل في شخصيات القديسة تريزا الأفيلاوية والباسكي إغناطيوس دي لويولا. فدعت تيريزا إلى رهبانية صارمة وإحياء المزيد من التقاليد القديمة للتوبة. وقالت إنها شهدت النشوة الدينية التي أصبحت مؤثرة بعمق على الثقافة والفنون الأسبانية. وكان اغناطيوس لويولا مؤسس الرهبنة اليسوعية ذات تأثير قوي في جميع أنحاء العالم بإجهاده الروحي والعقلي، وساهمت في عودة للتعلم في جميع أنحاء أوروبا. وفي سنة 1625 ذروة الهيبة الإسبانية وسلطتها أنشأ غاسبار دي غوزمان دوق اوليفاريس الكلية الإمبريالية اليسوعية في مدريد لتدريب النبلاء الإسبان العلوم الإنسانية والفنون العسكرية.

    تم تبديل دين الموريسكيين في جنوب إسبانيا قسرا إلى المسيحية منذ 1502، لكنهم تحت حكم كارلوس الأول تمكنوا من الحصول على بعض التسامح من حكامهم المسيحيين. فسمح لهم بممارسة عاداتهم ولباسهم ولغتهم. ولكن يبقى تطبيق قوانين دينية على الجنسين بنفس القدر. (ولكن فإن كارلوس قد أقر قانون تنقية الدم وهو القانون الذي استبعد من ليس لهم دم مسيحي نقي قديم من مسلم أو يهودي من تبوء المناصب العامة.) إلا أن فيليب أعاد تلك القوانين المقيدة للأجيال السابقة. فثار الموريسكيين في 1568. فأرسل فيليب قوات إيطالية لقمع تلك الثورة بقيادة دون خوان النمساوي، وحتى ذلك الحين فقد تراجع الموريسكيين إلى الجبال ولم يتم هزيمتهم إلا في 1570. وأعقب تلك الثورة برنامج إعادة توطين هائل بنقل 12,000 فلاح مسيحي واستبدال الموريسكيين. وفي سنة 1609 وبناء على نصيحة من دوق ليرما أمر فيليب الثالث بطرد 300,000 موريسكي من إسبانيا.

    لم يساعد طرد العمالة اليهودية او المورو أو المورسكيين في دفع عجلة الاقتصاد الإسباني. فاقتاتت مجموعات متفرقة من الموريسكيين إما على الزراعة بأطراف الجبال أو العمل في أمور غير ماهرين في بلد فيه نقص كبير من العمالة. فحاول مجلس قشتالة التقصي في المسألة فوجده أمر بسيط وليس ذو تأثير. ولكن هناك أجزاء من أراغون وخصوصا فالنسيا حيث كان يعيش فيها نصف الموريسكيين، وكانوا فيها أقلية كبيرة من السكان وتأثيرها ملحوظ بقوة خاصة لأصحاب الأراضي الذين فقدوا المستأجرين.

    الإدارة والبيروقراطية

    تدفقت على إسبانيا كميات ضخمة من الذهب من مستعمراتها في العالم الجديد نهبت عند غزوهم تلك المناطق، وقد استخدمها كارلوس الأول لتمويل حروبه في أوروبا. وفي عقد 1520 بدأ باستخراج الفضة بكميات ضخمة من رواسب غنية في ولاية غواناخواتو في المكسيك، ولكن فتح مناجم أخرى في زاكاتيكاس بالمكسيك وبوتوسي في بيرو العليا (حاليا بوليفيا) في 1546 جعل الفضة ثروة اسطورية. تركت الحكومة الإسبانية حرية استخراج الفضة للشركات الخاصة ولكنها وضعت ضريبة سميت باسم الخمس الملكي (بالإسبانية: quinto real)‏ بحيث يكون للحكومة خمس المعادن المستخرجة. وقد نجح الإسبان نجاحا باهرا في جمع الضريبة من جميع أنحاء إمبراطوريتها المترامية في العالم الجديد. فجميع السبائك يجب أن تمر خلال غرفة التجارة الإسبانية في إشبيلية، وذلك بتوجيه من مجلس الإنديز. وتتحكم الدولة في تزويد زئبق المادن الذي هو أساسي لاستخراج الفضة من الخامات، وهو مما ساهم في صرامة السياسة الضريبية الإسبانية.

    تسببت الديون في تعرض إسبانيا وباقي أوروبا لتضخم اقتصادي، ولكن بعدها أنخفض مستوى الدين مع ارتفاع واردات الفضة. وقد أدار كارلوس معظم حروبه بالديون. وقد ظهر ذلك جليا بعد تنازله عن العرش بسنة أي في 1557 حيث اضطرت إسبانيا لأول تأجيل سداد ديون، ووضعت نمط ممكن تكراره دائما عند حدوث آثار اقتصادية مدمرة.

    استخدم بعض الأسبان في البداية فكرة القتل بالجملة والاستعباد في إجبار الهنود على تغيير دينهم. وبالرغم من أن البعض مثل بارتولومي دي لاس كاساس طالب بالمزيد من المعاملة الإنسانية لهم. مما قاد إلى الكثير من الجدل والعمل الحكومي، فأصدرت عدة قوانين مثل قوانين بورغوس والقوانين الجديدة وهناك تعديلات قانونية وتشريعية أخرى خففت نوعا ما ظروف هنود أمريكا، بما في ذلك إطلاق سراح جميع العبيد من سكان أمريكا الأصليين.

    ولمواجهة تهديدات القرصنة المتزايدة، اعتمد الإسبان في 1564 نظام القوافل البحرية سابقة زمنها، بحيث تسافر أساطيل المال من أمريكا في ابريل وأغسطس من كل عام. أثبتت تلك السياسة فعاليتها وكانت ناجحة جدا. ولم تسقط من تلك القوافل إلا اثنتين فقط: الأولى في 1628 عندما استولى عليها الهولنديين، والأخرى في 1656 واستولى عليها الإنجليز، ولكن بحلول ذلك الوقت كانت قوافل هي صورة منعكسة ما كانت عليه إسبانيا بذروتها في نهاية القرن الماضي. ومع هذا فكثيرا ماتعرضت تلك القوافل للهجوم، وتكون خسائرها نوعية. طبعا ليست كل أساطيل الشحن التابعة للإمبراطورية المبعثرة تكون محمية من قوافل حراسة كبيرة، فكانت فرصة للقرصنة المفوضة من الهولنديين والإنجليز والفرنسيين وأيضا القراصنة المنفردين في مهاجمة السفن التجارية على طول السواحل الأمريكية والإسبانية ونهب المستوطنات المعزولة. بدأت تلك القرصنة تأخذ طابع وحشي لا سيما في عقد 1650، فسقطت جميع الأطراف إلى مستويات مرتفعة من الوحشية، وبمعايير قاسية في ذك الوقت. وقد كان رد فعل إسبانيا هو استقدام أعداد كبيرة من القراصنة المفوضين وجعل دونكيرك التي استردوها قاعدة لغزاة دونكيرك لمهاجمة التجارة الهولندية والإنجليزية والفرنسية. وكان الجزء الأخطر هو حماية الحصون البرتغالية المتناثرة في أفريقيا وآسيا، والتي تعاني من نقص مزمن من الرجال. وقد ثبت أنه من الاستحالة عمل حماية كاملة لها، بسبب مشاركة إسبانيا مشاركة كاملة في عدة جبهات، ولا يمكنها إلا أن تدخر القليل من الجنود لحماية الحصون. وأيضا اضطرت أن تواجه البحرية الإسلامية المتناثرة في المتوسط المدعومة عثمانيا، وهو تهديد أكبر بكثير من تهديد قراصنة الكاريبي والقرصنة الهولندية والشرقية المحيطة بالفلبين.

    تتحكم اشبيبلية في انجازات توسع الامبراطورية الأسبانية في العالم الجديد، بدون توجيه مباشر من بلاط مدريد، حيث كان اهتمام كارلوس الأول وفيليب الثاني ينصب في المقام الأول على أوروبا، لذا كانت إدارة الأمريكتين يقوم بها نواب الملك والمسؤولون الاستعماريون الذي يديرون البلاد بحالة شبه استقلال ذاتي. فملوك هابسبورغ ينظرون إلى مستعمراتهم بأنها جمعيات إقطاعية وليست جزءا لا يتجزأ من اسبانيا، ولم يرغبوا بزيارة المستعمرات. فقد أجبرت أسرة هابسبورغ التي حكمت مناطق غير مترابطة ومتعددة بتفويض حكم المناطق الذاتية إلى إدارة محلية مكررة بذلك صورة السياسة الإقطاعية في إسبانيا، ولا سيما في بلاد الباسك وأراغون. وهذا يعني أن الإدارة المحلية هي التي تحدد الضرائب وتحسين البنية التحتية وسياسة التجارة الداخلية، مما أدى إلى حواجز جمركية داخلية ومكوس مختلفة وسياسات متضاربة بين أقاليم مملكة هابسبورغ. وقد تمكن كارلوس الأول وفيليب الثاني من السيطرة على البلاطات المختلفة من خلال قدرتهم السياسية المثيرة للإعجاب، ولكن سياسة فيليب الثالث والرابع الضعاف أدت إلى الخمول، أما كارلوس الثاني فقد كان غير قادر على السيطرة نهائيا. وقد كان وجود كارلوس وابنه فيليب خارج إسبانيا معظم وقتهم أعاق تطور اسبانيا. وأدارت كلا من بروكسل وأنتويرب إسبانيا في معظم القرن 16، وقد استقر فيليب في إسبانيا فقط خلال الثورة الهولندية، حيث أمضى معظم وقته في عزلة قصر إسكوريال الرهباني. فقد شهدت الإمبراطورية التي يمسكها ملك حازم يحافظ على البيروقراطية نكسة عندما جاء حاكم ليس بثقة إلى العرش. فكان فيليب الثاني لايثق بالنبلاء وأحبط جميع نزعاتهم بالإستقلال. ففي الوقت الذي عرض فيه الكتاب حلولا جديدة لمشاكل إسبانيا مثل استخدام الري في الزراعة وتشجيع النشاط الاقتصادي، فإن النبلاء لم يخرج منهم أحدا يمكنه إحداث إصلاحات جدية.

    إصطدم الملك كارلوس عند استلامه الحكم بالنبلاء خلال حرب العوام القشتالية عندما حاول أن يضخ بالحكومة مسئولين هولنديين وفلمنكيين. وأيضا واجه فيليب الثاني مقاومة عامة عند محاولته فرض سلطته على هولندا فساهمت في تمرد هذا البلد. وأيضا كان ينظر إلى غاسبار دي غوزمان دوق اوليفاريس رئيس وزراء فيليب الرابع على أنه ضروري لبقاء إسبانيا أن تكون مركز البيروقراطية. فحتى حين دعم اوليفاريس اتحادا كاملا للبرتغال مع إسبانيا إلا أنه لم ينل فرصة لتحقيق أفكاره. فازدادت البيروقراطية تضخما وفسادا وقت إقالة اوليفاريس في 1643.

    الاقتصاد

    عانت إسبانيا مثل معظم دول أوروبا من المجاعة والطاعون خلال القرنين 14 و15. وماأن تعافت من تلك الكوارث الديموغرافية بدءا من 1500 حتى بدأ أعداد السكان بالإنفجار. فإشبيلية التي كان يقطنها 60,000 نسمة في 1500 ارتفع إلى 150,000 بحلول نهاية القرن. كانت هناك هجرة كبيرة إلى المدن الأسبانية حيث الفرص مثل بناء السفن والتجارة لخدمة الإمبراطورية الإسبانية المزدهرة. كان القرن 16 هو قرن التنمية في إسبانيا حيث ازدهرت الزراعة والتجارة معا. فمع الصعوبات الداخلية فقد نما إنتاج قشتالة من الحبوب والصوف، فهي غذت التوسع في عدد السكان. وتلك غذت صناعة الغزل والنسيج المحلي والتجارة مع هولندا المربحة. وازدهرت مدن قشتالة: برغش وشقوبية وقونكة وطليطلة مع التوسع في صناعات النسيج والتعدين. ونمت الثروة في سانتاندير على ساحل الأطلسي الشمالي، بسبب دورها التقليدي بأنها ميناء يربط المناطق الداخلية من البلاد مع شمال أوروبا وهو مركز لبناء السفن. وتمددت مدن الجنوب مثل قادش وإشبيلية بسرعة بسبب التجارة وبناء السفن بايعاز من المستعمرات الأمريكية. اما برشلونة فهي لاتزال واحدة من أكثر المدن الساحلية التجارية أهمية ورقيا في أوروبا منذ العصور الوسطى. وبحلول 1590 أضحى عدد سكان إسبانيا أعلى بكثير مما كان عليه في أي فترة سابقة. ثم بدأت قشتالة خلال العقد الأخير من القرن 16 تعاني من تلف المحاصيل ثم ضربها الطاعون في 1596 والذي أسفر عن أول تراجع خطير في عدد السكان. وتلك دورة تكررت عدة مرات في أجزاء مختلفة من البلاد في القرن 17.

    وبنهاية القرن 16 كان التضخم في إسبانيا (نتيجة لديون الدولة والأهم استيراد الذهب والف

    Source: wikipedia.org