If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
منذ أواخر الثمانينات أطل أحمد الزين روائيا، شكلت ذاكرته الريفية والرعوية مصدرا أساسا في أعماله، كذلك حكايات المسنين والمكان كانت أيضا مصدرا لنصه الروائي، طبعا هذا بالإضافة إلى ما فعلته الحروب والصراعات من آلام ومن تصدع في النفوس ومن خراب وهجرات قصرية. ترى المشهد العربي حاضرا في أعماله من فلسطين إلى العراق بأبعاده الاجتماعية والإنسانية، وأيضا في هاجسه حيث نعثر في هذا النص أو ذاك على شخصيات تحمل أوجاع بلادها وأسئلتها وأحلامها، كمثل راشد الحيفاوي الفلسطيني في رواية "خربة النواح"، وبطل "ثلاثية عبد الجليل غزال" ذو الجذور عراقية...
حافة النسيان.. ثلاثية عبد الجليل غزال
عبد الجليل غزال اسم في أسماء وبطاقة تعريف في بطاقات تعريف. إنه سليل تيه سرمدي يصل بين أولى شرارات السرد وخواتيمها. في حافة النسيان، الجزء الأول من "ثلاثية عبد الجليل غزال")دار المدى، 2007؛ دار الساقي، 2010(، الضياع مادي بقدر ما هو مجازي، وباطني بقدر ما هو فعل خارجي. رغم الإشارات المبهمة إلى زنزانة، نظن للوهلة الأولى أن الراوي الذي يجر عرجه في دوامة الصحراء في حين يتكئ على عكاز)هو عارضة باب سجنه(، نموذج كافكوي يسدد عقابا لتهمة الوجود. يتململ بين الرغبة في المضي أو المكوث في "سجن لا سجّان فيه" ويترجح بين "البقاء ميتاً" أو "المشي ميتا" ويستفهم وجوديا "لا أدري كيف جيء بي، ومن أيّ الجهات حملوني قبل سنين"، وهي لمحات كافية لتوزيعنا في غير اتجاه. تتراءى حرية الراوي المباغتة صوريّة وامتدادا لاندثار منظّم لا ينطفئ سوى مع طي حياة الراوي، ويعزز ذلك الإحساس تناسل هيئاته. إنه حمالة أوجه: في هنيهة هو عبد الجليل، وفي ثانية مسعود سويحان أو يوسف. إنها مرثية لعالم مثخن بالمجازر والكوابيس والفراغ الذي يطحن الموجودات. فالصحراء التي يقطعها البطل بعد نجاته من دمار السجن وإحراقه هي الخلفية الدائمة لحاضر عبد الجليل التائه في برية العالم وخرائبه. والرواية برمتها تدور في فلك ذلك الخواء الذي يلتهم خطى البشر ويجعل أعمارهم ومصائرهم عرضة للتلف والضياع. أما الذاكرة فليس فيها، باستثناء ومضات الحب والجنس القليلة، سوى روائح الموت وفظاعات السلطات الجائرة وأنظمة الحكم التي لا تتقن سوى القمع والترهيب وكم الأفواه والقتل الجماعي. هكذا يجد البطل نفسه امام مكان مفتوح وأفق مغلق. وحين يحاول أن يستعين بالطفولة لا يجد فيها ما يعثر عليه الاطفال العاديون من ذكريات وردية وقصاصات أحلام، بل يجد اعقاب مجازر وفظاعات ومسيرات تهجير قسري. تحول اللغة الشعرية المفرطة في غلوها دون تسمية الاشياء بأسمائها عند أحمد علي الزين. كأن اللغة في وتائرها القصوى واحتقاناتها الدائمة لا تسمح لصاحبها بالنزول إلى الواقع المباشر والتسميات العادية. هكذا يسمي القرية التي ولد فيها «وادي الدموع» والجبل المتاخم لها «جبل الغربان» ويسمي القرية التي عاش فيها مع أهله بعد خروجهم من)الوطن الأول(إلى)الوطن الثاني(تلة سليمان.".
صحبة الطير.. ثلاثية عبد الجليل غزال
"تبدأ "صحبة الطير"، الرواية الثانية من الثلاثية)دار الساقي 2010(، وترصد حركة البطل وكلبه في حيّزي المكان والزمان، فتتمظهر الحركة في المكان/وادي الدموع وما حوله من صحراء على شكل وقائع مروية تمتد لبضعة أيام، وتتمظهر الحركة في الزمان على شكل ذكريات يعود بعضها لستين سنة خلت، وينجم عن هذه الحركة المزدوجة، المتزامنة، النص الروائي. بكلمة أخرى، الرواية هي حصيلة هذه العلاقة المستجدة بين الراوي/عبد الجليل وكلبه/فرند، وهي تقوم على الروي يقوم به الراوي والاستماع يقوم به الكلب، واذا كانا يشتركان في التحرك في المكان الروائي المتعدد فانهما يقتسمان الروي والإصغاء بينهما. على هامش هذه الشخصية، وبالتعالق معها، ثمة شخصيات أخرى بعضها تمثيلي يعكس أنماطاً معيّنة من السلوك، وبعضها خاص يعكس تفرّداً يتعلق بالشخصية وحدها. وفي هذا السياق، لكل شخصية حكايتها/خيطها السردي، وأحمد علي الزين يتحكّم بسائر الخيوط، يترك أحدها ليمسك بآخر، ثم يعود للامساك بالأول، في عملية تتناوب فيها الخيوط/الحكايات على الظهور والاختفاء، وتنقطع واحداً تلو الآخر. وعليه، الرواية هي هذا التلاعب المدروس بالخيوط السردية المختلفة، والتحكم بظهورها واختفائها في الوحدات السردية المتعاقبة. على أن معظم شخصيات الرواية، بنوعيها التمثيلي والمتفرد، تنتمي إلى حقل الذكريات، وبعضها ينتمي إلى حقل الوقائع، فيما يتجول عبد الجليل بين الحقلين."