If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
إنّ فرقة "ناس الغيوان" فرقة " في نشئتها البيئية البيضاوية إبان حقبة ما يسمى في المصادر التاريخية ب "سنوات الرصاص (المغرب)" والنزوح إلى التعبير الفني، دليل أنها على أنها كانت تتوفّر على وعيّ كبير، رغم محدودية التكوين العلمي لعناصرها، وهو وعي فيه حرص على ضرورة إبداع أغانٍ تتساوق ومجريات الواقع المغربي والعربي والعالمي. فقد كانت تدرك حقيقة الواقع السياسي والثقافي الذي تخوض فيه، وتعرف أيضًا حدود تأثيرها في المتلقّين.
وعلى أساس هذا الوعي الفنيّ، مثّلت "ناس الغيوان" مجموعة غنائية تتغيّا تقديم موسيقى تُحيي فيها التراث الثقافي المغربي الشعبي، وتتخذها سبيلا إلى التكلم عن مشاكل الناس وقضايا المجتمع. وبذلك مثّلت أوّل فرقة غنائية مغربية تنفتح بألحانها وكلماتها على أفق من الفنّ جديد، يتّكئ على بساطة العبارة وعميق دلالاتها، فشكّلت، وفق عبارة الطاهر بن جلون، ظاهرة ثقافية مغربية هي من أهمّ ما عاشه المغرب في حراكه الفني خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك من حيث ابتعاثُها لمفردات المأثور الشعري والغنائي الشعبي من حيّز النسيان والإهمال، ومن حيث تقديمُها لتصوّر ذوقيّ وجماليّ حديث يمكن أن يُصفّي قناة التواصل بين المبدع وجمهوره.
ولئن شاع عن "ناس الغيوان" أنهم "يمارسون السياسة" عبر سبيل الغناء، بل وأن فرقتهم لا تزيد عن كونها حركية سياسيّة، وذلك من جهة اكتناز خطابهم الغنائي بمفردات الاحتجاج الفردي والجماعي، فإنّ التعامل معهم من زاوية الخطاب السياسيّ فيه كثير من التجنّي على مسيرتهم الفنية، وفيه إفقار لمنجزهم الإبداعيّ. ذلك أنّ نشأتهم الفنية لم ترتبط بأيّ مذهب سياسيّ، بل إنّ بعضًا من السياسيّين مَن اعتبرهم، في بداية ظهورهم، "أصحاب موسيقى رجعية وبدائية".
ولعلّ في تمكّن موسيقى "ناس الغيوان" من الاستشراء داخل نسيج المجتمع المغربي، وكذا العربي، وحيازتها على شعبية واسعة بين الطلبة والسياسيّين والعمّال المتنوّرين ذوي الميولات اليساريّة، قد دفع بكثير من الفاعلين السياسيّين آنذاك إلى تبنّي خطابات الفرقة، لا بل وإلى تقويلها ما لم يخطر على بالها ممّا يدخل في خانة الخطابات السياسيّة، خاصة بعد ظهور أغانيها ذات الصيت العالي على غرار "الله يا مولانا" و"مهمومة" و"صبرا وشاتيلا". وهي أغان لا تُخفي أبعادها العروبية التحرّرية التي فيها نبرات احتجاجية متصلة بكلّ ما يتعلّق بهموم المواطن العربيّ.