If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يعتبر التيار النصي هو أول تيار فكري ظهر في الإسلام، فكل دين جديد سماويًا كان أو غير ذلك عبارة عن مجموعة كبيرة من النصوص وبعد ذلك يأتي دور الشراح والمفسرين في الاستعانة بالعقل على شرح هذه النصوص وتفسيرها للمؤمنين، لكن في الإسلام لا يقوم بتفسير النص إلا نص آخر، فالقرآن الكريم وهو الوحي الإلهي الذي نزل على النبي محمد، يحتوي على تعاليم دينية متنوعة في العبادات والأحكام الشرعية والأخلاق وغيرها والتي بدورها تفسر عن طريق السنة النبوية التي تعتبر المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وهناك من يتبعها بأقوال الصحابة وأهل البيت والتابعين وغيرهم. يعتبر القضاء والقدر أقدم مسألة كلامية خاض فيها المسلمون وقد حدث ذلك في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وبداية عهد الدولة الأموية، وانقسمت الآراء فيها إلى رأيين: يرى أحداها أنه ليست للإنسان إرادة فيما يفعل، بينما ذهب الفريق الثاني إلى أن الفعل الإنساني يحدث بإرادته المستقلة، وفي طليعة هؤلاء المعتزلة وتأثر بهم فيما بعد الزيدية والإمامية. كذلك تعتبر مسألة حكم مرتكب الكبيرة من ضمن المسائل الأولى التي تم فيها الكثير من النقاش والجدل، ويصفها الكثير من الباحثين إنها كانت السبب في ظهور فرقة المعتزلة حيث يرون أنه اختلف واصل بن عطاء مع أستاذه الحسن البصري في حكم مرتكب الكبيرة فقال واصل مخالفاً للحسن: أنا أقول إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن بإطلاق بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم اعتزل مجلس الحسن واتخذ له مجلسًا آخر في المسجد.
في بداية العهد الأموي ونتيجة لاختلاط المسلمين بسكان المناطق المفتوحة التي دخل فيها الدين الجديد وخاصة الفرس والرومان وغيرهم ودخول غالبية هذه المناطق إلى الإسلام، انتشرت الأفكار الفلسفية بين المسلمين حيث كان بالعراق والشام الكثير من المدارس الفلسفية ذات الاتجاهات الفكرية المختلفة، كما كان لبلاد فارس الكثير مثلها قبل الفتح الإسلامي، وقد تعلم الفلسفة بعض العرب في هذه المدارس كالحارث بن كلدة وابنه النضر ولما جاء الإسلام في تلك الأصقاع وجد من سكانها من يجيدون العلوم الفلسفية ومنهم من كان يعلم المسلمين مبادئها، وكان للسريان العمل البارز الظاهر في ذلك. ونتيجة لدخول هذه الفلسفات المختلفة في الإسلام برز في علم الكلام الإسلامي الكثير من البحوث والمسائل العقلية والتي لم يعرفها المسلمون سابقًا نتيجة لالتزامهم الحرفي بالنصوص الدينية الموجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية وخاصة في المسائل المتعلقة بالإيمانيات أو ما عُرف لاحقًا بمسائل العقيدة مثل قِدم كلام الله أو حدوثه والمسائل المتعلقة بحرية الإرادة الإنسانية وصفات الله، وهل هي عين الذات أم منفصلة عنها وغيرها، ونتيجة لهذه البحوث واعتناق المسلمين لهذه الأفكار تكونت في الإسلام المذاهب الكلامية مثل المعتزلة والمرجئة والجهمية وأهل الحديث وغيرها. يعود سبب لجوء المسلمين إلى علم الكلام لظهور الآراء المبتدعة في أواخر القرن الثاني والقرن الثالث من الهجرة خصوصاً في المسائل الإيمانية (العقدية) مثل التشبيه والتجسيم وغيرها من المقالات. في بداية القرن الثاني للهجرة ظهر الكثير من الشخصيات الفكرية التي أثارت الجدل بين المسلمين مثل غيلان الدمشقي ومعبد الجهني اللذان دافعا عن اختيار الإنسان وحريته مقابل التيار الجبري الذي أدعى أنه لا دخل للإنسان في اختياره لعمله، والذين كان أبرزهم الجهم بن صفوان الذي دعا إلى جانب عقيدة الجبر إلى تأويل آيات الصفات كلها والجنوح إلى التنزيه البحت ونفى أن يكون لله صفات زائدة عن ذاته، وقال أيضا باستحالة رؤية الله في يوم القيامة وذهب أيضاً إلى خلق القرآن وبذلك يكون الجهم بن صفوان من أوائل من استخدموا المنهج العقلي في تفسير العقائد الدينية.
يرى كثير من الباحثين المسلمين أن المعتزلة هم الذين أوجدوا علم الكلام في الإسلام بسلاح خصومهم في الدين، ذلك أنه في أوائل القرن الثاني للهجرة ظهر أثر من دخل في الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس والدهرية، فكثير من هؤلاء أسلموا ورؤوسهم مملوءة بأديانهم القديمة وسرعان ما أثاروا في الإسلام المسائل التي كانت تثار في أديانهم التي تسلحت بالفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني في مواجهتها وتنظيم طريق بحثها، كل ذلك دعا المعتزلة إلى التسلح بالعقل والفلسفة اليونانية لمجادلتها جدالاً علمياً يعتمد على سلاح العقل والمنطق والبرهان، وكان من أشهر رجال المعتزلة في استخدام سلاح الفلسفة أبو الهذيل العلاف وإبراهيم بن سيار النظام والأديب الجاحظ وغيرهم. كانت للمعتزلة الكثير من العقائد التي خالفت السائد بين التيارات النصوصية في الإسلام وأبرزها اعتقادهم بحدوث الكلام الإلهي وإثبات الحسن والقبح العقليين والاعتقاد بخلق الإنسان لأفعاله وغيرها.
في أواخر القرن الثالث الهجري حدث تحول كبير في مسيرة علم الكلام الإسلامي وساهم في إنشاء طائفة كلامية تشكل الأغلبية بين المسلمين اليوم، وذلك عندما اعتكف أحد أبرز وجوه المعتزلة واحد أبرز تلامذة أبو علي الجبائي وهو الإمام أبو الحسن الأشعري في منزله مدة يعيد فيها دراسة عقائد المعتزلة ومقارنتها مع ما يذهب إليه المحدثون في أمور العقيدة، وخرج بعدها إلى الناس يعلن فيها براءته من مذهب المعتزلة وقال: «وانخلعت من جميع ما كنت اعتقد كما انخلعت من ثوبي هذا»، ثم كتب عقيدته في كتاب الإبانة عن أصول الديانة وافق فيها المحدثين في أغلب ما ذهبوا إليه في أمور العقيدة من الاعتماد على المنهج النقلي في البحث. وخلافًا للمحدثين كأحمد بن حنبل فقد أجاز أبو الحسن الأشعري البحث والاستدلال واستخدام المنطق في أصول الدين والعقيدة، وقد دعم رأيه بأدلة من الكتاب والسنة وألف في ذلك كتابًا عنوانه رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام. من أبرز الشخصيات الأشعرية التي أعطت للعقل مجالاً واسعاً في فهم النص أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني الذي تحدث بشكل مفصل عن المنهج العقلي وأسسه العلمية في كتابه الشامل في أصول الدين. شهدت المدرسة الأشعرية تحولاً كبيراً في عهد الإمام الغزالي الذي أعطاها صبغة صوفية وخفف قليلاً من نزعتها المتجهة إلى العقل، ثم تغلب عليها الجانب الفلسفي على يد المفسر والمتكلم الفخر الرازي، ثم ظهر المتكلم والفيلسوف الشيعي نصير الدين الطوسي الذي أعطى لعلم الكلام صبغة فلسفية شبه كامله وتأثر به الكثير من متكلمي الأشاعرة والمعتزلة مثل القاضي عضد الدين الإيجي وسعد الدين التفتازاني والشريف الجرجاني بحيث يمكن القول إن الفكر الأشعري بعد الطوسي ابتعد عن الخط الأصلي لهذه المدرسة وما زال الفكر الأشعري إلى يومنا ينتقل بين الفلسفة والنقل وبين التفويض والتأويل.
إلى جانب ظهور المذهب الكلامي الأشعري الذي بدأ يسود الاتجاه السني في الإسلام بعد غروب شمس المعتزلة، برز اتجاه فكري في علم الكلام الإسلامي اتخذ موقفًا وسطًا بين الأشاعرة والمعتزلة، ولكنه ظهر تحت مظلة أهل السنة وهو الاتجاه الماتريدي. وقد وافق أبو منصور الماتريدي المعتزلة في كثير من المسائل ذات الاتجاه العقلي العملي مثل القول بالحسن والقبح العقليين وقبح التكليف بما لا يطاق واعتبار الحكمة في الفعل الإلهي والعدل ونفي نسبة الظلم عن الله تعالى ولكنه وافق الأشاعرة في نظرية الكسب معتبرًا الله هو خالق الفعل الإنساني ولكنه خالفهم بالقول بحرية الإنسان بشكل تام في قدرة الكسب وأنه هو الذي يقوم بالفعل بمحض إرادته.