If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
إن التعامل مع التراث باعتباره حصيلة إنتاج العقل المسلم من مختلف الطبقات الاجتماعية والتيارات الفكرية والثقافية من البلدان الإسلامية جميعاً، وباعتباره أيضاً حاضناً لهوية الأمة، يتطلب العمل على إعادة دراسة هذا التراث وتخليصه من شوائبه، وفتح باب الاجتهاد في مجالاته المتعددة، وتوظيفه لخدمة حاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها، والسهر على إحياء التراث الإسلامي الفكري والفني والمحافظة عليه ونشره بمختلف الوسائل، وترجمة روائعه إلى اللغات الحية، والتعريف بالثقافة والقضايا الإسلامية المعاصرة من خلال وسائل الإعلام الدولية. فالتراث مظهر للإبداع الفردي، مثلما هو مظهر للإبداع الجماعي للأمة وتحولاتها التاريخية.
ووظيفة التراث أن يفتح آفاقاً جديدة للأمة، لا أن يغلق عليها الآفاق ويسجنها في الماضي، وهو أفضل تعبير عن الذاتية الثقافية.
ومعلوم أن هذا التراث الإسلامي ينبني أساسا على روح الإسلام ومقاصده، ولذا نجده مطبوعا بالطابع الإسلامي الذي يجعله في غالب الأحيان لا يختلف مع العقيدة ومقومات الدين التي تمتاز بخصائص ومناهج ومعايير خاصة. ومما لا ريب فيه أن كثيرا من هذه الخصائص والمعايير تختلف مع كثير من خصائص ومعايير الحضارات السائدة حالياً، بحكم الاختلاف في المنطلقات والخلفيات التاريخية والعقدية. فلا مجال في الثقافة الإسلامية للمذاهب المادية مثلا ولا العلمانية ولا الوضعية ولا لكثير من المذاهب والنظريات التي لا تعترف بالشرائع السماوية ولا بمصدريتها ومرجعيتها.
ومن المظاهر الحية القائمة في التراث الإسلامي، فضلا عن الصناعات الفنية والمآثر التاريخية المشار إليها آنفا، مجموعة من المؤسسات الاجتماعية كالوقف على بيوت الله، وعلى خزانات الكتب ودور العلم والإحسان، بل وحتى على الحيوان. ومن المؤسسات الثقافية الكتاتيب والمدارس القرآنية والجامعات وخزانات الكتب. وكذا مجموعة من المظاهر الدينية والتقاليد الاجتماعية، كالاحتفال بالأعياد والمواسم الدينية.
في لحظات التحول الحضارى عندما تنهض الأمة لإقامة حضارة في أعقاب دورة حضارية سابقة لها – كالأمة الإسلامية– " تجد نفسها أمام تراث فكرى قد تخلف لديها من أيام الصعود والثبوت والانحطاط الحضارى ، مضافاً إلى هذا الفكر المتسرب من الحضارات المحيطة بها . وهنا تبدأ في الأمة معارك وصراعات بين ألوان الفكر المختلفة ... الفكر المتسرب من الحضارات المعاصرة ، وقد تمثل في أنظمة متقدمة عصرية حية ، بينما فكر التراث قد تمثل في أنظمة من الماضى أصبحت تاريخاً وآثاراً ، وكلاهما بالنسبة للأمة لا يمثل الذاتية ، الأول يمثل تغايراً في المكان ، والثانى يمثل تغايراً في الزمان"
ومن الطبيعى أن " الحيرة الفكرية التي تتولد في عقل الأمة وتترسب في ضميرها نتيجة لهذا التغاير وذلك التباين تكون أشد تأثيراً عليها في لحظات الإعداد الحضارى ، خاصة عندما لا يكون لهذه الحيرة عمق علمى أو سبب جوهرى ، بل يكون الأمر كله حيرة بين شعارات مختلفة تبدو متناقضة ".
وفى إطار هذه الحيرة ، كلما طرحت مسألة التراث نجد الناس – بعامة – حيالها فريقين: فريق مع التراث، وفريق ضده ، وداخل كل فريق يتوزع الناس جبهات تتقارب أحياناً وتتباعد أحياناً كثيرة ،وربما يكون التحزب إلى جانب أحد هذين الفريقين تحزب ضد الآخر . وإن كان هناك فريق ثالث بازغ لا يحظى باتساع وانتشار الفريقين السابقين ينأى أصحابه عن التعصب مع أو ضده التراث ، ويؤكدون ضرورة إخضاع تراثنا للفرز والتمحيص بغرض استثمار إيجابياته في تحقيق نهضتنا المنشودة . وعلى ذلك يمكن أن نحدد أبرز المواقف التي تعكس تعاملنا الراهن مع التراث الإسلامى إما بالعودة إلى التراث والاكتفاء به ؛ حيث يرى أصحاب هذا الموقف أن السبيل إلى تجاوز وهننا وتحقيق نهوضنا الحضارى هو العودة إلى تراثنا ، و " التزام حرفية الأقوال والأعمال والتصرفات والعادات التي كان السلف يلتزمونها ويمارسونها دون زيادة عليها ولا نقصان منها ولا تغيير لها " لأن أية مخالفة لما تركه لنا السابقون تنال حتماً من شخصية الأمة وتشوه هويتها.
وينطلق أصحاب هذا الموقف من رؤية تقوم على تقديس التراث استناداً إلى نظرة مثالية لا ترى في الإمكان إبداع ما هو أحسن مما كان . ومن ثم ، فإن المطلوب هو أخذ التراث كما هو ، والنسج على منواله ، واستعادة نماذجه بحذافيرها إلى واقع اليوم ، لأن السلف لم يتركوا مجالاً إلى طرقوه ، وليس بعد ذلك من مجال لإبداع أو تقدم
وتتعدد العوامل التي تقف وراء هذه الدعوة إلى العودة إلى التراث، فالبعض يرى أن هذه الدعوة تعبر عن حالة التخلف التي يعيشها أصحابها، " فالمتخلف بطبعه يركن دوماً إلى تقليد نموذج جاهز، فهو غارق في التقليد لا يستطيع أن يمارس غير عملية النقل، فيركن إلى نموذج سلفى يحتمى به ويفر إليه من واقعه".
وهناك من يرجع هذه الدعوة إلى الثورة الراهنة في مجال الانتقال والاتصال ، والتي تهاوت على أثرها الحواجز والحدود الجغرافية، فإذا بثقافات الآخرين تحل بدارنا عبر وسائل لإعلام المتعددة ، وإذا بملايين المسلمين يوشكون أن يفقدوا معالمهم وسط طوفان الأفكار والنظم الوافدة إلينا. واستتبع ذلك أن استولى الخوف من الضياع على الكثيرين ، وأصبحت تطاردهم أشباح غزو جديد يقضى على ما بقى على للمسلمين من فرص الإفاقة والانبعاث ، ويسلبهم معالمهم ، ويجعل منهم موالى تابعين لحضارة أخرى . ونتيجة لذلك كله برزت الدعوة إلى العودة إلى التراث والاعتصام به باعتباره المنفذ من الضياع الوسيلة الآمنة لانبعاثنا الحضارى من جديد. وهناك من ينظر نظرة الأحادية للتراث ، أو يبالغ في الافتخار بالتراث ، أو ينظر نظرة غير فاقهة للتراث ، بل نجد من يرفض التراث ، وهناك أيضا من يستثمر النافع من التراث في إنهاض الأمة.