If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
قضية العفو الملكي عن مغتصب الأطفال، المعروفة أيضا بفضيحة العفو أو فضيحة دانييل، (بالإنجليزية Daniel Galván scandal)، هي قضية هزت الرأي العام المغربي، في أغسطس 2013، وخلقت موجة من الاحتجاجات المدنية، احتجاجا عن عفو ملكي، أصدره الملك محمد السادس عن 48 سجينا إسبانيا من بينهم الغلماني الإسباني، ذي الأصول العراقية، دانييل غالبان بينيا، المحكوم بثلاثين سنة سجنا نافذة عقابا على جرائم غلمانية وتعذيب أطفال بسادية متوحشة ارتكبها بمدينة القنيطرة، سنة 2008 بعد حصول أحد الأشخاص على أشرطة وصور من حاسوبه الشخصي، تصور لتلك الأعمال الفضيعة التي كان يقوم بها من اغتصاب وتنكيل وتعذيب في حق أطفال مغاربة.
أدى ذيوع الخبر إلى تعبئة مهمة على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي تبلورت بسرعة إلى مظاهرات وووقفات احتجاجية، عبر مجموعة من المدن المغربية، ووجهت بعضها بقمع أمني كثيف، خصوصا في تطوان والرباط، وإلى ارتباك داخل مؤسسات الدولة المغربية بسبب تراشق القصر والحكومة المسؤولية حول خطأ العفو. كما تميزت بسياسة تواصلية كثيفة، وغير مسبوقة، للقصر الملكي المغربي، عبر مجموعة من البلاغات المتسارعة.
أخذت القضية أبعادا دولية، خصوصا على مستوى العلاقات المغربية الإسبانية، بحكم أنها جاءت في إطار موجة عفو عن مجموعة من الإسبان المسجونين بالمغرب، وأبعادا مخابراتية بحكم الصفة السابقة لدانييل غالبان كعميل للمخابرات الإسبانية.
شكلت القضية اختبارا صعبا للمؤسسة الملكية في المغرب، التي سوئلت بطريقة مباشرة حول تدبيرها للملف، وخلقت نقاشا عموميا حول إشكالات السلطة واستقلال القضاء والحكامة الأمنية في المغرب.
ولد دانييل غالبان بينيا (واسمه الأصلي صلاح الدين) بمدينة البصرة العراقية في 1 يوليو 1950. انتقل في 1996 للاستقرار بإسبانيا، بمدينة مرسية، حيث اشتغل بجامعتها سنة 1999، كإداري. انتقل بعد ذلك للاستقرار بالمغرب، بمدينة القنيطرة، حيث نسج علاقات مع مجموعة من الأسر، في أحد الأحياء المهمشة، حيث كان ينظم حفلات للأطفال. استغل هذا الوضع ليقوم باغتصاب 10 طفلات وطفلا واحدا تتراوح أعمارهم بين 3 و15 سنة، وتصويرهم في أوضاع مخلة. غداة علم حميد قرايري، أحد المحامين القنيطريين الأعضاء بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بالجرائم، سارع إلى مساندة العائلات وتأطيرها لمحاكمة الجاني. أصدرت محكمة القنيطرة حكما بثلاثين سنة سجنا نافذة بحق دانييل، وهو أقصى حكم في تاريخ القضاء المغربي في الجرائم المرتبطة بالغلمانية.
حسب مجموعة من المصادر الصحفية، موقع لكم المغربي وجريدة إلباييس الإسبانية، أولى الفرضيات المفسرة لفضيحة العفو مرتبطة بزيارة الملك الإسباني خوان كارلوس الأول إلى المغرب، في 15 أغسطس 2013. فخلال ثالث أيام الزيارة (17 أغسطس)، قدم خوان كارلوس لرئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران، ملتمسا بترحيل سجين إسباني مسن (74 سنة) إسمه أنطونيو غارثيا بيدرييل، لإتمام عقوبته بإسبانيا بحكم إصابته بالسرطان. وكان فدرييل يقضي عقوبة حبسية، بطنجة، مدتها 4 سنوات (قضى منها 15 شهرا حتى تاريخ تقديم الملتمس)، على خلفية قضية اتجار دولي في المخدرات.
في 19 يوليوز 2013، سيبلغ بنكيران الملك محمد السادس بالملتمس الإسباني، وسيوافق عليه الملك مشيرا لبنكيران باعتبار الملتمس طلبا رسميا رغم كونه غير مكتوب. إثر ذلك سيباشر بنكيران أجرأة الملتمس عبر التنسيق بين وزارتي العدل المغربية والإسبانية.
في 20 يوليوز، اتصل مستشار الملك فؤاد عالي الهمة بالسفير الإسباني بالرباط، أنطونيو نافارو، ليبلغه باستياء القصر الملكي من كون الملتمس قدم إلى رئيس الحكومة عوض الملك. وحسب نفس الرواية، فقد أبلغ الهمة نافارو بكون الملك هو القادر على تسريع الترحيل عبر طلبات العفو، والتي قد تستغرق سنتين وفق المسطرة الإدارية العادية، وهكذا راسلت السفارة الإسبانية قنصلياتها لتزويدها بلوائح السجناء الراغبين في الترحيل.
قدمت السفارة الإسبانية لائحتين: لائحة أولى تضم 18 سجينا تلتمس العفو عنهم، ولائحة ب 30 سجينا ضمن طلبات الترحيل لقضاء بقية العقوبة بإسبانيا، وضمنهم دانييل غالبان بينيا.
في 30 يوليو 2013، صدر بلاغ عن القصر الملكي المغربي أعلن عن تمتيع 1044 من المحكومين أمام المحاكم المغربية، بالعفو الملكي، وأكد البلاغ عن ورود 48 سجين إسباني ضمن اللائحة. ضمت اللائحة اسم دانييل غالبان، ومن المفارقات خلوها من اسم أنطونيو غارثيا بيدرييل، في الوقت الذي ضمت اسم ابنه المدان بعشر سنوات.
أشارت مصادر صحفية إلى احتمال تورط الأجهزة الاستخبارية الإسبانية والمغربية في الفضيحة، بحكم الماضي الاستخباراتي لدانييل غالبان. وبكون العفو الملكي جاء نتيجة لملتمس خاص لجهاز CNI الاستخباراتي الإسباني (Centro Nacional de Inteligencia) لنظيره DGED المغربي (المديرية العامة للدراسات والمستندات). مما يقوي هذه الفرضية تصريحات محاميه المغربي محمد بنجدو لجريدة إلباييس الإسبانية، والتي أكد فيها اعترافات موكله بعمالته لأجهزة استخبارية أجنبية لإسقاط نظام صدام حسين، خلال فترة اشتغاله بالجيش العراقي، وهو ما يجعل وجوده في دولة أخرى تهديدا للأسرار العسكرية. كما بينت تحقيقات إلباييس كون ماضيه الجامعي بجامعة مورسية مجرد هوية للتمويه على وظيفته الاستخباراتية.
ارتباطا بنفس الفرضية، ومما يؤكد الوضع الخاص لدانييل غالبان، ترحيله السريع من التراب المغربي، حيث تم تسليمه للسلطات الإسبانية بسبتة يومين بعد صدور العفو. ومن جهة أخرى استبعد محققون أي تورط لأجهزة الاستخبارات الإسبانية في هذا الملف المتسخ، خصوصا أنها تخضع لمنظومة ديمقراطية قوية، علاوة على محاربة أجهزة استخباراتية عالمية على رأسها الولايات المتحدة وروسيا والعديد من الدول بلا هوادة لمافيات وجرائم البيدوفيليا واغتصاب الأطفال وعدم التساهل مع ذلك حتى ولو كان من طرف رؤساء ومسؤولين نافذين في الدولة، فما بالكم بشخص انتهت صلاحيته الاستخباراتية.
علاوة على إعادة طرحها لإشكالية جرائم العنف والاغتصاب التي يقع ضدها الأطفال والفتيات في المقام الأول وجرائم الغلمانية المنتشرة التي يعاني منها المغرب، ، ساهمت فضيحة دانييل في تسليط الضوء على اختلالات السلطة السياسية بالمغرب، والتي تجلت في انكشاف استمرار تدخل المحيط الملكي في العمل الحكومي، بعد دستور 2011، وفي استمرار حيز كبير من السلط والمساطر، داخل المجال الملكي، وبالتالي خارج دائرة المساءلة، وخصوصا تلك المرتبطة بالعدالة والسياسة الخارجية والأمن القومي. تسببت الأزمة في إحراج كبير لصورة الملك محمد السادس، داخليا، حيث لم يسبق أن تعرضت سلطاته للمساءلة، بطريقة مباشرة، وبزخم شعبي مماثل، منذ احتجاجات حركة 20 فبراير سنة 2011.
أثبتت قضية دانييل يقظة كبيرة للمجتمعين المدني والسياسي المغربيين، وقدرتهما على التعبئة السريعة لحركات احتجاجية ممتدة على مجموع التراب المغربي، وخصوصا حركة 20 فبراير والجمعية المغربية لحقوق الإنسان وأحزاب الاشتراكي الموحد والطليعة والنهج. بالمقابل، عرفت الأزمة غيابا للأحزاب التقليدية، المشاركة في الحكومة أو المعارضة، عن الحراك الاحتجاجي، أو حتى على مستوى تسجيل المواقف، خلال الأيام الأولى للأزمة، وكانت مواقفها، التي تلت البلاغ الملكي الأول، سواء تلك المتعلقة بجوهر القضية أو بالتعنيف الذي طال الاحتجاجات، محتشمة ومكتفية بالإشادة بالبلاغات الملكية، أو محملة حكومة بنكيران المسؤولية السياسية حول تدبير الملف. كانت القضية أيضا اختبارا لمصداقية بعض مكونات المجتمع المدني المغربي من جمعيات حماية الطفولة ومثقفين وفنانين لم يسجلوا أي موقف ضد العفو الملكي، وفي هذا الإطار، تعرضت جمعية "ماتقيش ولدي" لانتقاد شعبي كبير، بسبب دفاع رئيستها نجاة أنور عن العفو الملكي، في مرحلة أولى قبل أن تنوه "بالتفاعل الإيجابي للملك" إثر إلغاء العفو.
أصبحت كلمة "مافراسوش" (و هي صيغة قدحية في الدارجة المغربية لجملة "لا يعلم شيئا") أيقونة للأشكال الاحتجاجية المرافقة للقضية، سواء تلك التي رفعت في الشارع أو في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تشير ضمنيا، بحمولة سخرية، لمضمون البلاغ الملكي الأول، الذي نفى فيه الملك محمد السادس علمه بوجود دانييل غالبان ضمن لائحة العفو.
وصلت شعبية المصطلح إلى الطبقة السياسية، حيث علقت نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد عن القضية، قائلة: "السلط كلها مركزة بيد الملك، والملك يتكلم في خطاب العرش بصيغة الموجه الذي يحمل تصورات ويعطي التعليمات وعندما يأتي ملف بهذه الخطورة يقولون مافخبارناش فمن يدير دواليب الدولة؟".