تتميَّز الحركة العِلميّة في العصر العبّاسي بتنوُّع الثقافات المُستمَدَّة من الحضارات الأُخرى، وقد ساهمَت هذه الثقافات بشكل كبير في رُقيِّ الحركة العِلميّة في العصر العبّاسي، وهذه الثقافات هي:
- الثقافة الفارسيّة: برزَت الثقافة الفارسيّة في العصر العبّاسي بشكل لافت وأكثر ممّا كانت عليه في عصر بني أُميّة؛ ويعود السبب في ذلك إلى اهتمام العبّاسيين بالفُرس، حيث إنّ هذا الاهتمام والتقدير لم يُمنَح لهم في الدولة الأُمويّة، وبدأ بذلك تغلغُل العنصر الفارسيّ في المراكز الإداريّة في الدولة العبّاسية، إذ عَيَّن الخلفاء العبّاسيّون بعض الأُسَر الفارسيّة في مناصب الوزراء، والوُلاة، ومثال ذلك: أسرة البرامكة، وآل سهل، وقد ساهم هذا التداخُل للعنصر الفارسيّ في الدولة العبّاسية إلى انتشار ثقافة الفارسيّين، وتاريخ دولة فارس، وآدابها، وتقاليد حُكّامها، وعاداتها، بالإضافة إلى ذلك، فقد أدّى قُرْب العراق (مركز الخلافة العبّاسية) من بلاد فارس إلى التأثير في الثقافة العربيّة، والأدب العربيّ، وقد اشتملت الثقافة الفارسيّة على معظم مجالات الحياة في الدولة العبّاسية، وساهمت بشكل كبير في ازدهار الحركة العِلميّة، وتطوُّرها، بالإضافة إلى انتشار المنظومات التعليميّة المختلفة في مجال الشِّعر.
- الثقافة الهنديّة: لم تكن الحدود الجغرافيّة، والمسافات الشاسعة حاجزاً أمام وصول الثقافة الهنديّة إلى الدولة العبّاسية، والعرب؛ حيث وصلَت من خلال طُرُق التجارة، والفَتْح الإسلاميّ، والفُرس، وبذلك تَعرَّف العرب على الثقافة الهنديّة؛ فتعلَّموا أساليب الطبّ الهنديّ، وتعرَّفوا على المُعتقَدات الدينيّة للشعب الهنديّ، كما وَصَل إليهم كتاب السِّند والهند الذي شرحَ أحوال الفَلَك والنجوم، وإضافة إلى ذلك، فقد عرف الأدب العربيّ الأقوال والحِكَم الهنديّة، وعلى الرغم من وجود الثقافة الهنديّة في الحضارة العبّاسية، وتأثيرها الكبير في ثقافتها، إلّا أنّ تأثيرها كان أقلّ من الثقافة الفارسيّة؛ ويُعزى ذلك إلى بُعد المسافة عن مركز الحضارة العبّاسية، كما أنّ الثقافة الهنديّة لم يتمّ دَعْمها سياسيّاً، ممّا قلَّل من انتشارها، ونفوذها، ومع ذلك، فإنّنا لا نُنكِر دور الثقافة الهنديّة في ازدهار الحركة العِلميّة، وتطوُّرها في العصر العبّاسي.
- الثقافة اليونانيّة: انتشرَت الثقافة اليونانيّة في الدولة العبّاسية لعدّة أسباب، منها: نشاط حركة الترجمة وتطوُّرها، وفتوحات الإسكندر المقدونيّ لبلاد المَشرق، ووجود العديد من المدارس التي تُعلِّم الثقافة اليونانيّة، وقد ساهمت هذه الأسباب بشكل كبير في وصول الثقافة اليونانيّة إلى الفِكر العربيّ، حيث عَرَفت الدولة العبّاسية الفلسفةَ اليونانيّةَ، والأدب اليونانيّ الذي اقتصرَ على الحِكَم، والمعاني اليونانيّة التي وَرَدت في بعض أبيات الشِّعر.
Source: mawdoo3.com