If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
أثناء الندوة الصحفية التي عقدها في 8 أغسطس 2011، كشف الترهوني النقاب عن عملية احتجاز عائلة الطرابلسي وبن علي التي سرعت في هروب الرئيس. منذها، لم تعبر أي سلطة علنا أو رسميا عن رواية أخرى غير هذه الرواية. من جهة أخرى، وبشكل غير رسمي، لم يخفي الكثيرون شكوكهم حول أن الترهوني لم يتحرك دون أوامر وتعليمات.
الجنرال علي السرياطي يقود فرقة من النخبة وهي فرقة التدخل للأمن الرئاسي، والتي كانت ترافق عائلة الطرابلسي إلى المطار. لم يكن هناك داع إذا لاستدعاء فرقة مكافحة الإرهاب التي توجد في ثكنة بوشوشة البعيدة، للقبض على الطرابلسية. من جهة أخرى، العداء بين الترهوني والسرياطي قديم، وإذا كان ينوي القيام بعملية كهذه، فلن ينسحب السرياطي لصالح فرقة الترهوني.
زين العابدين بن علي لا يزال وقتها رئيسا للبلاد، ويقود حسب الدستور الجيش الوطني التونسي وفرقة التدخل للأمن الرئاسي، بينما الترهوني هو فقط قائد لفرقة مقرها بعيد جدا عن الضاحية الشمالية للعاصمة، ويوجد على الأقل 9 مناصب أعلى منه رتبة تفصله عن رئيس الدولة.
في الليلة الفاصلة بين 13 و14 يناير 2011، الطرابلسية الذين ألقي عليهم القبض في المطار من قبل الترهوني، أمضوا الليلة في القصر الرئاسي بسيدي الظريف، أين يقيم أيضا بن علي. لا يوجد إذا أي داع لإلقاء القبض عليهم من قبل فرقة مكافحة الإرهاب وانتظار خروجهم من القصر الرئاسي. خصوصا أن وزير الدفاع الوطني أنذاك رضا قريرة قال أن بن علي أمر رسميا بتصفية العناصر المتمردة من القوات الخاصة وتحرير الرهائن.
الجنرال رشيد عمار كان وقتها رئيس أركان القوات البرية، والذي كان يوجد تحت إمرأته أيضا فرقة من النخبة وهي فرقة القوات الخاصة. هذه الأخيرة سارعت نحو المطار حالما علم رشيد عمار باحتجاز عائلة الطرابلسي. إذا لم يكن للجنرال عمار أي مصلحة لإرسال الترهوني، إضافة إلا أنه لا توجد له أي سلطة عليه بما أن الترهوني من الشرطة.
رضا قريرة الذي كان وقتها وزيرا للدفاع الوطني، أمر الجنرال رشيد عمار بقتل سمير الترهوني ورجاله في 14 يناير 2011، وذلك لتحرير الطرابلسية الذي كانوا رهائن. بما أن وزير الدفاع كان يوجد تحت إمرته كل القوات المسلحة، لم يكن له داع لإرسال الترهوني ثم الأمر بتصفيته.
في تونس، الفرقتين الخاصتين للأمن هما الوحدة المختصة للحرس الوطني وفرقة مجابهة الإرهاب. الفرقة الأولى كونت في 1980 بدعم من الولايات المتحدة، بينما الثانية كونت في 1977 بدعم من فرنسا. هاتين الفرقتين اللتان تعملان كل على حدا، لا يزال لديهما صلات فيما يخص التدريب وتبادل الخبرات مع نظيراتهم الأجنبية. في 7 نوفمبر 1987، قام بن علي بنشر مدرعات الوحدة المختصة للحرس الوطني حول قصر قرطاج الرئاسي أثناء انقلابه الأبيض، ونفس الشيء يوم 14 يناير 2011 قامت الفرقة بالانتشار حول القصر. إذا كانت للولايات المتحدة نية في إسقاط بن علي، كان الأجدر بها إرسال الوحدة المختصة للحرس الوطني للقبض على الطرابسلية بدل فرقة مجابهة الإرهاب، حيث أن الضباط الأمريكيين لهم علاقة أقرب بالوحدة المختصة للحرس الوطني، أكثر من فرقة مجابهة الإرهاب.
في وثيقة نشرها موقع ويكيليكس، أرسل جاسوس أمريكي يقطن في تونس العاصمة رسالة لرؤسائه في 10 أغسطس 2011 يذكر فيها أن نظرية الانقلاب العسكري هي بسيطة جدا، ويظن أن الدور الذي لعبته قوات الشرطة هو أكثر واقعية. الجاسوس أشار في مراسلته إلى مقال لموقع ميديا بارت الفرنسي نشره موقع نواة التونسي لمراحل العملية كما أعلن عنها الترهوني في ندوته الصحفية.
لدى الولايات المتحدة إمكانيات أكثر فعالية للتحضير لسقوط النظام: لن يعتمدوا على عملية مجازفة ومحفوفة بالمخاطر، سارت بطريقة سيئة، ومن الواضح أنه لم يتم التحضير لها، والتي أدت إلى رحيل بن علي بسبب وجود ظروف أخرى حدثت تقريبا بمعجزة. حتى بعد مرور حوالي سبعة أشهر بعد الثورة، لم يستطع الجواسيس الأمريكيون معرفة حقيقة ما وقع في تونس. في حالة أن الترهوني استجاب لتعليماتهم، لم يكن للجواسيس سبب للقيام بهذه التحريات حول هروب بن علي التي نشر جزء صغير منها في موقع ويكيليكس.
في 12 يناير 2011، عبرت وزيرة الخارجية الفرنسية ميشال آليو ماري علانية عن دعمها لنظام بن علي، وقالت أمام نواب الجمعية الوطنية الفرنسية أنه لا ينبغي أن «ننصب أنفسنا كمقدمي دروس» في وضع «معقد» كهذا، مضيفة أن «خبرة قوات الأمن الفرنسية، المشهود لها في كل أنحاء العالم، في معالجة هذه الأوضاع الأمنية» ستعرض لتونس في إطار التعاون بين البلدين.
بعد اختيار معسكر الدكتاتورية علنا أثناء الثورة، لا يمكن لفرنسا أن تعطي تعليمات للترهوني بالقبض على الطرابلسية.
في 14 يناير 2011، خرجت أوضاع المتظاهرين عن السيطرة، وقتل العشرات وجرح المئات، ووصلت المظاهرات العاصمة. في حوالي الساعة 14:00، سيطر المتظاهرون على مركز الشرطة الغير بعيد عن ثكنة بوشوشة أين توجد فرقة مجابهة الإرهاب. في نفس الوقت، جاء لعلم الترهوني أن عائلة الطرابلسي، التي طالما ما سعت لتدمير حياته المهنية، تتواجد في المطار وتستعد لمغادرة البلاد، وكان يجب عليه الاختيار بين مغادرة الثكنة أو إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين المدنيين. قرر إذا احتجازهم بالقوة. هذا الفعل المتمرد، تسبب في سلسلة من الأحداث: عدم فهم لدى وزارة الداخلية والدفاع ولدى بن علي نفسه. منذ هذا الحين، كل حدث يعتبر خطرا كبيرا بالنسبة لعلي السرياطي: تهديدات عن طريق طائرة هليكوبتر، تهديدات عبر البحر، عشرات الآلاف من المتظاهرين الذي يستعدون للذهاب للقصر الرئاسي، وحدات شرطة وديوانة (جمارك) أخرى تنظم للتمرد، وكل هذه الأحداث إنتهت بمغادرة وهروب بن علي إلى السعودية.
هذه الأحداث العشوائية التي تسبب بها الترهوني والأوضاع المعقدة، من مغادرته للثكنة إلى هروب بن علي، يسمح بالاعتقاد بأنه لا أحد يمكنه توقع عملية الاحتجاز في المطار أو تمرد فرقة مجابهة الإرهاب وارتمائها في أحضان الثورة.
في كتابه الذي نشر في 2015 بالفرنسية، والذي يحمل عنوان سفير في الثورة التونسية، قال سفير فرنسا في تونس أثناء الثورة بيار مينا أن «تصرف الكولونيل الترهوني كان تصرفا شجاعا، متهورا ومحفوفا بالمخاطر. منع الطرابلسية من الهروب، هو الشيء الذي كان ينتظره التونسيون».