If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ضاق الحاكمون بدعوة العدل والإحسان التي ازداد توسعها وانتشارها في ربوع البلاد، فقرروا تضييق الخناق على حركة ياسين ونشاطه الدعوي والعلمي والسياسي، من خلال نشر قوات أمنية علنية وسرية في جنبات بيته ليلاً ونهاراً ظلت تمنع يومياً عشرات الزائرين من مختلف مدن المغرب وقراه، بل من خارج المغرب أيضاً، استمرت مدة الإقامة الإجبارية أزيد من عشر سنوات صام ياسين نهارها وقام ليلها وعَمر أيامها بالذكر والدعاء والتأليف، فكان من ثمار هذه المرحلة كتاب العدل، الإسلاميون والحكم وكتاب تنوير المؤمنات والكتب الحوارية (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين - الشورى والديمقراطية - حوار الماضي والمستقبل - حوار مع صديق أمازيغي) ورسائل منها الرسالة العلمية كما حرص عبد السلام ياسين على إبطال الهدف المقصود من الحِصار الدائم، وتوثيق الصلة مع قيادة جماعة العدل والإحسان وأعضائها عبر ثلاث قنوات:
في مرحلة الإقامة الإجبارية إزداد إقبال آلاف من المغاربة وخاصة الشباب على دعوة العدل والإحسان، لما تميزت به من وضوح هدف، فتفاقم قمع السلطة السياسية للجماعة بعدة طُرق منها:
لم تكتف السلطة الحاكمة بفرض الحصار على عبد السلام ياسين بل بادرت إلى اعتقال أعضاء مجلس الإرشاد وصهر ياسين عبد الله الشيباني وتقديمهم للمحاكمة. وهي الخطوة التي عدها ياسين محاولة لفصل الرأس عن الجسد وتشتيت صفوف الدعوة.
وفي 8 مايو 1990 حج الآلاف من أعضاء جماعة العدل والإحسان من مدن شتى إلى مدينة الرباط لمتابعة أطوار المحاكمة الاستئنافية التي أثبتت الحكم الابتدائي بسنتين سجناً نافذاً، ولا يخفى ما ميز مرحلة السجن من معاناة خفف من وطأتها قوة الاندماج العاطفي والإيماني بين ياسين وأعضاء مجلس الإرشاد وبين عامة مسؤولي الجماعة وأعضائها، على أساس راسخ لمعاني الولاية الإيمانية الجامعة للقلوب والأرواح المتحابة المتآلفة، ومع ازدياد قوة القمع السياسي على الجماعة وحقها في الوجود القانوني والمشاركة في الشأن العام، تجلت أنوار الرفق والتؤدة والصبر ومعاني القوة والعزة في توجيهات ياسين لعموم أبناء الجماعة لتجاوز المحن والابتلاءات المتتالية، وكان موقف 3غشت 1990 شاهداً على التمسك الصارم بتلك المعاني المستمدة من المنهاج النبوي إذ أعلن الإمام بـ مسجد بنسعيد بسلا بعد صلاة الجمعة عن فتح واجهة جديدة في مواجهة ظُلم الحاكمين، واجهة اللجوء إلى الله بالدعاء والقنوت على الظالمين في شهر صفر 1411 وقد استمر اعتصام آلاف من المؤمنين بالمسجد إلى ما بعد صلاة العصر من ذلك اليوم، ولما وعيت السلطات الحاكمة الحيلة دعت قيادة الجماعة إلى تفاوض غير معلن في شهر يوليوز 1991 سعياً إلى تغيير مواقفها القوية المتمسكة بحقها في الوجود القانوني والواقعي وحقها في التعبير عن الاختيارات الفكرية والسياسية المناسبة لمصالح المغاربة العاجلة والآجلة، ولهذا نُقل عبد السلام ياسين إلى المركب السجني بسلا للتشاور مع أعضاء مجلس الإرشاد المعتقلين بشأن مقترحات السلطة لكن نتيجة التشاور كانت مخيبة لآمالها ومطامعها.
نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، انتشرت دعوة ياسين في أوساط الشباب المغربي وخاصة طلبة الجامعات، فكان أن تألف مكون طلابي نشيط وفاعل من أبناء العدل والإحسان ظل يدافع عن حقوق الطُلاب ومكانة الجامعة، وهو ما أثار سخط السلطة الحاكمة ليزداد توجسها من فاعلية غير معهودة، ويزداد إصرارها على القمع، هكذا اعتقلت الأجهزة الأمنية مساء يوم الجمعة 1 نونبر 1991 بمدينة وجدة ستة وسبعين عضواً من أبناء الجماعة من المسؤولين التنظيميين والطلبة صدرت في حقهم أحكام متفاوتة، وحوكم اثنا عشر من الطلبة بتهمة مزورة هي قتل طالب يساري وكان الحُكم هو عشرون سنة نافذة، وتم الإفراج عنهم يوم الأحد 1 نوفمبر 2009. وطيلة مرحلة السجن، تجلت عناية ياسين بالمُعتقلين وأسرهم تفقداً ومراسلة وتوجيهاً ودعاء، من أمثلة ذلك:
ولما رفعت الإقامة الإجبارية عن عبد السلام ياسين سارع إلى زيارتهم بالسجن المركزي بمدينة القنيطرة، وبعد خروجهم من السجن سنة 2009 طلب منهم أن يعفوا عمن ظلمهم واعتقلهم وأهداهم أثناء استقبالهم ببيته بالرباط نسخاً من المصحف المُفهرس تأكيداً على ضرورة الاستمرار في الاهتمام بكتاب الله.
أعلن الملك الحسن الثاني في خطابه يوم 9 يوليوز 1994 عزمه إغلاق ملف المعتقلين السياسيين بالمغرب، وفوض للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان اقتراح الأسماء المرشحة للاستفادة من عفو ملكي شامل، غير أن هذا العفو استثنى معتقلي جماعة العدل والإحسان وبعض الإسلاميين، فبعث عبد السلام ياسين إليهم رسالة مواساة ونصح وتوجيه، كما أرسل برقية استفسار إلى رئيس المجلس الاستشاري، وبالموازاة مع هذا، نظمت الجماعة أيام 21 و22 و23 يوليوز 1994 اعتصامات رمزية بباب بيت ياسين تنديداً بالحصار والعفو الشامل.
كتب عبد السلام ياسين في رسالة مواساة لمعتقلي العدل والإحسان والمعتقلين الإسلاميين الآخرين قائلاً:
وفي منتصف مرحلة الإقامة الإجبارية كانت مسألة رفع الحصار عن ياسين حدثاً سياسياً وإعلامياً بارزاً ذلك أنه خرج يوم 22 رجب 1416 الموافق لـ 15 دجنبر 1995 بعد أن أخبر رسمياً أن الحصار قد رفع - لحضور صلاة الجمعة في مسجد ابن سعيد بسلا، لكن وقبل الصلاة أخبره أحد مسؤولي الأمن بأنه ممنوع من الخروج وعليه العودة إلى بيته. وبعد انتهاء صلاة الجمعة، ألقى ياسين في جموع المصلين الكلمة التالية:
إخواني الكرام، هذه الكلمة سأبدأها باعتذار لرواد هذا المسجد الذين اعتادوا الصلاة فيه، الفريضة وصلاة الجمعة. في هذا اليوم الماطر احتللنا المسجد وقدم الناس من آفاق متعددة، نعتذر إليهم كذلك، ونطلب المولى الكريم أن يتقبل منهم مشقة السفر. كما نعتذر للإمام خطيب الجمعة، منعناهم أن يصلوا الجمعة كما اعتادوا أن يصلوها. السبب هو أن الناس عندما يكونون في ضيق والعدو يحاصرهم لابد لهم من ملجأ. ونحن لجأنا إلى بيت الله وحللنا ضيوفاً على عمار بيت الله.
إخوتي الكرام، جاء الناس من آفاق متعددة، منهم إخوتنا من العدل والإحسان ومنهم إخواننا في الدين من صحافيين وغيرهم جاءوا ليسمعوا أول كلمة سنقولها.
سنتذكر إن شاء الله وستنفع الذكرى أننا اعتصمنا في هذا المسجد منذ نيف وأربع سنوات. رحم الله من بناه وتطوع لبنائه وهيأ للمسلمين مكاناً للاجتماع ولسماع كلمة الله، كما سمعنا في هذه الخطبة المباركة منذ حين. منذ نيف وأربع سنوات اجتمعنا في هذا المسجد وكنا يومئذ مُضيقاً علينا، محاطاً بنا ومهددين، وزُج ببعضنا في السجون ولا يزال جماعة من إخوانكم مسجونين ولا نلجأ إلى أحد إلا الله.
أيها الإخوان، كلمتنا إن كنا حقيقة مؤمنين أوحي إلينا بها – لا أقصد الوحي كما يوحى للأنبياء - ولكن لُقّـِنَّاها، لو كنا نسمع ونتدبر كلام الله فيما سمعنا وقرأنا من آيات بينات قبل الصلاة. قرأنا أول ما قرأنا سورة النجم. يقول الله عز وجل فيها مُقسِماً: والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى صاحبنا هو رسول الله الذي توشك ذكرى معراجه عليه السلام أن تحل بنا. نسأل الله عز وجل أن يجعلها مناسبة لمغفرة ذنوبنا ورفع درجاتنا والعفو عن هذه الأمة مما تتخبط فيه وتعانيه من بلاء. ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ما ضل والله بل اهتدى، ما خسر والله، بل أفلح من تمسك بأذيال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
وقد شفى غلتنا خطيب الجمعة جزاه الله عنا خيراً عندما ذكرنا بمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه وما رأى من بينات وما أوحي إليه من هدى، ثم قرأنا بعد هذه البشارة العظمى، بشارة الهداية بخاتم النبوة صلى الله عليه وسلم. قرأنا سورة القمر التي كلها تذكرة وتبصرة لمن خاف مقام الله، وكلها وعيد لمن لم يخف عقاب الله.
إخوتي، لا نريد أن نُدل على الله ولكن نشكره ونحمده. فعندما اجتمعنا منذ نيف وأربع سنوات في هذا المسجد وكنا مضطهدين، فتحنا واجهة الدعاء على من ظلمنا، هذه سُنَّة. فلبثنا أربع سنوات ونيف، يُستجاب لنا عندما يريد الله عز وجل. وها هي الأزمة تخنق الأمة وتخنق الحكام والمحكومين في هذا البلد وفي كل البلاد، لا نريد أن نتشفى ونقول استجيب لنا فيمن ظلمنا، لكن نحمد الله عز وجل على أن كشف عنا الغمة.
أيها الإخوة لقد جاءنا الخبر ونحن في المسجد بأن الحصار لم يرفع. إنما كانت هذه فلتة من فلتات الإدارة المغربية التي تعلمون ما ينخر في أحشائها من أوبئة ومن فساد. أرادوا أن يخرجوا من ورطة الحصار فما عرفوا كيف، فجاءت الأوامر مضطربة متناقضة: رفع الحصار! لم يرفع الحصار.»لم يرفع الحصار إذاً، واستمر فرض الإقامة الإجبارية بقيودها الأمنية والاستخبارية، ثم كان أبرز حدث في نهاية هذه المرحلة الإعلان عن مذكرة إلى من يهمه الأمر الرسالة المفتوحة التي كتبها عبد السلام ياسين باللغة الفرنسية، ناصحاً الملك محمد السادس – وهو حديث عهد بالسلطة – داعياً إياه إلى تقوى الله عز وجل، وإلى رد المظالم والحقوق التي انتهكت طوال حكم والده، وإعادة مال الأمة للأمة، والخروج من بيعة الإكراه إلى تعاقد بين الحاكم والمحكوم، ومباشرة تطهير أجهزة الإدارة من براثن الفساد لإعادة الثقة إلى الشعب. كما جدد له نصيحة الإسلام أو الطوفان نصيحة الاقتداء بالنموذج العادل الخالد عمر بن عبد العزيز.
كتب الإمام ياسين قائلاً:«خلف الملك الراحل، عفا الله عنه، ثروة خيالية، ترِكة مسمومة لمحمد السادس وإخوته. فهل يستجيب الورثة المسلمون، حفدة النبي صلى الله عليه وسلم لداعي الحرص فيتمسك كل واحد منهم بحصته من الغنيمة التي نعرف كيف تم تجميعها؟ هل سيسائل الملك الشاب والأمراء والأميرات، هل يستطيعون مساءلة ضميرهم عن الهوة الهائلة القائمة بين شعب غارق في أوحال البؤس الأسود وبين ورثةٍ تهاطلت عليهم فجأة سيول من ذهب وفضة.»
أواسط شهر مايو من سنة 2000 أنهت السلطة السياسية بالمغرب الإقامة الإجبارية المفروضة على الإمام ياسين بعد تصريح لوزير الداخلية أمام أعضاء مجلس النواب يوم الأربعاء 6 صفر 1421 الموافق لـ 10 مايو 2000 ورد فيه أن «المعني بالأمر حر يذهب حيث شاء ويستقبل في بيته من شاء.» ثم أعلن ياسين يوم الاثنين 11 صفر 1421 الموافق لـ 15 ماي 2000 في بلاغ موجه لوسائل الإعلام أنه قرر كسر الحصار الظالم بالخروج لأداء صلاة الجمعة بمسجد الحي. ويوم الثلاثاء 12 صفر 1421 الموافق 16 ماي 2000 غادر عناصر الشرطة مواقع حراستهم بباب إقامته.
خرج ياسين من بيته يوم 14 صفر 1421 الموافق 19 ماي 2000 لأداء صلاة الجمعة بمسجد بنسعيد في حي السلام بمدينة سلا. وبعدها توجه رفقة أعضاء مجلس إرشاد الجماعة إلى السجن المركزي بمدينة القنيطرة لزيارة الطلبة المعتقلين الإثني عشر المحكوم عليهم بعشرين سنة نافذة، تعبيراً عن الوفاء والمحبة والمواساة. لكن إدارة السجن منعته من الدخول والالتقاء بإخوانه المعتقلين، امتثالاً لتعليمات وأوامر صادرة من جهات عليا.
وفي اليوم الموالي السبت 15 صفر 1421 عقد عبد السلام ياسين بمقر الجماعة بمدينة سلا ندوة صحافية تميزت بحضور متنوع لوسائل الإعلام الوطنية والدولية، وتواصل خلالها مع الصحافيين باللغتين العربية والفرنسية، وقد استهل تواصله مع الحاضرين بحمد الله والثناء عليه، وشكر المنظمات الحقوقية التي ساندت دعوة العدل والإحسان المحاصرة. وأوضح أن مسلسل الحصار لم يتوقف بخروجه من الإقامة الإجبارية التي دامت عشر سنوات، وأعاد التذكير بالموقف الثابت المتمثل في نبذ العنف بكافة صيغه وأشكاله، كما أكد على إيمانه بالتعددية ورفضه للإقصاء، وأكد أيضاً على أن الجماعة صاحبة مشروع مجتمعي قوامه تربية الإنسان والسمو بروحانيته، وسبيله الحوار المفضي إلى ميثاق إسلامي يتم التعاقد عليه على مرأى ومسمع من الشعب.
وخلال الأسابيع الموالية تلقى الإمام عبد السلام ياسين زيارات ورسائل من قبل شخصيات بارزة من رجال الفكر والعلم والسياسة وقياديي الحركات الإسلامية، من داخل المغرب وخارجه. كما جاءت من مختلف مدن المغرب، وعلى مر أيام متتاليات، وفود تعد بالآلاف من شباب جماعة العدل والإحسان وشوابها ورجالها ونسائها ومن عموم الشعب المغربي، ثم قام بزيارات شملت مختلف مدن المغرب شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً استمرت أسابيع استطاع أثناءها أن يلتقي بأعضاء جماعة العدل والإحسان في جهاتهم وأقاليمهم، وأن يتواصل بشكل مفتوح مع شرائح مختلفة من الشعب المغربي وهي نفس الرحلة التي أعيدت بعد أقل من سنة من تاريخ رفع الإقامة الإجبارية.
وبقي حضور ياسين قوياً ومؤثراً من خلال المجالس التي كانت تعقد كل يوم أحد وتبث مباشرة على شبكة الأنترنت، وعبر المتابعة والمصاحبة لجهود المؤمنين والمؤمنات في سائر المجالات التربوية والدعوية والتواصلية والسياسية والعلمية.