العربية  

books communication evolution

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

تطور الاتصالات (Info)


ما قبل التاريخ

من المحتمل أنّ الإنسان الأول قد تفاهم مع الآخرين بالأصوات والإيحاء قبل استعمال الكلمات الحقيقية. ولا يُعرف كيف بدأ التخاطب البشري، وهذا أمر اختلف العلماء فيه منذ القدم ودارت آراؤهم فيه حول أربعة محاور: الأول أن اللغة توفيق من الله والثاني أنها إلهام والثالث أنها اصطلاح والرابع أنها محاكاة للأصوات كما لخصه ابن جني وغيره.

وعلى كل حال فقد تبادل الناس المعلومات في المقام الأول مشافهة. كانت الرسائل الشفهية ينقلها عداؤون لمسافات طويلة. واستخدم الناس قرع الطبول، وإشعال النار، وإشارات الدخان للاتصال بالآخرين الذين يفهمون الرموز المستخدمة. كانت الصور والرسوم هي الخطوات الأولى نحو اللغة المكتوبة. وقد بدأ الفنانون قبل التاريخ استخدام سلسلة من الصور لحكاية قصة، كتاريخ رحلة صيد ممتعة أو عاصفة عنيفة. وبالتدريج طّور الناس نظامًا من الصور الصغيرة التي ترمز للأشياء والأفكار الأكثر شيوعًا. ويُعرف هذا النظام بالكتابة بالصور وقد طور السومريون الذين عاشوا في بلاد الرافدين أول نظام للكتابة بالصور حوالي سنة 3500 ق.م.

وقد استخدمت الكتابة بالصور بكفاءة في الأشياء المألوفة، ولكن الناس واجهوا صعوبة في كتابة الكلمات الجديدة، أو غير المألوفة، وبالتدريج تعلموا أن يجعلوا كل رمز يُمثل صوتًا بدلاً من شيء أو فكرة؛ ونتيجة لذلك أمكن لهم أن يكتبوا أية كلمة في اللغة المنطوقة.

وقد جاءت الكتابة في المرتبة الثانية، بعد التخاطب مباشرةً، بين أهم الاختراعات الأولى الخاصة بالاتصالات. وقد مكّنت الناس من تبادل الرسائل عبر المسافات الطويلة، دون الاعتماد على ذاكرة المُرْسَل إليه. كما أمكن أيضًا الاحتفاظ بالمعلومات لاستخدامها في وقت لاحق. وباختراع الكتابة انتهى عصر ما قبل التاريخ، وبدأت حقبة التاريخ المكتوب.

خلال الأزمنة القديمة

كانت الكتابة خلال تلك الأزمنة الوسيلة الرئيسية للاتصالات عبر المسافات الطويلة. وقد استأجر رجال الأعمال والأثرياء وسطاء محترفين، نقلوا الرسائل سيرًا على الأقدام، أو على ظهور الخيل، أو عن طريق السفن. كما استخدم القادة العسكريون الحمام الزاجل لنقل الرسائل.

وفي حوالي عام 500 ق.م، طوّر الإغريق القدماء طريقةً سريعة لإرسال الرسائل من مدينة لأخرى على مجموعة من الجدران اللبنية. وقد كانت المسافة بين هذه الجدران قريبة، بحيث كان كل منها يمكن رؤيته من الجدار المجاور له. وقد مثلت الفجوات، خلال أعلى كل سور، حروف الهجاء. ويقوم الشخص بإشعال النار في الأماكن المناسبة على الجدار لإرسال رسالة. ويرى المراقب على الجدار المجاور النيران وينقل الرسالة. ويُسَمّى هذا النظام من الاتصالات بالبرق المرئي.

وقد حصل الرومان القدامى على الأخبار من صحيفة مكتوبة باليد تُسمّى الأحداث اليومية (الأكتا ديورنا)، وكان يصدر بعض النسخ من الصحيفة كل يوم ويلصق في الأماكن العامة.

خلال العصور الوسطى

كان للنصرانية تأثير مهم على الاتصالات في القرون الوسطى التي بدأت في حوالي عام 400 م، واستمرت نحو ألف سنة. وكان القليل من الناس يستطيعون القراءة والكتابة. وكان أغلبهم من قادة الكنيسة؛ ونتيجة لذلك فقد كان أغلب الكتب والاتصالات المكتوبة يدور حول موضوعات دينية.

وقد قام فنانون ـ وخاصة من العرب والمسلمين ـ يُدعون الناسخين (الكاتبين)، بنسخ الكتب يدويًا حرفًا حرفًا. ولم يكن هناك كتابان متشابهان تمامًا. وقد زخرف الناسخون عملهم بالصور والتصميمات المصنوعة من الذهب والفضة مع استخدام الألوان. ولأن الناسخين كثيرًا ما كانوا يكدحون لشهور لإنتاج مجلد واحد فإن عدد الكتب التي كانوا يستطيعون إنتاجها كان قليلا. ولكن الناتج كان كافيًا لأن عددًا قليلاً من الناس كانوا يستطيعون القراءة. فكثير من الناسخين أنفسهم لا تعنيهم قراءة الكتب التي كانوا ينقلونها أحيانًا.

وقد انتقلت أغلب الأخبار خلال القرون الوسطى مشافهة. فقد سار المنادون في شوارع القرى يعلنون حالات الميلاد والوفاة والأحداث العامة الأخرى ذات الأهمية. وقد حمل أيضًا الفنانون والباعة المتجولون وغيرهم ـ ممن كانوا ينتقلون من مكان لآخر ـ الرسائل والأخبار.

بداية الطباعة

بدأت الطباعة في الغرب خلال عصر النهضة الأوروبية الذي كان عهد نشاط فكري امتد في كل مكان في أوروبا من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر الميلاديين. وقد أوجدت الصحوة الفكرية لعصر النهضة إقبالاً على الكتب لم يستطع النسخ باليد مجاراته. وقد حلّت هذه المشكلة باختراع الطباعة التي كانت معروفة منذ قرون في آسيا ولدى المسلمين في الأندلس، ولكنها لم تكتشف في أوروبا حتى القرن الخامس عشر الميلادي.

لم يطبع الأوروبيون الأوائل الكتب، ولكنهم طبعوا بدلاً من ذلك أوراق اللعب التي كانت مطلوبة بشدة، فقد كان الفنان يقوم بنحت صورة بارزة لورقة لعب على كتلة من الخشب. ثم يقوم الطابع بوضع الحبر على الصورة البارزة ويضغط ورقة لعب فارغة عليها فتنتقل الصورة على الورقة. وسرعان ما استخدم الطابعون هذه الطريقة المسماة الرسم أو الطباعة بالكتل الخشبية لعمل الكتب بالإضافة إلى أوراق اللعب. ولكن نقش كل كلمة على الكتلة الخشبية كان يستغرق وقتًا طويلا.

وقد جعل اختراع الحروف القابلة للتحريك الطباعة أسرع بكثير؛ لأن الحروف المنقوشة نفسها يمكن استخدامها مرارًا. فيمكن للطابع بعد طبع صفحة، فصل الحروف المطبعية ثم إعادة ترتيبها.

وقد وُجِدت الطباعة بالحروف المطبعية القابلة للتحريك في آسيا منذ القرن الحادي عشر الميلادي، ولكن هذا الاختراع لم ينتقل إلى أوروبا في ذلك الوقت. ويعتبر أغلب المؤرخين جوهانس جوتنبرج الذي كان حدّادًا ألمانيًا مخترع حروف الطباعة القابلة للتحريك في أوروبا. انظر: جوتنبرج، جوهانس. ففي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، قام جوتنبرج بتجميع عدة اختراعات ليوجد نظامًا جديدًا كاملا للطباعة. فقام بعمل قطع منفصلة من حروف الطباعة القابلة للتحريك جاعلا لكل حرف نموذجًا صغيرًا وآخر كبيرًا. وقام بصف حروف الطباعة داخل إطار (صندوق الصف) لتكوين الصفحات. كما أوجد حبرًا خاصًا به من الألوان والصبغات والمواد الأخرى. وحوّل معصرة خمر كان يمتلكها إلى مبنىً للطباعة يعتبر الأول من نوعه في أوروبا. وكان جوتنبرج قد وجد صعوبة في الحصول يدويًا على نسخ منتظمة الطبع. ولكن آلة الطباعة الجديدة جعلت بالإمكان وضع ضغط منتظم على الصفحة.

وسرعان ما أصبحت الطباعة أهم وسائل الاتصال الجماهيري. واختفى فن النسخ باليد. ولكن الكثير من الناس تخوفوا أن يكون فن الطباعة الجديد سحرًا شريرًا جاء عن طريق الشيطان. ولم يستطيعوا أن يستوعبوا كيف يمكن إنتاج الكتب بهذه السرعة، أو كيف يمكن أن تبدو كل النسخ متشابهة تمامًا. ولتهدئة مخاوف الناس، ركز الطابعون الأوائل على إنتاج العهدين القديم والجديد، والكتب الدينية بدلاً من الأعمال العلمية، أو الكتابات الأخرى.

لقد مكّن العدد الكبير من الإنجيل المطبوعة الكثير من النصارى من قراءة الكتب المقدسة بأنفسهم؛ ونتيجة لذلك بدأ بعضهم في التساؤل عن بعض تصرفات الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. وبهذه الطريقة ساعدت الطباعة على مولد الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر الميلادي. وقد بدأت هذه الحركة محاولةً لتقويم الكنيسة الكاثوليكية، وانتهت بتأسيس البروتستانتية.

القرنان السابع عشر والثامن عشر الميلاديان

اسْتُخْدِم فن الطباعة أيضًا في الأعمال التجارية والصناعية في القرن السابع عشر الميلادي. وظهرت صحف إخبارية تُسمى كورانتوس ـ كانت تشبه الجرائد إلى حد ما ـ في هولندا وإنجلترا وبلاد أخرى. وكانت تنشر ـ في الغالب ـ أخبار الأعمال التجارية مثل السفن الراسية وما تحمله من بضائع. كما نشرت الصحف الإخبارية الإعلانات، وسرعان ما أضافت الكورانتوس أخبارًا لا تتعلق بالأعمال التجارية وأصبحت أولى الجرائد الحقيقية.

استمر انتشار الطباعة في القرن الثامن عشر الميلادي وجعلت الكتب والمجلات والجرائد المعلومات متوافرة للقراء أكثر فأكثر. وتبادل الناس الأخبار عن طريق الرسائل، وأسس العديد من الدول أنظمة بريدية. وكانت الرسائل ـ قبل القرن الثامن عشر الميلادي ـ تسلم بوساطة قباطنة السفن أو المسافرين الآخرين.

وبالرغم من ذلك، فإن أغلب الاتصالات لم تكن في القرن الثامن عشر الميلادي أسرع مما كانت عليه في الأزمنة القديمة. فالأخبار انتقلت بنفس سرعة انتقال البشر على القدمين، أو على ظهور الخيل، أو بالسفن. ثم طوّر مهندس فرنسي، يسمى كلود شاب في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، وسيلة للاتصال السريع عبر المسافات الطويلة، حيث صمم جهازًا مرئيًا للبرق، يشبه الجهاز الذي اخترعه الإغريق القدماء، ويتكون من سلسلة من الأبراج بين باريس والمدن الأوروبية الأخرى. ويقوم عامل في كل برج بتحريك قضيب وذراعين كبيرين متصلين بمفاصل على السطح ليرسم الرسائل. ويقرأ مراقب على البرج الذي يليه الرسائل بوساطة مقراب (تلسكوب) ويقوم برسمها بالطريقة نفسها وهكذا كان يتم نقل الرسائل.

بداية القرن التاسع عشر الميلادي

أحدث العديد من الاختراعات الجديدة ثورةً في الاتصالات. وحدث تقدمٌ مهم في الطباعة عام 1811 م، عندما استخدم طابع ألماني يُدعى فريدريك كوينج محركًا بخاريًا لتزويد آلة الطباعة بالقوة المحركة. وكان على الطابعين أن يستمروا في وضع الحروف المطبعية باليد، ومع ذلك فإن عملية الطباعة نفسها أصبحت أسرع مئات المرات. واستخدمت جريدة التايمز اللندنية آلة طباعة كوينج لأول مرة في عام 1814 م، ومكّن هذا الاختراع التايمز، وجرائد أخرى من طباعة أعداد كبيرة، بتكلفة قليلة، مما جعل بالإمكان توزيع الجرائد على نطاق واسع.

وقد زاد اختراع السفن البخارية والقطارات من سرعة انتقال الأشخاص والأخبار. ولكن الاتصالات السريعة لم تبدأ إلا مع اختراع البرق الكهربائي الذي يُرسل الرسائل عبر الأسلاك في ثوان. وقد صمم مخترعون في الدنمارك وألمانيا وبريطانيا وبلاد أخرى أجهزة برق متعددة خلال أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. لكن كل هذه الأجهزة كان يعتريها نقطتا ضعف هما افتقارها لمصدر ثابت للكهرباء، وصعوبة استخدامها.

وخلال الثلاثينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، بدأ الرسام والمخترع الأمريكي صمويل مورس، العمل على جهاز كهربائي للبرق. وطوّر مورس وشريكه ألفرد فييل، بعد سنين من التجارب، جهازًا بسيطًا للبرق، له مصدر ثابت من التيار يُنتِج بوساطة بطاريات ومغنطيس كهربائي. وكان الجهاز يُرسل رسائل على هيئة نقاط وخطوط تُسمى شفرات مورس. وقام مورس بتسجيل اختراعه في عام 1840 م، ولأول مرة انتقلت الأخبار بسرعة الكهرباء. وبدأت الجرائد تقريبًا في الحال في استخدام تلغراف مورس. وفي الستينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، كانت خطوط البرق قد قامت بوصل أغلب المدن بعضها ببعض. وأصبح البرق الوسيلة الرئيسية للاتصالات عبر المسافات الطويلة.

كان البرق (التلغراف) يستطيع إرسال الرسائل فقط، حيث توجد أسلاك. وفي عام 1858 م، تم وضع كبل بحري للتلغراف عبر المحيط الأطلسي، لكن الكبل تعطل بعد بضعة أسابيع. وتم وضع أول كبل يعمل بنجاح عبر المحيط الأطلسي في عام 1866 م، وكان ذلك أساسًا نتيجة لجهود المليونير الأمريكي سيرس فيلد، والفيزيائي البريطاني اللورد كلفين. وقد مكّن هذا الكبل الممتد تحت الماء، من إرسال الرسائل عبر المحيط الأطلسي في دقائق.

ازداد تطور الاتصالات باختراع التصوير، وقد أسهم العديد من العلماء الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين في تطويره، بحيث لا يمكن أن يُعتبر شخص واحد مخترع التصوير. وفي عام 1826 م، صنع عالم الفيزياء الفرنسي، جوزيف نيسفور نيبس، أول صورة ثابتة. وتعتمد طريقة نيبس التي تُسمى الهليوجراف على تعريض صفيحة فلزية للضوء لمدة ثماني ساعات تقريبًا. ونتيجة لذلك، فقد أمكنه فقط تصوير الأشياء الثابتة كالمنازل ولم يتمكن من تكوين صور للأشياء المتحركة.

وقد عمل الرسام الفرنسي لوي جاك مانديه داجيير، شريكًا لنيبس لعدة سنوات، وفي الثلاثينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، طوّر داجيير نوعًا مُحسنًا من الصور الضوئية سُمي الصورة الداجييرية. تحتاج الصورة الداجييرية إلى عدة دقائق فقط للتعريض للضوء. وفي الوقت نفسه تقريبًا، اكتشف المخترع البريطاني وليم هنري فوكس تالبوت طريقة للتصوير باستخدام ورق سالب (نيجاتيف) بدلاً من الصفيحة الفلزية. ولكن اختراع فوكس تالبوت الذي سُمي التولبوتيب أو الكالوتيب لم يستخدم على نطاق واسع؛ لأنه أنتج صورة أقل وضوحًا من طريقة التصوير الداجييري. لكن فكرة استخدام سالب مرن، أصبحت المفتاح للتصوير الحديث. وفي الطرق الأخرى المستخدمة كان على المصور استخدام زجاج أو صفائح فلزية يجب تغييرها في كل تعريض للضوء. ولكن باستخدام طريقة تالبوت أصبح من الممكن تحريك الفيلم خلال الكاميرا واستخدامه لالتقاط سلسلة من الصور.

أواخر القرن التاسع عشر الميلادي

أدى عدد كبير من الاختراعات إلى تحسين الاتصالات، منها الآلة الكاتبة والهاتف والحاكي (الفونوغراف) والسينما. وفي عام 1868 م، قام ثلاثة شركاء أمريكيين هم كارلوس جليدن، وكريستوفر لاثام شولز وصمويل سوليه بتسجيل براءة اختراع عن أول آلة كاتبة عملية. وقد بدأ إي رمنجتون وأولاده، صناعُ بندقيات رمنجتون الشهيرة، بإنتاج الآلة الكاتبة في منتصف السبعينيات من القرن التاسع عشر.

وسجل ألكسندر غراهام بيل ـ وهو مدرس للصم أسكتلندي المولد ـ براءة اختراع نوع من الهاتف في عام 1876 م. وقد مكّن جهاز بل من نقل الصوت البشري عبر الأسلاك. كما سجل إليشا جراي، وهو مخترع أمريكي براءة اختراع آلة مشابهة في الوقت نفسه تقريبًا. ولكن أول شبكة للهاتف تم تمديدها في نيو إنجلاند عام 1878 م، واستخدمت تصميم بل. وبحلول عام 1890 م، كان نظام بل للهاتف يستخدم على نطاق واسع في أمريكا وأوروبا.

وفي عام 1877 م، اكتشف المخترع الأمريكي توماس أديسون أول فونوغراف عملي، وكان يسجل الصوت على أسطوانة مغطاة بطبقة فلزية رقيقة. وبعد ذلك بنحو عشر سنوات، اكتشف إميل برلينر ـ وهو أمريكي من أصل ألماني ـ فونوغرافًا يستخدم قرصًا بدلاً من أسطوانة. ومع بداية القرن العشرين، حل فونوغراف برلينر الذي يستخدم القرص محل فونوغراف أديسون.

واستمر الطابعون يصفون الحروف المطبعية باليد، حتى الثمانينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، كما كان جوتنبرج يفعل. ولكن في عام 1884 م، سجل أُوتمار مرجنتيلر، وهو ميكانيكي ألماني بالولايات المتحدة، براءة اختراع آلة اللينوتيب. وتستَخدم اللينوتيب لوحة مفاتيح لصف حروف الطباعة آليًا، دون الحاجة للصف اليدوي. وقد عجّل هذا الاختراع إنتاج الصحف والمطبوعات الأخرى.

وفي عام 1887 م، طوّر رجل دين أمريكي يُدعى هانيبال جودوين الشريط السينمائي الذي كان متينًا ولكن في الوقت نفسه كان مرنًا. وقام جورج إيستمان، وهو مُصَنع لمواد التصوير، بتقديم الشريط السينمائي في عام 1889 م، ونجح أديسون ومخترعون آخرون، في تصوير وعرض أفلام سينمائية خلال التسعينيات من القرن التاسع عشر الميلادي. وربما كان أديسون قد استوحى تصميمه لآلة عرض الأفلام من المخترعَيْن الأمريكيين توماس أرمات وتشارلز فرانسيس جنكنز.

بداية العصر الإلكتروني

قرب نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، حدثتْ ثورة في الاتصالات مرة أخرى. ففي ذلك الوقت، كانت وسائل الاتصالات السريعة عبر المسافات الطويلة هي البرق والهاتف، وكان كل منهما يستطيع إرسال الرسائل فقط عبر الأسلاك. ولكن خلال العصر الإلكتروني، استخدم المخترعون فرعًا من العلوم والهندسة يُسمى الإلكترونيات في إرسال الإشارات عبر الفضاء. ولقد أمكن بسبب عصر الإلكترونيات اختراع الراديو، والتلفاز، وعجائب الاتصالات الحديثة الأخرى.

تطورت الاتصالات الإلكترونية نتيجة أفكار وتجارب عدة علماء. ففي عام 1864 م، وضع عالم الفيزياء البريطاني جيمس كلارك ماكسويل نظرية تقول إن الموجات الكهرومغناطيسية تنتقل في الفضاء بسرعة الضوء. وفي أواخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، قام الفيزيائي هينريتش هرتز بإجراء تجارب أثبتت وجود هذه الموجات. ولم يستطع هرتز أن يتبين أي تطبيق عملي لبحوثه. وفي عام 1895 م، قام مخترع إيطالي يُدعى جوليلمو ماركوني بالجمع بين أفكار ماكسويل وهرتز وآخرين ليتمكن من إرسال إشارات عبر الفضاء. وسمىّ ماركوني جهازه البرق اللاسلكي وهو ما نسميه نحن الراديو.

في البداية، كانت إشارات شفرة مورس تُرسل فقط بوساطة جهاز ماركوني. وفي عام 1906 م أوصل ريجنالد إيه فيسيندن ـ وهو فيزيائي كندي المولد، سماعة الهاتف بجهاز برق لاسلكي، وأصبح واحدًا من أوائل الأشخاص الذين نقلوا الكلام. وفي مساء عيد الميلاد لعام 1906 م، التقط عدد من مشغلي الراديو، أول بث إذاعي بواسطة فيسيندن. وقد دهشوا حين سمعوا موسيقى عيد الميلاد، وسمعوا قراءة من العهدين القديم والجديد بدلا من سماع شفرة مورس.

خلال بدايات القرن العشرين، طوّر لي دي فورست الأمريكي، وبعض المهندسين الكهربائيين، أجهزة مختلفة سُميت الصمامات المفرغة يمكنها التقاط وتكبير إشارات الراديو. ولقد مكنت الصمامات المفرغة من تطوير الراديو كما نعرفه الآن. ولقد ظهرت منذ سنة 1908 م، محطات راديو تجريبية عديدة، الكثير منها ذات صلة بكليات الهندسة أو الجامعات.

وسرعان ما ظهرت محطات الراديو في كثير من البلاد. وفي عام 1922 م، قبلت محطة دبليو إي إيه إف (weaf) في نيويورك أجرًا مقابل السماح بإذاعة إعلان على الهواء لشركة تبيع الشقق. وطوّرت الولايات المتحدة نظامًا للراديو التجاري، ثم وضعت فيما بعد نظامًا للتلفاز التجاري، يتم دفع تكلفة أغلب البرامج بوساطة أصحاب الإعلانات. أما في أغلب البلاد الأخرى فتحصل شبكات الراديو والتلفاز على الجزء الأكبر من ميزانياتها من الحكومة.

تطور الاتصالات الحديثة

نتج التلفاز، كالعديد من الاختراعات الأخرى، من أبحاث وتفكير العديد من الناس. وترجع محاولة إرسال الصور عبر الفضاء إلى القرن التاسع عشر الميلادي. وتم تطوير أول نظام عامل في عام 1926 م، عندما استطاع جون لوجي بيرد، وهو مهندس أسكتلندي إثبات إمكانية النقل التلفازي. وفي عام 1936 م، نقلت هيئة الإذاعة البريطانية أول بث تلفازي مفتوح الدائرة (عام). وبدأت شركة الراديو الأمريكية البث المنتظم في عام 1939 م، واستخدمت كاميرات تلفازية محسنة وأنابيب إلكترونية للصور المعدلة بواسطة فلاديمير كوسما زوريكين، وهو فيزيائي أمريكي، روسي المولد.

توقفت البرامج التلفازية مؤقتًا في بداية الأربعينيات من القرن العشرين الميلادي، خلال الحرب العالمية الثانية، ثم استؤنف الإرسال بعد الحرب. ومع بداية الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي، بدأت محطات التلفاز في الولايات المتحدة وأوروبا بث برامجها.

في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، اخترع مهندس هولندي يُدعى فالديمار بولسن آلة تسجل الصوت على أسلاك حديدية. ولكن اختراع بولسن لم يحظ باهتمام يذكر. وخلال الثلاثينيات من القرن العشرين الميلادي، طوّر مهندسون ألمان مسجلات تسجل الصوت على شرائط مغناطيسية. وبخلاف تسجيل الفونوغراف، فإنّ تسجيلات الشرائط الجديدة يمكن الاستماع إليها مرة أخرى بعد تسجيلها بإرجاع الشريط. وتمكنت مسجلات الفيديو المطورة في الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي من تسجيل الصورة بالإضافة إلى الصوت على شريط مغنطيسي. في البداية كانت محطات التلفاز فقط تستخدم مسجلات الفيديوتيب، ولكن مسجلات الفيديوتيب كاسيت المطورة في السبعينيات من القرن العشرين الميلادي جعلت هذا التسجيل رخيصًا، بدرجة جعلته متاحًا للاستخدام المنزلي. ويستطيع الأشخاص توصيل مسجل الفيديوتيب كاسيت بجهاز التلفاز الخاص بهم لتسجيل البرامج آليًا لمشاهدتها في فترة لاحقة. وفي بداية الثمانينيات من القرن العشرين، أُدخلت عدة شركات أقراص الفيديو. ويتم نقل الصور والأصوات السابق تسجيلها على أقراص الفيديو بوساطة جهاز تشغيل آلي لجهاز التلفاز المتصل به.

قامت أقمار صناعية أرضية تُسمى أقمار الاتصالات لأول مرة بنقل الرسائل بين المحطات الأرضية في عام 1960 م، وقبل ذلك الوقت كانت الإشارات التلفازية تُرسل فقط بوساطة الكبل، أو إلى حيث توجد أبراج نقل لتقوية الإشارات. ومكنت الأقمار الصناعية من ترحيل الإشارات التلفازية عبر المحيطات. وكذلك تستطيع الأقمار الصناعية نقل رسائل الراديو والهاتف والاتصالات الأخرى.

وخلال السبعينيات من القرن العشرين، بدأت العديد من الجرائد والمطبوعات الأخرى، في استخدام الحاسوب في التحرير، وأنظمة صف الحروف المطبعية. حيث يقوم الكاتب بكتابة المقالات على لوحة مفاتيح متصلة بالحاسوب. وبينما يقوم بالكتابة تخزن في الوقت نفسه الكلمات في الحاسوب وتعرض على شاشة عرض طرفية، ويتصل الحاسوب بدوره بجهاز يسمى آلة التجميع أو التصفيف الضوئي، وبمجرد الضغط على زر تقوم الآلة بوضع المقال على هيئة حروف مطبعية مصفوفة على شريط فونوغرافي.

وفي أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، بدأ العديد من الشركات تسويق هواتف خلوية متحركة. وبموجب هذا النظام تقسم المدن إلى مقاطعات تسمى خلايا كل منها له ناقل راديو منخفض الطاقة ومستقبل. وعندما تنتقل السيارة المزودة بالهاتف من خلية إلى أخرى يقوم الحاسوب بنقل المكالمات من ناقل ومستقبل إلى آخر بدون انقطاع المكالمة. وفي أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، بدأت العديد من الشركات في استخدام عملية تُسمى الناسوخ (الفاكسميلي أو الفاكس) للإسراع بالاتصالات، وتقوم آلة الفاكس بإرسال واستقبال نسخ المستندات عبر أسلاك الهاتف وتستطيع إعادة نسخ كل من الكتابة والصور.

اتصالات المستقبل

من المحتمل أن تشمل هذه الاتصالات أشكالاً عديدة من طاقة الموجات الضوئية والليزرات، وهي أجهزة تُنتج حزمة ضيقة من الضوء الشديد القوة. وحتى الآن فقد أتاح أحد فروع الفيزياء المُسمى البصريات الليفية استخدام الضوء لإرسال رسائل أكثر، وبسرعة أكبر، عما هو الحال عند استخدام الكهرباء أو موجات الراديو. فباستخدام اتصالات الألياف البصرية، يُحول شعاع الليزر الإشارات الكهربائية الخاصة بمكالمة هاتفية، أو صورة تلفازية إلى نبضات ضوئية. يُوجَّه الليزر إلى أحد أطراف جدائل زجاجية شفافة تسمى الألياف البصرية. ويستطيع الضوء أن ينتقل مسافات شاسعة خلال الألياف، دون أن يفقد قوته أو وضوحه. وعند طرف الاستقبال، يقوم جهاز بإرجاع ضوء الليزر إلى الأصوات والصور. وتستطيع حزمة من الألياف البصرية لا تتجاوز كل واحدة منها سمك شعرة من جسم الإنسان، أن تبث آلاف المكالمات الهاتفية أو البرامج التلفازية في الوقت نفسه. ويُستعمل الليزر أيضًا في طريقة للتصوير الثلاثي الأبعاد تُسمى التصوير التجسيمي حيث يقوم جهاز يُسمى مفرق الأشعة بتقسيم ضوء الليزر إلى شعاعين يُوجه أحدهما إلى الجسم المراد تصويره، ثم تقوم المرايا بتجميع شعاعي الضوء معًا مرة أخرى، وحيث يتجمع الشعاعان يكونان نموذجًا ثلاثي الأبعاد يمثل هيئة الجسم. وقد يستخدم التصوير التجسيمي في فترة لاحقة لإنتاج أفلام وصور وبرامج تلفازية تتكون من صور ثلاثية الأبعاد تسبح في الفضاء. وسوف يستطيع المشاهدون السير حول الصور ثلاثية الأبعاد ـ كما لو كانت مناظر حقيقية ـ ليروا زوايا جديدة كلما تحركوا.

وربما تنساب الاتصالات، في المستقبل، عبر طريق المعلومات فائق السرعة، وهو مصطلح لشبكة إلكترونية جبارة ستتألف من منظومة تضم أنظمة الهاتف وأنظمة التلفاز الكبلي والشبكات الحاسوبية. وسيوفر طريق المعلومات فائق السرعة معلومات مستفيضة وخدمات متنوعة كثيرة لمستخدميه في المنازل والمدارس وأماكن العمل. ولن ينحصر تأثير طريق المعلومات فائق السرعة الذي يقدم المعلومات بالصوت والصورة والفيديو على نوعية الاتصالات بين الناس بل سيؤثر أيضًا على طرق حياتهم ودراستهم وتعلمهم. فعلى سبيل المثال يمكن لمستخدم هذه الشبكة أن يتصفح، من منزله، عددًا من الكتب بمكتبات مختلفة حول العالم. وقد أمكن لمستخدمي الحاسوب الاتصال ببعضهم بوساطة قاعدة بيانات ضخمة عرفت بالإنترنت. وتتكون هذه الشبكة من آلاف الشبكات الصغيرة وملايين الحواسب.

Source: wikipedia.org