If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
تطور دور زاوية مقلع السحنونية في مواجهة التنصير بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر، ولقد تداولت "عائلة السحنوني" على تسيير شأن الزاوية مثل "الشيخ بلقاسم" وأخيه "الشيخ إبراهيم"، ثم "الشيخ محمد" وأخيه "الشيخ الشريف السحنوني".
وقد بلغت الزاوية على عهد "الشيخ الشريف السحنوني" أوج إشراقها، ففضلا عن عملها الاجتماعي بمنطقة القبائل، عملت الزاوية على مواجهة التنصير بالعمل التربوي، فكثفت من الاهتمام بتعليم القرآن والعلوم الدينية الأخرى، وعملت أيضا على تطوير تعليمها من حيث الطرق والمناهج، وعملت على تطوير مكتبتها، وقام المشرفون عليها باستقدام العلماء من خارج وداخل الجزائر إثراء لبرامجها وتنويعا لمعارفها.
ولقد انتصب شيخ الزاوية بنفسه "سيدي الشريف السحنوني" معلما في الزاويتين بـ"تاغراست" و"بني وغليس"، مسخرا نفسه للتدريس بنفسه.
ومما يوحي بأهمية هذه الزاوية على المستوى الخارجي تلك العلاقة المميزة التي كانت تجمع "الشيخ الشريف السحنوني" مع "العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور" الذي كان شيخ جامعة الزيتونة بحيث كان مهمتا بأمور الزاوية، وعارفا لقيمتها.
كما جمعت علاقة العلم والأخوة بين "الشيخ الشريف السحنوني" و"العلامة عبد الحميد بن باديس" الذي كان يحثه على الاهتمام بالإصلاح التربوي في الزاوية بما يخدم القضية الوطنية ويذود بالدفاع عن ثوابت الأمة ضد سياسة التبشير التي كانت متركزة في منطقة القبائل بغية شق وحدة الشعب الجزائري.
والظاهر أن شيوخ زاوية مقلع السحنونية كانوا قد استفادوا من علمائهم ومشايخهم بالمنطقة ذاتها وطوروا مناهج التربية والتعليم في الزاوية السحنونية على يد شيوخهم الذين تعلموا عنهم مثل:
ولقد طور "الشيخ محمد الشريف السحنوني" مناهج الدراسة بالزاوية واستقدم مشايخ من الزيتونة حيث وفد من تونس كل من "الشيخ محمد الحبيب" و"الشيخ المرشيشي" للمساعدة على التدريس وأصبح تعليمه بالزاوية يتماشى وبرنامج التعليم في جامعة الزيتونة أو في مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
وعليه فقد زاد الإقبال على الزاوية وبلغ عدد طلاب الزاويتين 550 طالبا، وعلى الرغم من بساطة الوسائل المستعملة في الزوايا لنشر التعليم وكلاسيكية المنهج التربوي في جانبه البيداغوجي مقارنة ببقية المناهج المتقدمة في المنارات والحواضر الكبرى في المشرق العربي، إلا أن الدور التعليمي للزوايا ظل يقف حجرة عثرة في وجه سياسة التنصير التي كان يمارسها الآباء البيض في المدارس.
فحتى أولئك الذين كانوا يدرسون في المدارس العربية الفرنسية، لم يتمكنوا من النهل من الثقافة الفرنسية وظلوا يحنون إلى نبعهم الحضاري ويترددون على مدارس الزوايا مما جعلهم على حد تعبير بعض المسؤولين الفرنسيين يعتبرون طلابا ومريدين في ذات الوقت، وهي إشارة واضحة كانت تعتبرهم جيل ثوريا صاعدا سيهز أركان الاحتلال الفرنسي للجزائر.
لم يكتف شيوخ زاوية مقلع السحنونية بالاهتمام بالتربية والتعليم فقط، بل عملوا بالتوازي مع ذلك لإنماء معارف المريدين وتعدد معارفهم، ولأجل ذلك اهتموا بالمكتبة وطوروها بإثرائها بالكتب والمحفوظات.
كما اهتمت الزاوية بتنظيم إعانات للمعوزين دوريا تحول دون ارتمائهم في مخالب التنصير وحافظت على نظام "التويزة" لسد رمق الكثيرين خلال فترة الجفاف، واهتمت أيضا بالشعر الديني كأسلوب للصمود في وجه حركة التبشير.
لقد ركزت الزاوية على التعليم واعتبرته مشروعh اجتماعيا شارك في بنائه المجتمع برمته لتحصين أبناء المنطقة من مخالب التنصير، وهو الأمر الذي ينطبق على الدور التعليمي للزوايا في منطقة القبائل، بحيث كان التعليم يقوم على التربية أولا، ثم يأتي بعد ذلك تطوير المعارف الثقافية بحفظ القرآن والمعارف المتصل به.
وعليه كانت المواجهة بالتعليم في زاوية مقلع السحنونية، وكانت من أقوى الأسلحة في مواجهة التنصير الذي كان قد استفحل أمره بالمنطقة، ولم يتم مواجهة التنصير بالمنطقة فحسب، بل عملت الزاوية بفضله من محو الجهل والمحافظة على الهوية، وتخريج علماء كان لهم الفضل في بناء الجزائر المستقلة أو قادة ومجاهدين أثناء ثورة تحرير الجزائر، كما أن ذلك المنحى الذي انتهجه "السحنونيون" دفعهم إلى تشجيع الطلبة على الاستزادة من العلم عبر إرسالهم لجامع الزيتونة كما هو الحال بالنسبة لـ"محمد أرزقي كتاب" الذي عاد من جامع الزيتونة سنة 1945م، الأمر جعل التقارير الفرنسية تحكم على مريدي "الطريقة السحنونية" بأنهم قد أصبحوا منتمين إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وهو ما عزز من أساليب مقاومة الزوايا الرحمانية لمواجهة الهجمة التنصيرية الاستعمارية بالاعتماد على التعليم كأسلوب قوي في مواجهة التنصير.