If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
السائل الدماغيّ الشوكيّ (الإنجليزيّة: Cerebrospinal fluid اختصاراً CSF)، أو السائل الدماغيّ النخاعيّ سائلٌ جسميّ عديم اللون وصافي يتواجد في الدماغ والحبل الشوكيّ. يُنتج في الضفائر المشيميّة لبطينات الدماغ ويُمتص في التحبُّبات العنكبوتيّة. هنا حوالي 125 مل من السائل الدماغيّ الشوكيّ في أيّ وقت، ويُنتج منه حوالي 500 مل في اليوم الواحد. يقوم السائل الدماغيّ الشوكيّ بدور وسادة أو واقٍ للدماغ، حيث يُقدِّم وسيلة حماية مناعيّة وميكانيكيّة أساسيّة لحماية الدماغ داخل الجمجمة، كما يساهم السائل الدماغيّ الشوكيّ بدورٍ حيويّ في التنظيم الذاتيّ المخيّ لتدفُّق الدم المخيّ.
يشغل السائل الدماغيّ الشوكيّ الحيّزَ تحت العنكبوتيّ (الحيَّز أو المسافة الكائنة بين الأم العنكبوتيّة والأم الحنون) و الجملة البطينيّة، في محيط وداخل الدماغ والحبل الشوكيّ على التوالي. حيث يملأ السائل الدماغيّ الشوكيّ بطينات الدماغ والصهاريج و الأتلام بالإضافة للقناة المركزيّة للنخاع الشوكيّ. هناك أيضاً اتصال بين الحيّز تحت العنكبوتيّ والتيه العظميّ للأذن الداخليّة من خلال القناة المحيطة باللمف (المسال القوقعيّ) حيث يستمر اللمف المحيط بالسائل الدماغيّ الشوكيّ.
يمكن أخذ عينة من السائل الدماغيّ الشوكيّ عبر البزل القطنيّ، ويمكن تقييم الضغط داخل القحف من خلال هذه العينة، كما يمكن كشف أمراض عديدة منها التهابات الدماغ أو السحايا المحيطة. و على الرغم من أن أبقراط لاحظ السائل الدماغيّ الشوكيّ، إلا أن الفضل يرجع إلى إيمانويل سويدنبورج في إعادة اكتشافه في القرن الثامن عشر، وفي وقت متأخ من عام 1914 اكتشف هارفي دبليو. كوشينغ أن السائل الدماغيّ الشوكيّ يُفرز من الضفيرة المشيميّة.
هناك حوالي 125-150 مل من السائل الدماغيّ الشوكيّ في أي لحظة. يدور السائل الدماغيّ الشوكيّ داخل الجملة البطينيّة للدماغ. البطينات عبارة سلسلة من الأجواف المملوء بالسائل الدماغيّ الشوكيّ. يُنتج معظم السائل الدماغيّ الشوكيّ من داخل البطينين الجانبيين، ومن هنا يمر السائل الدماغيّ الشوكيّ عبر الثقوب بين البطينيّة إلى البطين الثالث، ومن ثُمَّ عبر المسال المخيّ إلى البطين الرابع. و من البطين الرابع يمر السائل إلى الحيّز تحت العنكبوتيّ عبر أربع فتحات: القناة المركزيّة للحبل الشوكيّ، والفتحة المتوسّطة (الناصفة) و الفتحتان الوحشيّتان. يتواجد السائل الدماغيّ الشوكيّ في الحيّز تحت العنكبوتي، مُحيطةً بالدماغ والحبل الشوكيّ، ويمتد تحت نهاية الحبل الشوكيّ إلى العجز. هناك اتصال بين الحيّز تحت العنكبوتيّ والتيه العظميّ للأُذن الداخليّة مما يسمح للسائل الدماغيّ الشوكيّ بالاستمرار باللمف المحيط في 93% من الناس.
يتحرّك السائل الدماغيّ الشوكيّ في اتجاه واحد نحو الخارج بدءاً من البطينات، وبعدّة اتجاهات في الحيّز تحت العنكبوتيّ. تكون حركة السائل نبضيّة ومطابقة لأمواج الضغط التي تتولَّد في الأوعية الدمويّة بضربات القلب. يخالف بعض الكتاب هذا الطرح، قائلين بأنه لا يوجد دوران سائل دماغيّ شوكيّ أحادي الاتجاه، وإنما هناك حركات للسائل الدماغي الشوكيّ مُعتمدة على الدورة القلبيّة ثنائيّة الاتجاه انقباضيّة-انبساطيّة من وإلى قحف-شوكيّة.
يُشتقُّ السائل الدماغيّ الشوكيّ من بلازما الدم و هو يشابهها إلى حدٍ كبير، باستثناء أن السائل الدماغيّ الشوكيّ خالي من البروتين تقريباً بالمقارنة مع البلازما، بالإضافة إلى أن له بعض الاختلاف في تراكيز بعض الشوارد الكهربائيّة. و بسبب طريقة إنتاجه، يحتوي السائل الدماغيّ الشوكيّ تركيزاً مرتفعاً من الكلوريد أعلى مما هو عليه في البلازما، وتركيز مُعادل من الصوديوم.
يحتوي السائل الدماغيّ الشوكيّ حوالي 0.3% بروتينات البلازما، أو ما يُقارب 15 إلى 40 ملغ/دل، وذلك بالاعتماد على مكان أخذ العينة. في العموم، تكون تراكيز البروتينات الكرويّة والألبومين أخفض في السائل الدماغي الشوكيّ داخل البطينات مُقارنةً بالسائل في الصهاريج أو القطن. يُخفِّف التدفُّق المستمر إلى الجملة الوريديّة من تركيز الجزيئات الدهنيّة الأكبر غير القابلة للذوبان التي تخترق الدماغ والسائل الدماغيّ الشوكيّ. طبيعيَّاً يكون السائل الدماغيّ الشوكيّ خالياً من كريات الدم الحمراء، وفي معظمه يحتوي على القليل من خلايا الدم البيضاء. أي نوع خلايا بيضاء يتجاوز هذا العدد يؤسس لكثرة خلايا السائل النخاعيّ.
تكون المضغة عبارة عن قرص ثلاثي الطبقات قُرابة الأسبوع الثالث من التطوُّر الجنينيّ، وتكون المضغة حينها مُغطَّاة بالأديم الظاهر والمتوسط و الباطن، وفي هذه الأثناء تتطوَّر بنية شبيهة بالأنبوب على الخط المتوسط تُدعى الحبل الظهريّ، تُطلق هذه البنية الأنبوبيّة جزيئات خارج خلويّة تؤثّر في تحوُّل الأديم الظاهر الذي يُغطيه (يُغطي الحبل الظهريّ) إلى نسيج عصبيّ. يحتوي الأنبوب العصبيّ الناتج عن النسيج العصبيّ السابق والمتشكّل بدوره من الأديم الظاهر، يحتوي على السائل الدماغي الشوكيّ قبل تطوُّر الضفائر المشيميّة. جديرٌ بالذكر أن الثقوب العصبيّة للأنبوب العصبيّ تنغلق بعد أول شهر من التطوُّر، ويزداد نتيجة ذلك ضغط السائل الدماغي الشوكيّ تدريجيّاً.
و بتطوُّر الدماغ بحلول الأسبوع الرابع للتطوُّر الجنينيّ تتشكَّل ثلاث تورُّمات داخل الجنين حول القناة بالقرب من مكان تطوُّر الرأس. تُمثِّلُ هذه التورُّمات مكوِّنات مختلفة من الجهاز العصبيّ: الدماغ المُقدَّم والدماغ المتوسط والدماغ المُؤَخَّر. تظهر الأحياز تحت العنكبوتيّة حوالي اليوم 32 من التطوُّر قرب الدماغ المؤخر، ويظهر الدوران بدءاً من اليوم 41. في هذا الوقت، يمكن أن تُرى الضفيرة المشيميّة الأولى في البطين الرابع، على الرغم من أن وقت إفراز السال الدماغيّ الشوكيّ للمرة الأولى غير معروف حتى الآن.
يحيط الدماغ الأمامي المتطوِّر بالحبل العصبيّ. و بتطوُّر الدماغ الأمامي، يتحوَّل الحبل العصبيّ داخله إلى بطين، سيشكِّلُ فيما بعد البطينات الجانبيّة. يبقى الجدار البطينيّ على طول السطح الداخليّ لكلا البطينين رقيقاً، وتتطوَّر عندها الضفيرة المشيميّة منتجة ومُطلقة السائل الدماغيّ الشوكيّ. يملأ السائل الدماغيّ الشوكيّ القناة العصبيّة. تتشكَّل الزغابات العنكبوتيّة حوالي الأسبوع 35 من التطوُّر، مع ملاحظة التحبُّبات العنكبوتيّة في حوالي الأسبوع 39، ويستمر التطوُّر حتى الشهر 18 بعد الولادة.
يفرز العضو تحت الصوار SCO-spondin، التي تشكّل ألياف رايسنر التي تساعد على حركة السائل الدماغي الشوكيّ عبر القناة الدماغيّة. تظهر هذه الألياف في الحياة داخل الرحميّة باكراً ولكنها تختفي خلال التطوُّر الباكر.
يخدم السائل الدماغي الشوكيّ بعدة أشكال:
تُحقن بعض المُخدرات و العلاجات الكيماوية داخل القِرَاب في الحيّز تحت العنكبوتيّ، حيث تنتشر حول السائل الدماغي الشوكيّ، ما يعني أن المواد التي لا تستطيع عبور الحاجز الدموي-الدماغي يمكن أن تقى فعّالة حول الجهاز العصبي المركزي. يشير مصطلح Baricity إلى كثافة أي مادة بالمقارنة مع كثافة السائل الدماغي الشوكي البشري، و لهذه القيمة استخدام هام في التخدير العام و ذلك بغية تحديد الكميّة التي ينتشر بها مُخدر ما في الحيّز القرابيّ.
وصلنا العديد من التعليقات لأطباء قُدامى أشاروا فيها إلى السائل الدماغي الشوكي. ناقش أبقراط "الماء" المحيط بالدماغ عندما وصف استسقاء الرأس الخلقيّ، و أشار جالينوس كذلك إلى "السائل المفرط" في بطينات الدماغ، الذي اِعتُقد أنه قد تم تطهيره من الأنف. و لكن بقي السائل لمدة 16 قرن من الدراسة التشريحيّة غير مذكور في أدبيَّات التشريح. قد يعود هذا إلى تقنية تسليخ الجثث التي كانت سائدة آنذاك، و التي تضمَّنت قطع الرأس، و بالتالي إزالة السائل الدماغي الشوكيّ قبل البدء بمعاينة الدماغ.
تُنسب إعادة الاكتشاف الحديثة للسائل الدماغي الشوكيّ إلى إيمانويل سودينبورج. ففي مخطوطة كُتبت بين 1741 و 1744، و لم تُنشر خلال حياته، أشار سويدنبورج إلى السائل الدماغي الشوكي كـ"لمف كحوليّ" مُرز من سقف البطين الرابع إلى الأسفل باتجاه البصلة السياسائيّة و الحبل الشوكيّ.نُشرت فيما بعد هذه المخطوطة مترجمة عام 1887.
سجَّل الطبيب و الفيزيولوجيّ ألبرشت فون هالر عام 1747 في كتابه عن الفيزيولوجيا ملاحظته أن "الماء" في الدماغ أُفرز إلى البطينات و اِمتُصَّ في الأوردة، و عندما يُفرز بشكل زائد يحدث استسقاء الرأس. درس فرانسوا ماجندي خواص السائل الدماغي الشوكي عبر تشريح الأحياء. اكتشف ألبرشت ثقبة ماجندي، و هي الفتحة بين سقف البطين الرابع، و لكنه بالخطأ اعتقد أن السائل الدماغي الشوكي يُفرز من الأم الحنون.
توماس ويلس (مكتشف حلقة ويلس) لاحظ حقيقة أن اتساق السائل الدماغي الشوكي يتغير في حالة التهاب السحايا. و في عام 1869 اقترح غوستاف شوالب أن نزح السائل الدماغي الشوكي يحدث عبر الأوعية اللمفية.
عام 1891، بدأ دبليو. إيسيكس وينتر علاج التهاب السحايا السلّيّ من خلال الاستفادة من الحيّز تحت العنكبوتي، و بدأ هينرينش كوينك بتعميم البزل القطني، حيث دعا إليه في من أجل الغايات التشخيصيّة و العلاجيّة. عام 1912 وصف عالم الأعصاب وليم ميستريتز بشكل دقيق لأول مرة التركيب الكيميائي للسائل الدماغي الشوكي. و في عام 1914 نشر هارفي دبليو. كوشينغ الدليل القاطع على أن السائل الدماغي الشوكيّ يُفرز من الضفيرة المشيميّة.
خلال تطور السلالات، تواجد السائل الدماغيّ الشوكيّ داخل المحور العصبي قبل أن يخضع لأي دورة. فالسائل الدماغي الشوكي في الأسماك العظميّة محتوَ داخل بطينات الأدمغة، و لكنه غير موجود خارجها بسبب عدم وجود حيّز تحت عنكبوتيّ في الثدييات، حيث يوجد حيّز تحت عنكبوتيّ يتواجد داخله السائل الدماغيّ الشوكيّ. يُلاحظ امتصاص السائل الدماغيّ الشوكي في السلويات و في الأنواع الأكثر تعقيداً، و كلَّما أصبحت الأنواع أكثر تعقيداً يتعزّز نظام الامتصاص أكثر و أكثر، و يصبح دور الأوردة فوق الجافية في الامتصاص أقل و أقل.
تتنوع كمية السائل الدماغي الشوكي بتنوُّع القياس و الأنواع. عند البشر و الثدييات الأخرى، يُنتج السائل الدماغي الشوكي و يدور و يُعاد امتصاصه في آلية مشابهة لما هو عند البشر، بالإضافة إلى وظيفة مماثلة، كما يدور بسرعة 3-5 مرات يومياً. تؤدي مشاكل دوران السائل الدماغي الشوكي إلى استسقاء رأس يحدث في الحيوانات المختلفة.