If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ودع فينيوس محرريه الأبطال بنفس تفيض بالشكر الجزيل، وتمنى لهم حظا سعيدا، ثم تركه الفرسان وأقلعوا بسفينتهم عبر الخضم المترامي الأطراف إلى مغامرة جديدة، وبينما الأبطال يجدفون بعزيمة وقوة، إذ بصوت رعد قاصف يصم الآذان يصل إلى مسامعهم.. كان ذلك الصوت هو زئير السومبليجاديس، فوقف تيفوس مدير الدفة، كما وقف يوفيموس في مكانه حاملا يمامة في يده اليمنى، لأن فينيوس كان قد أخبرهم أنه لو طارت يمامة بسلام من بين الصخور، فإنهم يستطيعون أن يمروا بالمضيق آمنين، فترك يوفيموس اليمامة تطير، وأخذوا يراقبوها، مرت اليمامة طائرة ولكن الصخرتين كانتا تقتربان من بعضهما وارتفعت الأمواج في المضيق، ثم إذا بالصخرتين تلتقيان وتطبقان على ريش ذيل اليمامة، ولكنها مع ذلك مرت دون أن صيبها أذى، ومن ثم شجع تيفوس المجدفين بصوت مرتفع أن يسرعوا في التجديف بكل ما أوتوا من قوة.
انفصلت الصخرتان، فإذا بالتيار الجارف بينهما يسحب السفينة في اندفاعه، فكان الأبطال عندئذ مهددين بالهلاك من كل جانب، ثم أقبلت موجة قوية تجاههم، عندئذ أمرهم تيفوس بالكف عن التجديف، فمرت الموجة العنيفة أسفل السفينة، وإذا بالسفينة تُحمل فوق الصخرتين وهما تقتربان لتطبقا الواحدة على الأخرى.. فضغط المجدفون بقوة على المجاديف، ثم حملتهم الدوامة من جديد وهبطت بهم إلى أسفل بين الصخرتين حتى كادت السفينة تتحطم، إلا أن الربة أثينا، حامية البحارة الأبطال، أقبلت بسرعة دون أن يراها أحد، ودفعت السفينة إلى الأمام، فأنقذت الأبطال من الهلاك والسفينة من التحطيم المؤكد، فمرت السفينة بسلام ولم تصب بسوء إلا في طرف ذراع الدفة.
كادت السفينة أن تتحطم وأيقن الأبطال أنهم هالكون لولا تدخل الربة أثينا، فلما أبصر الأبطال الشمس تضئ في السماء، ورأوا البحر الفسيح أمامهم مرة أخرى، ذرفوا دموع الفرح وراحوا يستنشقون الهواء في عمق، إذ أحسوا كأنهم قد صعدوا من العالم السفلي وكتبت لهم أعمار جديدة..
استمر الأبطال في إبحارهم بعزيمة لا تعرف الملل أو التعب، ومرض تيفوس مدير الدفة المخلص، ثم اشتد به المرض ومات، فحزن الأبطال حزنا شديدا، حتى أفاقوا من غشيتهم وأخذوا يعدون العدة ليدفنوه في شاطئ قريب، فأرسلوا سفينتهم على أول يابسة ظهرت أمامهم، وخرجوا بالجثة إلى البر فواروه بالتراب، ثم ركبوا السفينة واختاروا أقدرهم في فن القيادة ليحل محل تيفوس في قيادة الدفة، ولم يكن هذا سوى البطل الشجاع أنكايوس ولكنه رفض أن يقوم بمهام ذلك المنصب، حتى أقبلت الربة هيرا وملأته بالشجاعة والثقة، فقبل بعد تردد، واحتل مكانه عند الدفة وقاد السفينة كما كان يفعل تيفوس من قبل، قاد أنكايوس السفينة بمقدرة وكفاية، ثم شقوا طريقهم صوب البحر.
وبعد عدة مغامرات أخرى في البحر وصل الأبطال إلى شاطئ جزيرة أرتيا المرتفع عن البحر، فوجدوا هناك أصدقاء ورفقاء لو يكونوا يتوقعون رؤيتهم، فما كادوا يصلون إلى الجزيرة ويتقدمون بضع خطوات حتى أقبل إليهم أربعة من الشبان في ملابس رثة بالية، يدل مظهرهم على احتياجهم الشديد إلى كل شئ، فتقدم أحدهم وقال: "سادتي الأمجاد أيا كنت شخصياتكم، نرجو أن تساعدوا قوما تحطمت سفينتهم، وبرح بهم الجوع والعري كما ترون".
وعد جاسون أولئك الشبان بأن يقدم لهم الطعام واللباس وسألهم عن أسمائهم ونسبهم وموطنهم، فأجاب الشاب: "لابد أنكم قد سمعتم عن فريكسوس بن أثاماس، إنه هو الذي حمل الجرة الذهبية إلى كولخيس، لقد زوجه أييتيس كبرى بناته، إننا أبناؤه، واسمي أرجوس.. لقد مات أبونا فريكسوس منذ مدة قصيرة، وإطاعة لرغبته عندنا وافته المنية، ركبنا البحر بحثا عن الكنوز التي تركها في مدينة أورخومينوس".
استأنف الشبان حديثهم وراحوا يقصون على مسامع بحارة الأرجو كيف تحطمت سفينتهم في عاصفة شديدة، وكيف وصلوا إلى هذه الجزيرة وهي جزيرة من يلتجئ إليها جائع وضائع ووصفوا الأبطال ما لاقوه فيها من البؤس والحرمان. رثى الأبطال لحال الشبان وأعلموهم بأمرهم، وما هم قدموا من أجله، وطلبوا منهم الانضمام، فلم يتردد الشبان قط، وأبدوا استعدادهم لمرافقتهم في رحلتهم.
بعد ذلك أقام الأبطال وليمة فاخرة للشبان الجياع، ولما أصبح الصباح ركب الجميع السفينة، واستمرت الأرجو في رحلتها لا يعكر صفوها أمواج ولا رياح، وبعد أن جدفوا يوما وليلة، رأوا جبال القوقاز الشامخة، وصلت الأرجو في نفس الليلة إلى مصب نهر فاسيس، فأنزل الأبطال حبال السفينة، وكان على يسارهم جبال القوقاز العالية، وكوتا عاصمة كولخيس، وعلى يمينهم قبر أريس المقدس حيث الأفعوان الضخم ذو العيون الحادة التي لا تغفل عن حراسة الجرة الذهبية المعلقة على الأغصان المورقة لإحدى أشجار البلوط.
تقدم جاسون إلى جانب السفينة وهو يحمل في يده كأسا ذهبية مملوءة خمرا، وقدم سكيبة للنهر وإلى الأرض الأم، وإلى أرباب ذلك القطر وإلى الأبطال الذين قضوا نحبهم أبان الرحلة، وتوسل إليهم جميعا أن يمنحوه المساعدة القيمة، ويراقبوا مراسي السفينة.
عندما ألقوا مراسيهم وثبتوا السفينة إلى الشاطئ، قال مدير الدفة: "ها قد وصلنا سالمين إلى كولخيس، وحان الوقت الآن لنقرر هل يجب علينا أن نبدي رغبتنا إلى الملك أييتيس بطريقة ودية، أو نلجأ إلى طرق أخرى للحصول على ما قدمنا من أجله؟". فقال الأبطال المتعبون: «غدا، نستطيع أن نفعل ما نريد». فصاح جاسون بإلقاء المراسي في أحد الخلجان الظليلة في النهر، ثم راحوا في سبات عميق، ولكن راحتهم لم تطل إذ سرعان ما أقبل الفجر فأشرق عليهم وأيقظهم.