العربية  

books arrival to constantinople and the siege

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الوصول للقسطنطينية والحصار (Info)


في صيف عام 717 ذهب مَسلمة بالجيش إلى أبيدوس في تراقيا فعسكر فيها 16 يوم، حتى وصل الأسطول البحري إلى عنده، ثم عبر مَسلمة بالجميع الدردنيل حتى وصل للقسطنطينية، وخلال مسيرته دمر الأرياف بشكل كامل وجمع المؤون والإمدادات وفتح كل مدينة تصادفه بالطريق، وأثناء عبور الأسطول تعرض البيزنطيون لبعض مراكب المسلمين فاختطفوها لكن تصدى لهم أحد القادة البحريين فأوقع بهم وهزمهم.

عندما وصل الجيش الأموي للقسطنطينية، بدأ مسلمة بتنظيم الصفوف لإحكام الحصار على المدينة من ناحية البر، وعسكر عند أحد الأبواب المهمة، ونصب المجانيق عليها. وأرست السفن الحربية على الساحل بجانب معسكر مَسلمة، فصار الاتصال بين مسلمة ـ القائد العام ـ وبين ابن هبيرة ـ قائد الأسطول - سهلاً، وما أن جُمِعت الجيوش البرية والبحرية الأموية حتى قام مَسلمة بترتيب الجيش صفاً واحداً طويلاً جداً أمام أسوار المدينة ليراهـ الروم، وصف أيضاً كتائب الخيل أمامهم، وبالبحر صف ألف سفينة من المحرقات - السفن التي بها مرامي نيران -، وسفن القوادس التي تحمل الخزائن، وسفن المُعينات التي تحمل جنود البحر، وذلك لاستعراض القوى أمام الروم، وبث الرعب والخوف في نفوس الروم، كما فعلت الحملات الأولى التي أرسلها معاوية لمحاصرة القسطنطينية، وبالمقابل صف ليو الإمبراطور قواته من الحائط حتى البحر على أسوار المدينة مُتحدياً مَسلمة بهذا، وأظهر كل فريق ما يملك من أسلحة. بعد ترتيب الجيوش لمحاصرة المدينة تحرك جزء من الأسطول وفرض الحصار على المدينة من ناحية بحر مرمرة، وحاولت قطع أخرى من الأسطول عبور مضيق البسفور لمحاصرة المدينة من جهة الشمال ـ بعد أن أحكمت السيطرة على مدخله الجنوبي ـ مستغلة هبوب رياح جنوبية ساعدت على تحركها على الرغم من مواجهتها للتيارات المائية القادمة من الشمال التي تعيق السير، وكادت أن تعبر لولا تغير الرياح المفاجئ الذي أربك حركتها وعرضها للتقهقر، فاستغل الروم هذا التراجع وأمطروا السفن الإسلامية بالنار الإغريقية، فعطبت كثير من تلك السفن، وأصيب عدد من المسلمين، وأغلق الروم مدخل القرن الذهبي بسلسلة ضخمة من الحديد. وبهذا ظلت الجهة الشمالية للمدينة مفتوحة لم يستطع المسلمون الوصول إليها أو تطويقها، مما أحدث ثغرة في الحصار مكنت البيزنطيين من الاتصال بالمناطق التي يستمدون منها بعض حاجاتهم ومؤنهم. ومع هذا فإن المسلمين حاصروا عاصمة الروم من الجهات الأخرى، وضغطوا عليها، ومنعوا أهلها من كل مرفق براً وبحراً، جنوباً وغرباً وشرقاً.

وفي أثناء ذلك أرسل مسلمة وفداً لليو الثالث للمناقشة وعرض ما يُريده المسلمون، وأعضاء الوفد كانوا عبد الله البطال وأبو زرعة اللخمي وثالث غير معروف، وأرسل إليه مَسلمة رسالة يلومه فيها على المكر ونقض العهد يقول فيها: «أين ما كنت عاهدت الله عليه من النصيحة لنا وإدخالنا إياها ؟»، فرد ليو: «لئن ظن مسلمة أني أبيع مُلك الروم بالوفاء له لبئس ما ظن»، ثم عرض مُستهزئاً أن يدعو مَسلمة ومَن أراد معه لوليمة عظيمة يُعدها لهم، وذلك ليُوضح للمسلمين أن الروم رغم الحصار لديهم ما يكفي من الطعام الذي يكفيهم لعدة سنين، فقال له الوفد: «إن هذا لغير كائن، وإنا لنقول إن الله قد أحاط بكم، ولسنا نبرح دون صغار الجزية، أو يدخلناها الله عنوة»، فقال ليو: «إن دون ذلك لصغاراً وقتالا شديداً، وكم عسى أن تصبروا ؟»، فقالوا: «نصبر، ولا بد لطعامك الذي عددتَ فيه أن يعفن»، فقال: «أو ما ترى كيف دبرته ؟ لم أدخله بيتاً ولا هرياً مخافةً عليه، فأما هذه السنة فنطحن ما طحنا، ونأكل ما أكلنا، ويفسد منه ما فسد، وإذا كان قابل أمرت به فطحن عن آخره، أكلنا منه ما أكلنا، ويفسد منه ما يفسد، فإذا كان العام الثالث أمرنا فخبز خبز القرابين، فأكلناه حتى نأتي على آخره، فهذا إلى ثلاث سنين، ما قد كان أمر يحول بينكم وبين ما تريدون»، ثم دعى خدمه لإعداد غدائه ليستعرض أمامهم، ثم قال: «نحن فيما تقولون من الحصار والأزل نأكل مما ترون، فادعوا بما شئتم، وتشهوا علينا»، بعد أن عرض على الوفد أن يطلبوا ما يريدون ليأكلوا قال عبد الله البطال بن عمرو: «أمرٌ يسير عليك، خفيفٌ مؤنته، تدعو لنا به»، فسأله ليو عن ماهيته، فقال البطال: «كفاً من ترابٍ من خلف الخندق»، وقصد البطال عندما طلب بعض تراب المدينة أنه يُريد "القسطنطينية" نفسها، وفعل البطال كما فعل العرب مسبقاً مع الفرس حينما طلبوا تراباً منهم كناية أنهم سيأخذون بلدهم، لما فهم ليو غضب أشد الغضب وطردهم رافضاً إعطائهم تراب فأخرجوهم من المدينة.

وبعد أن طَوَّق مَسلمة القسطنطينية بالحصار أمر جيشه بأن يقوم ببناء مدينة للمسلمين بجانب مدينة القسطنطينية، فقاموا باستقدام عمال روم من المناطق التي سبق أن فتحها مَسلمة وجعلوهم يبنون بيوتها من الخشب لكي يسكن بها الجنود وتقيهم من البرد والشتاء، وغرس فيها مَسلمة الأشجار والفاكهة والخضروات لكي يأكل منها الجيش، وأيضاً أمر الجيش بحفر الأسراب لكي تحميهم أثناء الشتاء، وبعد ذلك سمى المدينة التي بناها "مدينة القهر" كناية عن قهرهـ للروم، وحفر حول المعسكر خندقاً عميقاً، ثم حفر خندقاً آخر يمتد من بحر مرمرة إلى جزيرة القرن الذهبي لمنع الإمدادات التي ستأتي لمساعدة أهل القسطنطينية من جهة تراقيا، وكان مَسلمة خلال مسيرهـ للقسطنطينية قد أمر كل فارس أن يحمل من الطعام على فرسه مدين - والمدي الواحد عبارة عن 19 صاع -، وحملوا أيضاً معهم العلف لأجل الحيوانات، كل هذا الطعام أخذوهـ من ضواحي الروم وقراهم عندما فتحوها وتم نقله عبر السفن، فلما وصل للمدينة كان لما جمعوهـ كالجبال وأمرهم أن يدخروهـ لوقت الحاجة، وبالمقابل عليهم أن يأكلوا من الزرع وما يجنونه من الإغارة على الروم فصاروا يأكلون مما يُصيبونه من الغارات ولما استوى الزرع أكلوه.

واصل المسلمون حصارهم لمدينة القسطنطينية، ومنعوا المؤون والمساعدات من التسرب إلى داخلها من ناحيتهم، وشددوا الضغط عليها، فاستخدموا النفط كسلاح، واستعملوا سلاح جديداً أشبه بالمدفعية في دك أسوار المدينة، في فترة من الفترات لَم يستطع الروم التحمل أكثر وساءت أحوالهم كثيراً داخل المدينة فقام الإمبراطور ليو بإرسال وفد يعرض على مَسلمة بن عبد الملك الصلح وأن يتركوا الحصار مقابل أن يدفع لمَسلمة فدية صلح ضخمة وهي عبارة عن ذهب بعدد كل رجل وامرأة وطفل وكل إنسان يعيش في القسطنطينية لأجل انهاء الحرب فغضب مَسلمة ورفض قائلاً أنه لن يترك مكانه قبل أن يستسلمون ويدفعون الجزية صاغرين ويخضعون لحكم الدولة الأموية برضاهم أو يفتحها غصباً عنهم، وبعدها بفترة مع ازدياد الضيق على الروم أرسل ليو الثالث وفداً آخر سراً إلى عمر بن هبيرة فعرض عليه نفس الشيء وأخبروه برفض مَسلمة وطلب منه رئيس الوفد أن يتوسط بينهم لاقناع مَسلمة بالأمر، وقال له: «إن الملك يقرأ عليك السلام ويقول إنه قد كان من نزولكم علينا وإقامتكم إلى هذا اليوم ما قد علمتم وقد بلغ منا ومنكم وما أنتم فيه أشد وقد عرضت على مسلمة فدية صلح على كل إنسان بالقسطنطينة من رجل وامرأة وصبي ديناراً ديناراً على أن ترحلوا عنا إلى بلادكم فإن شئتم اقتسمتم هذه الدنانير بينكم مَغنماً وإن شئتم ذهبتم بها إلى خليفتكم فأدخله بيت ماله فصنع ما أراد فسخط ذلك مسلمة وتأبى علينا وزعم أن لا يبرح دون أن نؤدي الجزية عن صغار أو يدخله عنوة والصغار والجزية ما لا تطيب به أنفسنا أبداً وأنت من خليفتك ومن مسلمة ومن عليه العرب بالمنزلة التي أنت بها في الشرف والأمانة فانظر فيما عرضته على مسلمة فإن رأيته رأياً أشرتَ به عليه ورددته إليه»، فأخبرهم مباشرة أنه مع رأي مَسلمة قائلاً: «أصاب مَسلمة وذلك ما أمرنا الله به ولا أخالفه فيه وأنا عونه عليه حتى يحكم الله بيننا وبينكم»، فغضب رئيس الوفد وعاد إلى القسطنطينية خائباً.

استمر الحصار وأوضاع الجيش تزداد صعوبة، وحال أهل القسطنطينية يزداد سوءاً حتى دخل عام 718، وكان شتاء ذلك العام قاسياً جداً على المسلمين حيثُ كان شتاء قارس شديد البرودة ذي أمطار وثلوج، واستمرت الثلوج تهطل لمدة 100 يوم بدون توقف إضافة إلى الأمطار الدائمة، ورغم أن المسلمين بنوا بيوتاً خشبية لأجل الشتاء إلا أنه قسوة البرد وكثرة الثلوج والأمطار قد أضرت بهم وبالبيوت كثيراً، وأثر ذلك الشتاء بالمسلمين كثيراً فتوقف نشاطهم وانتظروا حلول الربيع لأنهم لَم يتعودوا عليه، ثم نفذت مؤون المسلمين من الطعام ومع أن المسلمين قد ادخروا طعاماً لوقت الحاجة إلا أنه نفذ ولَم يكفيهم بسبب أعداد الجيش الكبيرة إضافة إلى حيواناتهم التي تحتاج للعلف والطعام ولا تستطيع الأكل من الأرض لتغطية الثلوج لها، ولذلك بدأت المجاعات تدب بالجيش المسلم ومعه انتشرت الأوبئة والأمراض، واضطروا لأكل الدواب والجلود وأصول الشجر والعروق والورق وكل شئ غير التراب، فمات الكثير من الجنود والحيوانات بسبب هذه المجاعة والبرد والأمراض، ولَم يستطع الخليفة سُليمان أن يُمدهم بشيء من الطعام والجنود بسبب صعوبة الأجواء المناخية والثلوج والأمطار التي منعت إمدادات سليمان من القدوم إلى مَسلمة، بينما المسلمين على هذا الحال استفاد البيزنطيين فقاموا بإعادة تنظيم دفاعاتهم وهربوا مؤون إلى مدينتهم وبدأوا يتراسلون مع البلغار لمُساعدتهم.

في فصل الربيع توفي سليمان بن عبد الملك بن مروان، وتولى الخلافة ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان، فتحسنت الأحوال قليلاً حيثُ استطاع إرسال أسطولين لإمداد مَسلمة، وهُن حوالي 400 سفينة من مصر تحت قائد اسمه سفيان، و360 سفينة من تونس تحت قائد اسمه يزيد، جميعها مُحملة بالطعام والأسلحة. وفي الوقت نفسه أرسل جيش لآسيا الصغرى للمساعدة على الحصار. عندما وصلت الأسطولين لبحر مرمرة بقيت على مسافة من البيزنطيين وأرست على الشاطئ الآسيوي للبحر، كان أغلب طواقم الأسطولين تتألف من مسيحين مصريين فما أن وصلوا لبحر مرمرة حتى خانوا المسلمين وانضموا للروم، وهجم الروم على الأسطولين مباشرة فتدمرت السفن بسبب انشقاق وخيانة طواقمها والنيران الإغريقية فغرقت، وأصبح الروم في مأمن من ناحية البحر، وتصدى قائد رومي اسمه مارداسان للجيش البري الذي أرسله عمر وهزمهم في مكان بالتلال المحيطة بصبنجة، جنوب نيقوميديا.

بعد هذا استطاعت القسطنطينية أن تحصل على مساعدات بسهولة الآن عن طريق البحر، وأصبح الصيادين يستطيعون الاصتياد بالبحر كما يريدون، وذلك لأن الأسطول الإسلامي لَم يعد يُبحر، وسبب هذا هو سلاح النار الإغريقية والرياح الشديدة والعواصف والتيارات المائية العاتية التي قد أحدثت أضراراً بالأسطول ودمرت عدداً من سفنه. في هذه الأثناء بدأ ليو يتواصل مع ترفل ملك الإمبراطورية البلغارية الأولى الذي كان دياره بجوار الروم فحرضه ليو على الانقضاض على المسلمين ومهاجمتهم لأنهم إن أسقطوا الدولة البيزنطية فسيتجه بني أمية مباشرة إلى دولة البلغار لفتحها، وكان محتوى وسال ليو: «أما بعد: فقد بلغك نزول العرب بنا، وحصارهم إيانا، وليسوا يريدوننا خاصة دون غيرنا من جماعة من يخالف دينهم، وإنما يقاتلون الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى، فما كنت صانعاً يوم تأتيهم الجزية، أو يدخلوا علينا عنوة، ثم يفضون إليك وإلى غيرك، فاصنعه يوم يأتيك كتابي هذا»، وفعلاً استجاب ترفل للنداء سريعاً، ونظراً لأن مسلمة لم يعلم بخبر هذه المراسلة فقد كتب له ترفل رسالة يقول فيها: «أما بعد: فقد بلغنا نزولك بمدينة الروم، وبيننا وبينهم من العداوة ما قد علمتم، وكلما وصل إليهم فهو لنا سار، فمهما احتجت إليه من مدد أو عدة أو مرفق فأعلمناه، يأتيك منا ما أحببتَ»، فكتب مسلمة إليه أنه فقط يحتاج إلى الميرة والسوق، فكتب إلى مسلمة يخبره أنه قام إعداد سوق كبيرة للمسلمين، فلما نزل المسلمون بذلك المكان يريدون التسوق على غير حذر أو خوف من عدو ـ وكان مسلمة قد ولى عليهم رجلاً ـ أحاطت بهم كتائب ترفل فقتلوا وأسروا عدداً من المسلمين، ثم عادوا إلى بلادهم. وجاء الخبر إلى مسلمة ومن معه من المسلمين فوجه جيش قوي كثيف إلى بلادهم عليه عبيدة بن قيس العقيلي وابنه شراحيل بن عبيدة، ومضى هذا الجيش حتى وصل لبلدهم وكان البلغار قد تجهزوا فتقاتلوا بشراسة حتى انتصر المسلمين، فقتلوا منهم عدداً ضخماً وأسروهم وسبوهم معهم وحرروا أسرى المسلمين منهم وفتحوا مدينة الصقالبة، وأراد عبيدة بعدها أن يتوغل في أرض البلغار ولكن مَسلمة طلب منه العودة، ورغم انهزام البلغار إلا أن نشاطهم العدائي على المسلمين لَم يتوقف، وأيضاً أتت قوات من الإفرنج فقاموا بعمليات إغارة على المسلمين عن طريق البحر. وأيضاً تواصل ليو مع خاقان الخزر ليساعده على تقوية جيش الروم فساعده. ووقعة البلغار اتفقت المصادر الإسلامية العربية على أنها حدثت بعهد سليمان بن عبد الملك وأن سليمان هو الذي أرسل جيش عبيدة بن قيس إلى مَسلمة لينتقم من البلغار، بينما المصادر الغربية تزعم أنها حدثت بعد وفاة سليمان في عهد عمر بن عبد العزيز.

Source: wikipedia.org