If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
إن المتتبع لجل الأساطير والخرافات العربية يجد أنها كانت على اتصال بالحيوانات، وهذا ليس بالغريب، إذا أمعنا النظر في طبيعة حياة العربي الاجتماعية في حله وترحاله وبيئته الصحراوية المفتوحة والموحشة التي جعلته يألف حيوانات فيحبها ويصفها في شعره، وأخرى يستوحش منها فيتوهم وجودها ثم يضفي عليها أوصافا وأشكالا غريبة تناثرت أخبارها في الشعر الجاهلي والمدونات العربية المذكورة آنفا.
ومن الأساطير العربية أسطورة الخلق القريشية نسبة إلى قبيلة قريش في مكة، فهي تقول: “إن الله خلق الأرض على حوت ، والحوت في الماء ، والماء على ظهر صفاة ، والصفاة على ظهر ملك ن والملك على صخرة والصخرة في الريح…”.
والملاحظ أن العرب الأوائل استهوتهم الحيوانات الضخمة والوحشية الخارقة فانطبع ذلك في مخيلتهم وطقوسهم وانبنت على ذلك بعض معتقداتهم وأساطيرهم، ففي “خرافة قريشية متأخرة أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهر الأرض، فوسوس إليه، وقال: أتدري ما على ظهرك يا لوتيا من الأمم الدواب والشجر والجبال وغيرها، انك لو نفضتها أو ألقيتها عن ظهرك، لكان ذلك أريح لك” وقد نطق الحيوان بما حبلت به مخيلة العرب ومعتقداتهم حول قضايا وجودية طالما أعيت العقل البشري مثل الموت والقضاء، ويشبه ذلك “ما فسر به سليمان –عليه السلام- حديث الهدهد حين يقول: “إذا نزل القضاء عمي البصر” والنسر يقول:” يا بن آدم عش ما شئت فإنك ميت”، ويتواتر ذكر الهدهد في المأثور العربي لارتباطه بحادثة بلقيس ملكة سبأ مع النبي سليمان –عليه السلام- ولقب بذلك أبو الأخبار، وزعموا “إنّ القنزعة التي على رأسه ثواب من الله تعالى ما كان من برّه لأمه لما ماتت جعل قبرها على رأسه، فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة” وفي ذلك يقول الشاعر أمية بن أبي الصلت:
غيم وظلماء وغيم سحابة أزمان كفن واستراد الهدهد
يبقى القرار لأمة يحبها فبنى عليها في قفاه يمهد
مهدا وطيئا فاستقل بحمله في الطير يحملها ولا يتأود
من أمه يجزى بصالح حملها ولدا وكلف ظهره لا تفقد
فتراه يدلح ماشيا بجنازة فيها ما اختلف الجديد المسند
ومثل هذه الخرافة ذكرت قبل ألف عام على لسان إيزوب في مسرحيات أريسطو فانيس حين قال: “لأنّ عقلك أعمى لا يسال عن شيء لم يتعود التفكير في إيزوب إذ يقول عن القبرة: ولدت قبل الأرض ثم مرض أبوها ومات، فقامت بكل الفروض الممكنة لإرقاد جثته ،ولكنها لم تستطع أن تقدّم له قبرا في أي مكان، لأنّ الأرض لم تكن قد وجدت حتى ذلك الوقت، وأخيرا ساقتها الحاجة الملحة عندما جاء اليوم الخامس إلى أن تدفن أباها في رأسها، فيا لها من مخلوقة مسكينة …”.
ويرجع الباحث الأستاذ داود سلوم هذا التشابه بين أرسطو فانيس وأمية بن أبي الصلت والجاحظ إلى أصل عراقي قديم استقى منه كل منهم والعجيب إن البيت الأول من نصّ أميّة بن أبي الصّلت يحيل إلى عوالم أسطورية تذكرنا بالنصوص اليونانية التي تحكي بدايات الوجود الأولى وهو يتوحد معها ليمنح الهدهد رمزية إيجابية لا نجدها في المأثور الشعبي الفرنسي حيث “يرمز للطائر الأبله في القرون الوسطى والعبارة الفرنسية “طائر الهدهد OISEAU D’ HUPPE” كانت في القرن الخامس عشر تعني “غر DUPE” حيث كانت كلمة عامية قبل أن تدخل في اللغة الدّارجة.
والنسر ككل طائر هو رمز الإعلاء الروحي وهو مثل “العقاب موقع سكناه عال جدا ويطير في الأعالي ويحلق بسمو، وفي العديد من مناطق العالم …، يعتبر العقاب طائر الرعد، وعقاب “زيوس[19] ZEUS” هو الرعد الشافي”، وتحكي أسطورة يونانية “أنّ غيمز الساقي ابن طرطوس ملك طروادة ، كان بديع الجمال فخرج يوما للقنص على جبل فنزل زيوس –رب الأرباب – بهيئة نسر فاختطفه إلى السماء ، فأقام في أولمب واتخذه زيوس ساقيا له ، ولهذا سمي الدلو ” و في نفس هذه الأجواء يحلق التفكير الأسطوري العربي ليحكي لنا “أن ” الغميصاء ” كانت هي و”سهيل ” و”الشعرى” في مجرة واحدة ، فانحدر سهيل والشعرى وعبر المجرة إلى اليمن، وبقيت الغميصاء وحيدة تبكي حزنا على فقدها سهيل –التي كانت تعشقه– حتى غمصت عيناها وكذا تبدو دائما في السماء أسيفة موجعة “.
وتنزل هذه الأسطورة من مستوى النجوم وأعالي الجبال إلى مضرب الأمثال حين يقال: “قد يقع بين الأخوين من الخلصاء ما وقع بين الشعريين العبور والغميصاء …” ومثل ما حدث لغيمز السّاقي اليونانيّ، تشير المصادر الأسطورية العربية أنّ الزّهرة كانت امرأة حسناء فصعدت إلى السماء ومسخت كوكبا”، وتدل الأبحاث الحديثة التي عرضت للفكر المبكر للإنسان أنّ مدى التّشابه في عمليات العقل البشري –هنا وهناك– إنما يظهر في مثل هذه الرمزية الأسطورية التي عرضناها، فحينما يتعالى النسر إلى أعالي الجبال ويتوحد بزيوس كبير آلهة الإغريق في الأسطورة اليونانية، تتوحد رمزية النسر مع الدهر في الأسطورة العربية والتي كان بطلها الحكيم لقمان بن عاد الذي سبق ذكره في مدخل هذا البحث بوصفه مؤلف خرافات –fabuliste- وقد وردت ” قصته في كتاب التيجان لوهب بن منبه بتفصيل مثير، حيث يدعو لقمان ربه أن يهبه طول العمر بقوله :
اللّهم يا ربّ البحار الخضر والأرض ذات النبت بعد قطر
أسألك عمرا فوق عمر
واستجاب الله لدعائه إذ سمع يوما هاتفا يناديه “أن قد أعطيت ما سألت، ولا سبيل إلى الخلود فاختر إن شئت سبعة بقرات من ظبيات عفر، في جبل وعر، لا يمسها قطر، وإن شئت بقاء سبعة أنسر، كلما هلك نسر أعقبه نسر. فكان اختياره بقاء النسور” وكان سابع النسور يدعى “لبد” وفسر راوي هذه القصة “لبد” بمعنى الدهر، بل أن لقمان نفسه عرف “لبد” بالأبد ،ومازال هذا المعنى متواتر إلى الآن على شفاه سكان المناطق الريفية من الغرب الجزائري تحت لفظ “لبدة” بمعنى “دائما”. ” فحين وافت المنية ذلك النسر السابع، وسقط مشرفا على الموت، ولم يطق أن ينهض، وتفسخ ريشه، هال لقمان هولا عظيما، ووقع موته منه موقعا جسيما، وناداه :انهض لبد أنت الأبد” [28].
وتزداد أحوال الحيوانات وأوضاعها وثاقة بتفكير ومعتقدات العرب قديما، فطائفة منهم تزعم أن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان “فإذا مات أو قتل لم يزل مطيفا به متصورا له صورة طائر يصدح على قبره، فإن كان قتل ولم يؤخذ بثأره، نادت الهامة على قبره: اسقوني فإني صدية، وفي هذا قال شاعر جاهلي:
يا عمرو إلا تذر شتمي ومنقصتي أضربك حتى تقول الهامة اسقوني”.