العربية  

books ain el fijeh water project

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

مشروع مياه عين الفيجة (Info)


في صيف العام 1920 سافر لطفي الحفار إلى مصر وتجول في شوارع القاهرة والإسكندرية، فأُعجب إعجاباً بالغاً بشبكة المياه المتطورة الممتدة داخل المدن الكبرى، مقارناً بينها وبين دمشق التي كان أهلها وقاطنيها يعتمدون فقط على مياه نهر بردى للشرب، الملوَّثة في معظم الأحيان والمولِّدة لكثير من الأمراض والأوبئة، مثل التفوئيد والزخار والكوليرا. قرر الحفار دراسة التجربة المصرية وتطبيقها في دمشق إن أمكن، فأجرى اتصالات مكثفة مع مساهمين سوريين مقيمين في القاهرة، يملكون أسهم في شركة المياه المصرية، وقام بزيارة مكاتب الشركة للاجتماع مع المدراء والمهندسين الفنيين العاملين بها. أعرب المساهمون السوريون عن رضاهم التام عن استثمارهم في هذا المشروع، وقالوا بأنهم لا يقبلون بيع أسهمهم مهما حققت لهم من أرباح، مشيرين إلا أن عائداتها السنوية تصل أحياناً إلى عشرون بالمئة من رأس مالهم المستثمر. عاد الحفار إلى دمشق بعد اكتمال معالم المشروع في ذهنه لإنشاء شركة أهلية مساهمة تهدف إلى جر مياه نبع عين الفيجة إلى العاصمة السورية، والتي كانت من أنقى وأبرد مياه الينابيع في الشرق الأوسط. عرض الفكرة على عارف الحلبوني فقبلها على الفور وقامت غرفة تجارة دمشق بتبنيها.

نظراً إلى الأقبية الرومانية القريبة من نبع الفيجة في سفح وادي بردى، تبين للحفار والحلبوني أن الرومان كانوا يستخدمون تلك المياه تفسها خلال حكمهم في دمشق قبل قرون عدة. الفكرة لم تكن جديدة أبداً فقد بدئها الوالي العثماني ناظم باشا عام 1905، عندما نقل تلك المياه الطبيعية إلى المدينة عبر أساطل، بلغت كميتها في ذلك الوقت ألفي متر مكعب في اليوم الواحد. عاد الحفار إلى سجلات بلدية دمشق وتبين له أن كلفة جر المياه عام 1905 كانت أربعون ألف ليرة ذهبية: 20 ألف لإيصال المياه من النبع إلى الحوض، و14 ألف من الحوض إلى المنهل، وستة آلاف ذهبه نفقات إنشاء وأجور عمال.  بعد إشباع مشروع ناظم باشا دراسةً توجه لطفي الحفار إلى رئيس بلدية دمشق يحيى الصواف وحصل على دعمه للمشروع، ثم طلب دراسة قانونية من صديقه فارس الخوري، قدمت أمام مجلس غرفة التجارة في كانون الثاني 1922 وتمّ تبنيها كحجر أساس لمشروع الفيجة. قرر تجار الشام تأسيس شركة مساهمة وطنية، كانت الأولى من نوعها بين القطاع العام والخاص، هدفها "نقل وتوزيع مياه نبع عين الفيجة على أهالي مدينة دمشق،" مقابل مبلغ من المال يدفعونه سنوياً عن كميات المياه التي يطلبون الاشتراك بها، شرط أن تكون مرتبطة بالملك، لا يجوز التنازل عنها أو بيعها إلا مع بيع العقار، ويتم تسجيل ملكية المياه في الصحيفة العقارية لجميع دور دمشق. شُكلت لجنة للحصول على الامتياز القانوني باسم "مدينة دمشق،" ضمت إضافة للحفار والحلبوني والخوري كل من الوجيه سامي باشا مردم بك نائب دمشق في الحكومة الفيدرالية السورية، وأنطون سيوفي نجل صاحب مصرف صباغ وسيوفي، وعطا العظمة ممثلاً عن بلدية العاصمة، ورئيسها يحيى الصواف. طلبت اللجنة استشارة فنية من حكومة الرئيس صبحي بركات، فأرسل المهندس المائي رشدي سلحب إلى غرفة التجارة، الذي قدّم تقريراً مفصلاً للأعضاء وقدّر أن تكاليف المشروع تصل إلى 150 ألف ليرة عثمانية ذهبية. قرر الحفار فتح الاكتتاب العام على هذا الأساس، بعد الحصول على كافة الموافقات القانونية، ليباع المتر الواحد من الماء بالتقسيط لمن يرغب بقيمة 30 ليرة ذهبية.

ولكن تبين له سريعاً أن شركتان فرنسيتان كانتا قد تأسستا في نفس الفترة، من خلف ظهر التجار السوريين، يطمحان للحصول على نفس الامتياز، مدعومين من قبل عدد من المستشارين الفرنسيين المقيمين في بيروت. تقدم الحفار بالطلب إلى ما كان يعرف بلجنة "الدروس الاقتصادية" التي كان يرأسها المفوض السامي ماكسيم ويغان، وكانت تجتمع في بيروت نهاية كل شهر، ولكن الطلب قوبل بالمماطلة والتأجيل المتكرر من قبل الموظفين الفرنسيين وأعوانهم من السوريين واللبنانيين.

عند سؤاله عن السبب جاء أحد المستشارين الفرنسيين، السيد شوفالير، وتحدث مع لطفي الحفار بكل صراحة قائلاً:

أنت يا مسيو حفار تطالب بأخذ امتياز لجلب مياه عين الفيجة إلى دمشق بواسطة مشروع اسمح لي أن أقول لك أنه مشروع خيالي لم يسبق أن قام على مثله عمل فني ومالي. عدا أن أهالي مدينتك الذين يشربون من مياه نهر بردى مجاناً لا يعطوك ولن يعطوك 150 ألف ليرة ذهبية عثمانية لتحقيق مشروعك. لهذا كله أنصحك أن تتفاوض مع شركة مياه بيروت أو شركة الكومندان فيريه لتحقيق المشروع لأن لديهما الخبرة الفنية والمقدرة المالية للقيام به على أحسن وجه، وثق جيداً بأن المراجع العليا هي التي أوعزت إلي أن أقدم لك هذه النصيحة، وبذلك نضمن لك الآن وفي المستقبل فوائد مادية كبيرة لا يمكن أن تحقق منها شيء في مشروعك الخيالي.

اجتمع هذا الرجل مع لطفي الحفار وعارف الحلبوني كل على حدا وعرض عليهما رشوة كبيرة، تكون عبارة عن أسهم بالشركة الفرنسية بقيمة عشرون ألف ليرة ذهبية، وعضوية دائمة في مجلس الإدارة مع عائدات سنوية لا تقل عن 500 ليرة عثمانية. شرطه الوحيد طبعاً كان أن يسحبوا طلبهم المقدم باسم تجار الشام إلى المفوضية العليا في بيروت. تظاهر الحفار بقبول العرض وأشيع ذلك في الأوساط السياسية بطلب مباشر منه، لكي يأمن جانب المستثمرين الفرنسيين، وقال للجميع بأنه فعلاً انسحب من المشروع، ثم سافر بعدها إلى بيروت لحضور الجلسة الشهرية للجنة الاقتصادية برئاسة ماكسيم ويغان، وفور دخوله عليه، فاتحه بموضوع الامتياز مجدداً. استغرب الجنرال الفرنسي سؤاله عن المشروع كونه علم أن السوريين قد انسحبوا منه كلياً، فصارحه الحفار بكل ما حدث، وبكل التهديدات والرشاوى. استمع ويغان إلى كل شيء وأبدى إعجابه بموقف الرجل وإصراره، فقام بتوقيع الامتياز في اليوم التالي وقدّمه للحفار بنفسه، قائلاً: "هذا مشروعكم موقّع مني فأنا لا أستطيع إلا الموافقة عليه بعد أن رأيت فيك هذا الاندفاع ولكني أرجو أن تنجح هذه التجربة."

كان ذلك في شباط عام 1924 أي بعد حوالي السنتين من الأخذ والرد المتواصل. بدأت الأعمال الإنشائية فوراً ولكنها توقفت بعد سنة ونصف سنة بسبب اندلاع الثورة السورية الكبرى. بعدها تشكلت لجنة جديدة لإعادة تفعيل المشروع بعد انقطاع دام ثلاث سنوات ضمت عدد من الوجهاء: لويس قشيشو من المسيحيين وإكليل مؤيد العظم عن عائلات دمشق الكبرى، وموسى طوطح عن مجلس الطائفة اليهودية، ومحمد سعيد اليوسف، نجل أمير الحج الدمشقي أيام العثمانيين، عبد الرحمن باشا اليوسف. قاموا بإنشاء جمعية ملّاكي المياه، ذهبت رئاستها لعبد الحميد دياب، التاجر والصناعي الذي ارتبط اسمه لاحقاً بالشركة الخماسية. طلب لطفي الحفار من المؤسسين تأجيل أقساط كل المستثمرين وأصحاب الأسهم الذين تضرروا من تدمير أملاكهم ومتاجرهم خلال العدوان الفرنسي على دمشق، ونتيجة زيادة عدد سكان دمشق من النازحين بسبب تلك الأحداث الدامية رفع عدد العمال إلى 2500 لحفر أربعين نفق في الجبال بين دمشق ونبع الفيجة، ووضع خزان جديد على أعلى قمة من جبل قاسيون، بسعة 10 آلاف متر مكعب، أكبر بأربع مرات من خزان الصالحية، لتلبية حاجات سكان دمشق الجدد. تم تدشين المشروع بعد عشر سنوات من بداية الحلم في 3 آب 1932 بحضور رئيس الجمهورية المنتخب قبل أسابيع محمد علي العابد، الذي خطب وبارك جهود الأهالي والتجار، ثم تلاه فارس الخوري على المنبر، بصفته أحد الآباء المؤسسين لمشروع الفيجة، وخاطب الحضور قائلاً: "أجل إن أمّتنا فقيرة بالمال ولكنها غنية بالإيمان الوطني، ومتى كان للأمة إيمانها فإنها تكون قادرة على صنع المعجزات."

Source: wikipedia.org
 
(1)
Ocean Water

Ocean Water