If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
اقتبس أكبر النظام الإداري الذي طبقه شير شاه السوري من قبل، وأجرى عليه تعديلات تتناسب مع تطور الحياة السياسية في الهند ليكون أكثر فاعلية. وكان يتولى الحكم بنفسه من دون مساعدة رئيس وزراء، يعاونه أربعة وزراء، وبعض العاملين في البلاط، وقيِّم البلاط ورئيس الطهاة. ومن مجموع هؤلاء كان يتألف مجلس السلطان الخاص الذي كان يقدم له النصح والمشورة، ويحتفظ أكبر لنفسه باتخاذ القرار اللازم في نهاية الأمر بوصفه الپادشاه فهو صاحب السلطان المطلق في الدولة الذي يوجه أمورها وفق هواه، لا يحد من إرادته أو يفق في وجهه قانون أو دستور، وهؤلاء الموظفون هم:
إلى جانب هؤلاء كان هناك فريق آخر من أصحاب المناصب المهمة، دونهم في المنزلة، مثل المستوفي، ومحاسب الدولة الأول، والكوتول وهو بمثابة رئيس الشرطة وكان يوكل إليه حراسة المدينة في الليل والبحث عن اللصوص وقطاع الطرق ومراقبة السكان ورقابة الأسواق، وصاحب البريد، وأمير العرض الذي يرفع إلى السلطان الالتماسات والشكاوى.
ينص المؤرخون أن أكبر كان حريصًا على ضمان العدل في دولته، فكان ينظر بنفسه في القضايا الكبرى التي كان على عماله بولايات الدولة أن يبعثوا بها إليه، كما كان يفتح أبوب قصره للناس يومًا معلومًا في كل أسبوع ليتلقى منهم مظالمهم بنفسه، أو يتلقاها من ينيبه عنه من ثقاته حين كان يتغيب عن مقره. وكان صدر الصدور "المفتي" وقاضي القضاة ومساعدوهم يعاونونه في الفصل في ذلك كله وفق قواعد الشريعة الإسلامية، مع مراعاة رسوم الهندوس وشرائعهم فيما يعرض لهم من مشاكل ويقوم بينهم من خصومات، وكان كتبة السر يحرصون على تدوين قراراته هذه. أما الإدارة فكانت متشعبة بحيث يجري تسجيل كل قضية بما يلزم من الإيضحات والبيانات اللازمة، ويقتضي لكل هذه المعاملات عدد كبير من الموظفين والكتبة. ولضبط غلال الأرض والمحاصيل وجباية الرسوم، كان لا بد أيضًا من عدد كبير من المحاسبين والكتبة، ومثلهم لتولي شؤون المال والتحصيلات، وغيرهم من المحاسبين والمفتشين لضبط القيود والإشراف على عمليات الجرد. وكان آلاف من الكتبة يسجلون بشكل يومي مجموع واردات الدولة ومداخيل الضرائب ومصروفات السلطان، كما يسجلون الحوادث البارزة في البلاد، ويضبطون أسماء الأجانب الذي يدخلون البلاد، مع بيان أسماء البلدان التي قدموا منها وهدف زيارتهم.
ينص المؤرخون أن أكبر كان شديد العناية برفاهية شعبه، فبذل جهده لكي يرفع من نزل بهم من الضيم، ففتح بابه للشاكين، وجعل عليه ناقوسًا يدقه كل من أراد أن يقدم شكوى إليه، وساعد المزارعين وثبت ملكياتهم للأراضي، وتجاوز عن ديونهم المتأخرة، وامتنع عن جعل أسارى الحرب عبيدًا، وشجع علماء الهندوس على تعلم اللغة السنسكريتية، وأمر ولاته أن يحيطوا علمًا بأوضاع رعيتهم، ويعاملوا الناس معاملة حسنة، ويحسنوا إلى الفقراء وألا يعفوا عن المجرمين، ولا يقبلوا الهدايا، ولا يتعرضوا على المخالفين لهم في الدين، ويلاحظوا دخل الناس حتى إذا زاد خرجهم كان ذلك دليلًا على اكتساب غير مشروع، ومنع اغتسال الرجال والنساء في الأنهار سويًا.
لم تكن الدولة الإسلامية في الهند قبل عصر أكبر تعرف التقسيمات الإدارية في الغالب باستثناء ما استحدثه شير شاه في هذا الباب، إذ كان تحديد الإقطاعات مرتبطًا بمشيئة السلطان وحده. انتهى أكبر إلى تقسيم أراضي الدولة إلى ولايات أو «صوبة (تقسيم إداري) » (بالفارسية: صوبه، وبالأردية: صوبہ)، وتقسم الولاية نفسها إلى عدد من الأقضية أو «سركار (تقسيم إداري) » (بالأردية: سركار)، وكل قضاء إلى عدة دساكر أو «بركنا » (بالفارسية: پرگنه، وبالأردية: پرگنہ)، وكانت هذه الولايات في البداية اثنتي عشرة ثم أضحت خمس عشرة ولاية بعد فتح الدكن. يرأس الولاية حاكم أو قائد عام «صوبه دار » (بالفارسية: صوبهدار)، وهو نائب السلطان بها، ولم يكن له أن يدخل في حرب أو يبرم تحالف أو صلح دون مشورة السلطان ورأيه، ويشرف على شؤون القوات العسكرية والقضاء في ولايته، وله ان يعين ويقيل صغار العمال، ولم يكن له أن يتدخل في الأمور الشرعية التي هي من اختصاص الصدر وحده، أو يصدر الحكم بالإعدام دون إذن السلطان نفسه. ويليه في المنصب ثمانية من أصحاب المناصب الكبيرة يستطيع السلطان من خلالهم الاطلاع على كل ما يجري في الولايات وهم، الديوان، والصدر، والعامل، والبتخشي، والخزندار، والفوجدار، والكوتول، ووقائع نويس. بالرغم من أن أكبر قد أحكم نظام الرقابة على عماله جميعًا في مختلف الولايات، فإن صعوبة المواصلات وترامي المسافات مع اشتغال الدول نفسها بالحروب والغزوات المتواصلة في الغالب قد أضعف من جدوى هذا النظام، حتى صار حكام الأقاليم يتصرفون عمومًا وفق هواهم وعلى مسؤوليتهم الخاصة.
امتدت إصلاحات أكبر إلى نظام خراج الأرض الذي يعد أهم موارد الخزينة بعد رفع ضريبة الرؤوس عن كاهل الهندوس وإعفائهم من ضريبة الحج. فحاول أن يزيد واردات الدولة المالية بإجراء بعض التحسينات على الوضع الاقتصادي، فعهد إلى راجا تدرمل وزير ماليته بوضع نظام ثابت لخراج الأرض يوفي للدولة حقوقها المالية من جهة ولا يرهق كاهل السكان من جهة أخرى، فعمد الأخير إلى مسح أراضي الدولة كلها وبيان ما يجود منها فيُزرع على مدار السنة، وما يُزرع منها مرة واحدة في العام، ومال يُنبت إلا مرة واحدة في كل بضعة أعوام، وما يعتمد منها في السقي على الأمطار، وما يسقى منها من الأنهار والينابيع والآبار، وما هو في حكم البور، وما يقع منها في السهل أو يقوم على سفوح الجبال أو تغطيه الأحراش والغابات. ثم ربط الضريبة على متوسط الإنتاج في عشر سنوات، على أن يكون للدولة ثلث المحصول نقدًا بعملة العصر، وكانت الصنع مالم يصب الزرع بآفة أو ينقطع الماء عن الأرض فتجدب. كذلك حاول أكبر أن يدرأ عن بلاده خطر المجاعات التي كانت تداهمها حين تجدب الأرض بسبب انحباس الأمطار الموسمية عنها، فاهتم باستصلاح الأراضي البور، وحض السكان على الاشتغال بالزراعة وتوسيع رقعة الأراضي الزراعية، وأمدهم بما يحتاجونه من البذور وما يعاونهم على زيادة إنتاج الأرض. كان من ثمرة هذه الجهود أن نعم الناس في الغالب بحياة طيبة لم يألفوها منذ زمن بعيد، وازدهرت معيشتهم، وصارت الأسعار في متناول أيديهم جميعًا.