العربية  

books leonardo da vinci

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

ليوناردو دا فينشي (Info)


ليوناردو دي سير بيرو دا فينشي (بالإيطالية: Leonardo da Vinci) ‏(14 أو 15 أبريل 1452 - 2 مايو 1519) هو فنان ومخترع إيطالي كثيرُ المعارف عاش في عصر النهضة، ويشتهر بإنجازاته العلمية واختراعاته وبأنه كان رسامًا ونحاتاً وأديباً ومعمارياً وموسيقياً ورياضياتياً ومهندساً وفلكياً وجيولوجياً ونباتياً وإحاثياً وخرائطياً. ويقالُ عنه أنه أبُ الهندسة المعمارية وعلم الإحاثة (أي المتحجرات أو الأحياء القديمة)، ويعدّه الكثيرون أعظم رسَّام في التاريخ، ولو أن قلَّة من رسوماته تبقى في زمننا الحاضر.

وُلِدَ ليوناردو دا فينشي لأبوَيْن غير متزوِّجَيْن قانوناً، وكان والده بيرو دا فينشي كاتب عدل وأما والدته كاترينا ففلاَّحة، وعاش كلاهما في بلدة فينشي بإقليم توسكانا، وهي بلدةٌ في جمهورية فلورنسا آنذاك. تلقَّى ليوناردو تعليمه في مرسم فنَّانٍ إيطالي ذائع الشهرة حينئذٍ، وهو أندريا دل فروكيو، وانتقل فيما بعد إلى مدينة ميلان فأمضى فيها جُلَّ شبابه بخدمة الدوق لودوفيكو سفورزا، ثُمَّ انتقل منها إلى روما وبولونيا والبندقية، وعاشَ الأعوام الثلاثة الأخيرة في حياته بفرنسا وتوفَّته المنيَّة فيها سنة 1519.

ينالُ ليوناردو دا فينشي جُلَّ شهرته من الرَّسْم، فأشهرُ لوحاته هي الموناليزا، وهي -كذلك- أشهر لوحة لشَخْصٍ رُسِمَت قط، وأما العشاء الأخير فهي أكثرُ لوحةٍ دينية أُعيدَ رسمُها في التاريخ كافّة، وللوحة الرجل الفيتروفي قيمة أيقونية تعرفُ بها في شتّى الأنحاء. وبيعت لوحة سالفاتور مندي بمبلغ قياسي في 15 نوفمبر سنة 2017 هو 450.3 مليون دولار أمريكي في مزاد كريستيز العَلَنِيّ، وهذا أعلى ثمنٍ بيعَ لقائه عمل فني في التاريخ أجمَعْ. ولما تركهُ دا فينشي من لوحاتٍ ورسوماتٍ تخطيطية ومذكّرات وكتيّبات شخصية قيمة فنيَّةٌ هائلةٌ، وخصوصاً لما فيها من رسومٍ علمية ومسودّات وأفكارٍ عن كينونة الرَّسْم، ولما تركهُ فيمن بعده من الفنَّانين أثرٌ لا يعدلهُ فيه إلا مايكل أنجلو.

لم يَنَلْ دا فينشي تعليماً أكاديمياً خلال حياته، على أنَّ الكثير من المؤرِّخين والباحثين يرونَ فيه مَثَلاً أعلى لنبوغه بشتّى المجالات ولحمله روح "رجل عصر النهضة" ولفضوله النَّهِمِ ولخياله المُتيَّم بالابتكار، فيشادُ به على أنَّه من أكثر من تعدَّدت مواهبهم في تاريخ البشرية، وتقول مؤرّخة الفن هيلين غاردنر أنَّه لم يسبقهُ إنسانٌ في تعدّد مواهبه وعمقها، "فيبدو عقله وشخصيته غير بشريَّيْن لنا". ويرى الباحثون أن نظرة دا فينشي إلى العالم كانت مبنيَّة على أساس المنطق الرَّاسخ.

تحظى اختراعات دا فينشي العلمية باحتفاءٍ كبير، فقد وَضَعَ في فترة حياته مُخطَّطاتٍ لآلات حديثة كثيرة منها آلة طيران ومركبةٌ مُدرَّعة للقتال ولاقطٌ للطاقة شمسية وآلة حاسبة وبدن مزدوج للسّفن، ولم يُبْنَ من هذه الاختراعات في زمنه إلا قسمٌ قليل بل إنَّ بناء معظمها لم يكُن ممكناً حينذاك، إذ كان المنهج العلمي في الهندسة وسَبْك المعادن ما يزالُ في مَهْدِه. على أن ثُلَّة من اختراعات دا فينشي البسيطة ظهرت في المصانِعِ أثناء عصر النهضة وحقَّقت نجاحاً جمّاً، ومنها مغزلٌ مُؤَتْمَت وآلة تؤدّي اختبار الشد (للتحقّق من احتمال الأسلاك)، كما ينسبُ إليه اختراع المِهْبَطَة أو المِظلَّة والمروحية والدبابة، ولهُ اكتشافاتٌ كبيرة في علم التشريح والهندسة والجولوجيا والبصريَّات وجريان الموائع، لكنَّ جُلَّ هذه الاكتشافات لم يكُن لها أثرٌ يذكرُ على تطوّر العِلْم لأنها لم تُنشَر قطّ.

حياته

ليوناردو هو ابن كاتب عدل اسمه بييرو دا فينشي وفتاة قروية فلاحة تُدعى كاترينا، ووُلِدَ في بلدة فينشي في منطقة فلورنسا، وتلقَّى ليوناردو تعليمه في مرسم الفنَّانٍ الإيطالي بفلورنسا أندريا دل فروكيو، وأمضى مطلع حياته المهنية في خدمة الدوق لودوفيكو سفورزا في ميلانو، كما عمل لاحقًا في روما وبولونيا والبندقية، وعاش أعوامه الأخيرة في منزل في فرنسا أهداهُ إيَّاه الملك فرانسوا الأول.

نشأته وطفولته

ولد ليوناردو في 14 أو 15 أبريل 1452 في بلدة فينشي الواقعة في تلال إقليم توسكانا؛ وهي بلدة مطلة على وادي نهر أرنو (وهو كذلك نهرٌ يمرّ بفلورنسا)، وكان إقليم توسكانا آنذاك ضمن جمهورية فلورنسا التي حكمتها أسرة ميديشي. وجاء مولد ليوناردو بسبب علاقة غير زوجية بين كاتب عدلٍ غني من فلورنسا يدعى السيد بييرو فروزينو دي أنطونيو دا فينشي وفلّاحة تدعى كاترنيا، وظَنَّ المؤرّخون سابقاً أن اسمها كان كاترينا بوتي ديل فاكا، على أن المؤرخ البريطاني مارتن كيمب وجد أن اسمها كاترينا ميو ليبي، ولطالما انكبَّ الباحثون على التكهّن بأصول والدة ليوناردو، فتارةً يُقال أنها أَمَةٌ من بلادٍ أجنبية وتارةً أنها شابةٌ فقيرة من إيطاليا. ولم يكن لليوناردو اسم عائلة بالمعنى الحديث للكلمة، إذ تعني كلمة "دا فينشي" أنه من بلدة فينشي؛ فكان اسمه الكامل عند الولادة ليوناردو دي سير بييرو دا فينشي (بالإيطالية:Lionardo di ser Piero da Vinci)، والذي يعني "ليوناردو ابن السيد بييرو من بلدة فينشي."

أمضى ليوناردو طفولته في منزل أمه في نجع أنكيانو ، وانتقل منه إلى منزل العائلة (منزل جده ووالده وعمه) في بلدة فينشي عام 1457 (على أقل تقدير)، وتزوج والده حينئذٍ من فتاة في السادسة عشرة اسمها ألبييرا أمادوري، وأحبَّت ألبييرا الصغير ليوناردو ولكنها توفيت شابَّة دون أن تنجب.،عندما بلغ دا فينشي السادسة عشرة من عمره تزوج والده مرة ثانية من فرانشيسكا لانفريديني، التي كان عمرها عشرين عامًا، وقد وافتها المنية أيضًا دون أن تنجب أطفالًا، فتزوَّج والده للمرة الثالثة من مارغريتا دي غوليالمو وأنجب منها ست ورثة شرعيين، ثم تزوج للمرة الرابعة والأخيرة من لوكريزيا كورتيجياني، التي غمرته بستة أبناءٍ آخرين. وكان لليوناردو اثنا عشر أخٍ غير شقيق يصغرونه بسنوات عديدة، ووُلِدَ أصغرهم وهو في الأربعين من العمر، ممَّا أضعفَ علاقته معهم.

تعلَّم ليوناردو اللغة اللاتينية والهندسة والرياضيات تعليماً غير منتظمٍ أي غير رسمي، وسجل في مذكّراته حفنةً من الأحداث المميزة من طفولته، أحدها أن طائر حدأة تسلَّق إلى سريره ليلاً ووضع ذيله في فمه؛ واعتبرها علامة على كتابته في هذا المجال. وفي حادثة أخرى كان يتجول في الجبال، فعثر على كهفٍ وتملكه شعوران: الأول خوفٌ من الكائنات التي قد تكمنُ داخله والثاني فضولٌ لاكتشاف ما فيه، كما دوَّنَ ليوناردو بعض ما التقطته ذاكرته من أمورٍ شغلته في طفولته، كالماء والكتابة وشطب اسم بلدته في دفترٍ من دفاتره.

لطالما تكهَّن الباحثون ووضعوا نظريات حول السنوات الأولى من حياة ليوناردو، وروى كاتب من القرن السادس عشر اسمه جورجو فازاري، وهو كاتبِ سير ذاتية عن رسامي عصر النهضة، قصةً عن طفولة ليوناردو يقولُ فيها: أن قروياً صنع لنفسه درعاً مدوراً وطلب من والد ليوناردو السيد بييرو أن يطليه له، لكن ليوناردو استلم طلائها، فجاء الطلاء من وحي أسطورة ميدوسا التي لطالما ألهمت ليوناردو، فتجلَّى هذا الإلهام في صورة لوحة مرعبة لوحشٍ ينفث النار، واضطُر والده لشراء درعٍ آخر للقروي وباع الدرع الذي رسم عليه ليوناردو لتاجر فنٍ من فلورنسا مقابل 100 دوكات، وباع هذا التاجر الدرع لدوق ميلان.

تدريبه في ورشة فروكيو

كان ليوناردو دا فينشي مُسجلاً كمقيم في مدينة فينشي حتى عام 1468، لكنه عاش تلك الفترة غالبًا في فلورنسا، وهي مكان عمل والده، ويظنّ لجورجيو فازاري أن السير بييرو انتقل للعمل في فلورنسا، وعاد منها في عام 1462 مع عائلته، وعرض الأب بييرو على صديقه فروكيو بعض رسومات ليوناردو الصغير لإقناعه بضم ليوناردو لورشته، لكنهم قرروا إدخال ليوناردو إلى ورشة فروكيو في وقت لاحق لصعوبة تعلم المهنة بسنّ العاشرة.

كان واضحاً للجميع اهتمام الشاب ليوناردو بفن الرسم وصناعة أشياءٍ خيالية، وفي عام 1468 أرسل السير بييرو ابنه إلى ورشة فروكيو فأصبح ليوناردو متدربًا وهو في سن السابعة عشرة، وبقي متدرباً لسبع سنوات. وكانت ورشة فروكيو في تلك الفترة واحدة من أهم المشاغل في فلورنسا ومكاناً خصباً لصقل المواهب، وكان فروكيو نفسه رائداً في الرسم والنحت في فلورنسا، بل وترمز ورشة فروكيو لبعض من أسماء مشاهير رسامي عصر النهضة الإيطالية، فكانوا متدربين فيها أو أنُجزِت بها بعضُ أعمالهم، ومن أشهر هؤلاء الرسامين: بيترو بيروجينو ودومنيكو غرلاندايو وساندرو بوتيتشيلي ولورينزو دي كريدي. وتعلم دا فينشي في ورشة فروكيو مهارات ومفاهيم علوم وتقنيات مختلفة بـأساليب نظرية وعملية متعددة، من بينها رسم الآلات والكيمياء وعلم الفلزات وقوالب القصارة والحِرف الجلدية وعلم الآليات والمشغولات الخشبية، وتدرب كذلك على مهارات التصوير والرسم والنحت وتصميم النماذج.

رسم المتدربون والعاملون في ورشة فروكيو الكثير من اللوحات خلال فترة تدريبهم، ويقول أحد الباحثين أن ليوناردو دا فينشي تعاونَ مع فروكيو في رسم لوحة معمودية المسيح، إذ تولَّى ليوناردو رسم الملاك الصغير ماسكًا رداء يسوع بأسلوبٍ فاقَ أسلوبَ عمل معلمه "لدرجة أن فروكيو وضع الفرشاة من يده ولم يرسم بعدئذٍ لوحة أخرى"، لكن من الغالب أن هذه قصة مُلفَّقة، ويكشف الفحص الدقيق للوحة عن أجزاء رُسمت أو أُعيد رسمها فوق التمبرا بأسلوب الرسم الزيتي، وهي أحدث تقنيات الرسم في زمن اللوحة، من هذه الأجزاء: المناظر الطبيعية والصخور (الظاهرة عبر مجرى الجبل البني) وجانبٍ كبيرٍ من صورة يسوع وهو يقفُ شاهداً على ريشة ليوناردو. ويُعتقد أيضاً أن ليوناردو ألهمَ عملين من أعمال فروكيو: وهما التمثال البرونزي لديفيد في بارجيلو والملاك روفائيل في لوحة طوبيا والملاك.

تأهل ليوناردو وهو في سن العشرين (في عام 1472) ليصبح عضواً بمرتبة محترف في نقابة القديس لوقا، وهي نقابةٌ للفنانين والأطباء حينذاك، ولم تنقطع صلة ليوناردو بمعلمه فروكيو منذئذٍ وإنَّما بقي يعيش معه ويعملُ معه حتى بعد أن فتح والده ورشة عملٍ له، وتُعد لوحة منظر طبيعي لتوسكانا أقدم أعمال ليوناردو المعروفة تاريخاً، ويقالُ أنها أول رسمٍ "نقي" لمنظر طبيعي في الفن الغربي، وهي رسم أولي بالقلم والحبر لوادي أرنو. ويقولُ أحد الباحثين أنَّ الشاب ليوناردو أول من اقترح جعل نهر أرنو قناة للملاحة بين فلورنسا وبيزا.

حياته المهنية

تلقى ليوناردو طلباً شخصياَ لرسم مذبح كنيسة سانت برنارد في قصر فيكيو في شهر يناير عام 1478، وهذا يدلَّ على أنه استقلَّ حينذاك عن ورشة فروكيو، ويَذكرُ مجهول غاديانو أنَّ ليوناردو عاش في عام 1480 مع عائلة ميديشي وعمل في حديقة ساحة سان ماركو (فلورنسا) التي اِلتقى فيها أعضاء الأكاديمية الأفلاطونية الجديدة للفنانين والشعراء والفلاسفة، وهي أكاديمية نظَّمت عائلة ميديشي سائر شؤونها وجميع نشاطاتها. في مارس 1481، كلف الأوغسطينيين (في دير سان دوناتوو في سكوبيتو) ليوناردو برسمِ لوحة عشق المجوس، لكن ليوناردو اضطرَّ للسفر لخدمة دوق ميلانو لودوفيكو سفورزا، فظلَّت اللوحة مسودَّة غير مكتملة. وفي عام 1482، صنع ليوناردو آلة وترية من الفضة وجمجمة حصان وقرون كبش جلبها لسفورزا وكتب له رسالة يصف فيها نجاحه ومهارته في مجالات متنوعة مثل الهندسة وتصميم الأسلحة، وذكر أيضاً أنه رسَّام.

عمل ليوناردو في ميلانو بين عامي 1482 و1499 وكُلِّفَ برسم لوحة عذراء الصخور لـ"أخوية الحبل بلا دنس" ولوحة العشاء الأخير لدير سانتا ماريا ديلي غراسي. وفي ربيع عام 1485، سافر ليوناردو إلى مملكة المجر نيابة عن سفورزا لمقابلة الملك ماتياس كورفينوس، فكلَّفهُ الملك برسم مادونا، وهي لوحة لمريم العذراء، وانخرط ليوناردو منذئذٍ في مشاريع عديدة مع الملك سفورزا، من ضمنها تجهيز الطوافات والمواكب للمناسبات الخاصة وإعداد رسم ونموذج خشبي لمسابقة تصميم قبة كاتدرائية ميلانو، ولو أنَّهُ انسحب منها فيما بعد، وكذلك تصميم نموذج لتمثال فروسية ضخم لفرانشيسكو سفورزا الأول (وهو سلف الملك لودوفيكو سفورزا)، وكان من المُخطَّط أن يفوق حجم هذا التمثال أحجام التمثالين الكبيرين للفروسية لعصر النهضة، وهما تمثال كاتاميلاتا لدوناتيلو في مدينة بادوفا وتمثال بارتولوميو كوليوني لفوروكيو في البندقية، وأكمل ليوناردو نموذجًا للحصان ووضع خططًا تفصيلية لصبه، ولكن الملك لودوفيكو قرَّر في نوفمبر 1494 إعطاء البرونز المُخصَّص للتمثال لصُنْع مدافع للدفاع عن المدينة من شارل الثامن ملك فرنسا، وعُرف هذا التصميم باسم "الحصان العظيم" أو "حصان ليوناردو".

فرَّ ليوناردو من ميلانو برفقة مساعده سالاي وصديقه عالم الرياضيات لوكا باتشولي واتجهوا إلى البندقية بعد سقوط ميلانو في أيدي الفرنسيين بمطلع الحرب الإيطالية الثانية. وعمل ليوناردو مهندساً ومصمماً عسكرياً في البندقيّة، وابتكر أساليباً دفاعية ضد الهجمات البحرية، وعاد ليوناردو في عام 1500 إلى فلورنسا وحلَّ مع أسرته ضيفًا على رهبان دير سانتيسيما أنونزياتا، ومنحه هؤلاء الرهبان ورشة يعملُ فيها، ويقول فازاري أن ليوناردو رسم في هذه الفترة لوحة العذراء والطفل مع القديسة آن والقديس يوحنا المعمدان، وهي لوحة من عدة صفحات ملتصقة فوق بعضها مثل رسومٍ متحركة، وحظيت هذه اللوحة بإعجاب هائلٍ وتوافد "الرجال والنساء والصغار والكبار" لرؤيتها "كما لو كانوا بمهرجانٍ عظيم".

عمل ليوناردو في عام 1502 في تشيزينا لتشيزري بورجا، وهو نجل البابا إسكندر السادس، ووضع ليوناردو مخططاً لمعقل تشيزري بورجا وكان المُخطَّط بمثابة خريطة لمدينة إيمولا، وكان هدفه كسب عطفَ ودعم تشيزري، وعُدَّت الخرائط حينذاك قطعاً نادراً وجديداً، ووظَّف تشيزري ليوناردو بعد رؤيته للخريطة، فأصبح ليوناردو مهندساً ومصمماً عسكرياً لتشيزري وسافرَ معه أيضاّ لشتّى أنحاء إيطاليا. وفي وقت لاحق من عام 1502 رسم ليوناردو خريطةً أُخرى لوادي شيانا في توسكانا، وساعدت الخريطة تشيزري لأن فيها مسحاً دقيقاً للأرض ودلالةً على موقعٍ استراتيجيّ مهم عسكرياً، وتزامن وضعُ هذه الخريطة مع مشروع ليوناردو ببناء سدٍ يمتدّ من البحر إلى فلورنسا، وهدف السدِّ أن يتدفَّق الماء في القناة طوال فصول السنة.

بأوائل عام 1503، عاد ليوناردو إلى فلورنسا بعد أن ترك خدمة تشيزري بورجا، وانضمَّ ثانية إلى نقابة القديس لوقا في 18 أكتوبر من نفس العام، وبدأ ليوناردو كذلك في أكتوبر بالعمل على لوحة شخصية للسيدة ليزا ديل جوكوندو، وهي نموذج لوحة الموناليزا الشهيرة، والتي واصَلَ العمل عليها حتى أيام حياته الأخيرة. وفي يناير عام 1504، دُعِيَ ليوناردو إلى لجنة للتوصية بمكان تشييد تمثال داود لميكيلانجيلو، وأمضى بعدها عامين في فلورنسا يُصمِّمُ ويرسم خلالهما اللوحة الجدارية لمعركة أنغياري بطلبٍ من الحكومة لتزيين قاعة قصر فيكيو، وشارك ميكيلانجيلو في هذا العمل أيضاً، فصمَّمَ اللوحة الجدارية الثانية وهي معركة كاشينا.

في عام 1506، عاد ليوناردو مجدداً إلى ميلانو بعد أن استدعاه تشارلز الثاني دو امبواز، وهو القائم بأعمال الحاكم الفرنسي بميلانو، زرَغِبَ مجلس مدينة فلورنسا بعودته على الفور لإنهاء لوحة معركة أنغياري، لكن الإجازة مُنحت بناءً على طلب لويس الثاني عشر لأنه نوى تكليف ليوناردو ببعض أعمال التصوير (أي رسم لوحةٍ لشخص)، ومن المحتمل أن ليوناردو بدأ بمشروع تمثال دو امبواز للفروسية، ولهذا التمثال نموذج من الشَّمْع، وإذا كان ليوناردو هو صانع نموذجه الشمعي فهو المثال الوحيد الباقي على منحوتات ليوناردو. وفيما عدا ذلك كان ليوناردو حراً في الانكباب على اهتماماته العلمية في ميلانو، وعمل العديد من تلاميذ ليوناردو البارزين معه أو عرفوه في ميلانو، ومن بينهم برناردينو لويني وجيوفاني أنطونيو بولترافيو وماركو دوجيو، وفي عام 1507 ذهب ليوناردو إلى فلورنسا ليحل نزاعاً قائماً مع إخوانه حول أملاك والده الذي توفي عام 1504. وفي عام 1508 عاد ليوناردو إلى ميلانو وعاش في منزله في بورتا أورينتال في أبرشية سانتا بابيلا.

شيخوخته ووفاته

بينما كان ليوناردو يعمل على صناعة تمثال للفروسية للأرستقراطي الإيطالي جيان جياكومو تريفولزيو في عام 1512، غزا تحالف القوات السويسرية والإسبانية والبندقية مدينة ميلان لطرد الفرنسيين منها، فتوقفت أعمال ليوناردو ونجحت قوات التحالف في مسعاها. ولم يغادر ليوناردو المدينة، وقضى عدة شهورٍ من عام 1513 في فيلا لأسرة مديشي الحاكمة، وفي شهر مارس من ذات العام أصبح جيوفاني (وهو الابن الثاني لحاكم فلورنسا لورينزو دي ميديشي) بابا الكنيسة الكاثوليكية و باسم ليو العاشر؛ فذهب ليوناردو إلى روما في سبتمبر واستقبله جوليانو شقيق البابا. وقضى ليوناردو الفترة ما بين سبتمبر 1513 إلى 1516 في فناء بلفيدير بقصر الفاتيكان، وهو مكانٌ عملَ فيه ميكيلانجيلو ورافاييل. في ذلك المكان، أُعطي ليوناردو ثلاثًا وثلاثين دوكات في الشهر، وقام بتزيين سحلية بقشورٍ مطلية بالزئبق بحسب ما أورد فازاري، وكلَّفه البابا بلوحة مجهولة الموضوع، والتي أُلغيت حين بدأ الفنان في تطوير نوع جديد من الورنيش. أصيب ليوناردو بسكتة دماغية تبعتها سكتات أخرى، أدت في النهاية إلى وفاته، وتمرس في علم النبات في حدائق الفاتيكان، وكُلِّف بتنفيذ مقترح البابا لتجفيف سبخات بونتين. هذا بالإضافة إلى تشريح الجثث الذي أسفر عن ملاحظات لأطروحة عن الأحبال الصوتية؛ وأراد ليوناردو أن يرد بها صنيع البابا ومعروفه فقدمها للجهات الرسمية ولكنه لم ينجح في ذلك.

أعاد ملك فرنسا فرانسوا الأول سيطرة الفرنسيين على ميلانو في أكتوبر 1515، واجتمع الملك مع البابا ليو العاشر في لقاءٍ حضره ليوناردو دا فينشي في 19 ديسمبر في بولونيا. وبدأت خدمة ليوناردو للملك فرانسوا في 1516، وبناءً على ذلك أعطاهُ الملكُ حق استخدام قصر كلو لوسي الذي يقع بالقرب من مقر إقامة الملك في القصر الملكي في أمبواز ، وبفضل قُرب المسافة صارت زيارات فرانسوا لليوناردو كثيرة متكرّرة، فرسم ليوناردو مخططات لحصن ضخم كان ينوي فرانسوا تشييده في مدينة رومورانتين ، إضافةً إلى صناعة أسد آلي يخرج من صدره باقات الزنبق أثناء سيره في موكب تجاه الملك. رافق ليوناردو في تلك الفترة صديقه وتلميذه فرانشيسكو ميلزي، وعاش براتب بلغ 10,000 سكودو، ورسم ميلزي رسماً لُمعلِّمه دا فينشي، أما اللوحات الأخرى لليوناردو فترجع لأحد مساعديه وعُثر عليه مرسوماً على ظهر دفترٍ من دفاتر ليوناردو من حوالي عام 1517، كما رسم جيوفاني أمبروجيو فيجينو صورةً لليوناردو العجوز وذراعه اليمنى مُغطَّاةٌ بالقماش (وكان صعب عليه تحريكها حينذاك)، ثَبَتَ أن الرجل الظاهر في الصورة هو دا فينشي أثناء زيارة لويجي دراجونا في أكتوبر 1517، فأكَّد هذا أن يد ليوناردو اليمنى أُصِيبَت بشللٍ وهو في السادسة والخمسين من عمره، ولعلَّ هذا سببٌ في تركه للكثير من أعماله غير مكتملة، كالموناليزا. إلا أنه استمر بالعمل نوعاً ما حتى أصبح في نهاية المطاف مريضاً وطريح الفراش لعدة أشهر.

توفي ليوناردو في كلوس لوسي في الثاني من مايو من عام 1519 عن عمر يناهز 67 عامًا، وعلى الأرجح أن سبب الوفاة كان سكتة دماغية. وكان الملك فرنسوا الأول صديقاً مقرباً له آنذاك، ويقول فازاري أن ليوناردو أشفقَ على نفسه وهو على فراش موته فطلبَ للتوبة، وقال أنه "قد أساء إلى الله والبشر بفشله في ممارسة فنه مثلما كان يتوجَّب عليه"، ويذكر فازاري أن ليوناردو أرسل في أيامه الأخيرة لقسيسٍ ليعترف بذنوبه ويقبل السر المقدس. ويزعمُ فازاري أيضًا أن الملك احتضنَ رأس ليوناردو بين ذراعيه حينما لفظَ أنفاسهُ الأخيرة، على الرغم من أن هذه القصة خياليَّة في الغالب، وحَمَلَ تابوت ليوناردو إلى مثواه الأخير ستون متسوّلاً نزولاً عند رغبته، وكان ميلزي وريث دا فينشي الشرعي ومنفذ وصيته، فتلقَّى أموال ولوحات ليوناردو وأدواته ومكتبته وأمتعته الشخصية. وتذكر ليوناردو أيضًا تلميذه الآخر وصديقه القديم سالاي وخادمه المخلص باتيستا دي فيلانيس، فحصل كل منهما على نصف أملاك دا فينشي من كروم العنب، وحصل إخوته على أراضيه، وتلقت خادمته عباءة مبطنة بالفرو. وفي 12 أغسطس 1519 دُفِن رفات ليوناردو في الكنيسة الجمعية للقديسة فلورينتين بقلعة أمبواز في فرنسا،

وبعد حوالي 20 عامًا من وفاة ليوناردو، أفاد الصائغ والنحات بنفينوتو تشيليني أن الملك فرانسوا قال: "لم يولد رجل في العالم حاز معرفة بقدر ما حاز ليوناردو، ولا أقصدُ هنا معرفة الرسم والنحت والعمارة، وإنما المعرفة التي جعلتهُ فيلسوفًا عظيمًا جدًا".

علاقاته الشخصية

علاقاته الاجتماعية والفنية

كانت فلورنسا في زمن شباب ليوناردو مركزاً للفكر والثقافة الإنسانية المسيحية، وبدأ ليوناردو التدريب مع فوركيو عام 1466، بنفس العام توفي رئيس فوركيو النَّحات الشهير دوناتيللو. وكان معظم الفنانين الباقين في الورشة حينئذٍ كباراً في السنّ، فمنهم الرسام أوتشيلو صاحب التجارب المبكرة في فن الرسم المنظوري، وقد أثَّر عمله على تطور رسم المناظر الطبيعية، لكنه كان طاعناً في السنّ، وكذلك الرسامان بييرو ديلا فرانشيسكا وفيليبو ليبي والنحات لوكا ديلا روبيا والمهندس المعماري والكاتب ليون باتيستا ألبيرتي، فكانوا جميعاً في الستينات من عمرهم، وأما الفنانان الناجحان الشابَّان في المدرسة فكانوا فيروشيو (وهو مُعلِّم ليوناردو) وأنطونيو ديل بوليشيوا ونحات الصور الشخصية مين ودا فيسول.

أمضى ليوناردو شبابه في فلورنسا، وكانت المدينة مُزيَّنة آنذاك بأعمال كبار الفنانين الذين عاصروا دوناتيلو مثل مازاتشو الذي كانت لوحاته التصويرية مشبعة بالواقعية والعاطفة، ولورنزو جبرتي الذي عرض لوحة بوابات الجَنَّة في معمودية فلورنسا متألِّقةً مع أوراق ذهبية، وجمعت بين تركيبات الأشكال المُعقدة وخلفياتٍ معمارية مفصلة، وبييرو ديلا فرانشيسكا الذي أجرى دراسة مفصلة للمنظور وكان أول رسام يدرسُ الضوء على أساسٍ علمي، وكان من شأن دراسات ليون باتيستا ألبيرتي أن يكون لها تأثير عميق على الفنانين الشباب، وخاصة على ملاحظات ليوناردو وأعماله الفنية.

كانت التقاليد السائدة في فلورنسا رسمُ لوحة صغيرة وراء المذبح للعذراء والطفل في الكنائس، وصُنِعَت الكثير من هذه اللوحات الحرارة أو بالطين النضيج الذي تنتجهُ ورش فيليبو ليبي وفيروكيو وعائلة ديلا روبيا الشهيرة. وكانت لوحات ليوناردو الأولى للسيدة العذراء، مثل سيدة القرنفل والسيدة بينوا، تتبع هذه التقاليد ولو أنَّ فيها لمسةً وتحساساً ذاتياً له، وخاصة في لوحة السيدة بينوا التي تظهرا فيها العذراء مائلةً عن زاوية الصورة وفي حضنها الطفل المسيح في الزاوية المقابلة، ويظهر هذا التكوين الصوريّ في لوحات ليوناردو في وقت لاحق مثل العذراء والطفل مع القديسة آن.

كان ليوناردو معاصراً في حياته لرسامين معروفين منهم ساندرو بوتيتشيلي ودومنيكو غرلاندايو وبيترو بيروجينو، وكان هؤلاء كلّهم أكبر منه بفارقٍ بسيط، وكان يقابلهم أحياناً في ورشة عمله في فيروكيو التي لهُم صلات عملٍ بها وكذلك في أكاديمية ميديشي الأفلاطونية الجديدة، وكان بوتشيلي مقرَّباً بالخصوص لعائلة مديشي فضمنَ نجاحه في مسيرة الرسم، وأما غيرالاندايو وبيروغينو فأدارا ورشتين للرَّسْم وكانا غزيرَيْ الإنتاج، فقاما بأعمالٍ متقنةٍ ولقاء عمولاتٍ كبيرة لزبائن مهمِّين، وقدَّر هؤلاء الزبائن قدرات غيرالاندايو في رسم لوحات جدارية دينية لمواطني فلورنسا الأثرياء، فكان قادراً على رسم العديد من القديسين والملائكة بحلاوة وبراءة راسخة. وكُلِّفَ هؤلاء الرسامون الثلاثة بطلاء جدران كنيسة سيستينا الشهيرة في الفاتيكان، فبدأ هذا المشروع بتوظيف بيروغينو عام 1479، ولم ينضمَّ ليوناردو إليهم قطّ. فقد كانت مهمَّته المرموقة الأولى رسم لوحة عشق المجوس لرهبان سكوبتا، وهي لوحةٌ لم تكتمل أبداً.

كان ما يزال ليوناردو يعمل في عام 1476 في ورشة فيروكيو، ووقعَ حينذاك أن جُلِبَ إلى فلورنسا لوحة مذبح بورتيناري بريشة هوغو فان دير غوس، فجاءت معها التقنيات الحديثة للرسم من شمال أوروبا وتركت في ليوناردو تأثيراً عميقاً، كما وأثَّرت بغيرلانديو وبيروغانيو وغيرهم من معاصريه. وكان في عام 1479 الرسام الصقلي أنطونيلو دا مسينا (وهو يرسمُ بالألوان الزيتية حصراً) مسافراً شمالاً في طريقه إلى البندقية، والتي تبنى فيها الرسَّام الرائد جوفاني بيليني أسلوب الرسم الزيتي، وسرعان ما أصبح هذا أسلوب الرسم المُفضَّل في البندقية، ولاحقاً زار ليوناردو البندقية أيضاً. وسار ليوناردو على خطى اثنين من معاصريه من المهندسين المعمارييّن هما دوناتو برامانتي (وهو الذي صمم ساحة البيرفيدير) وأنطونيو دا سانغالو الكبير، فَّجرب ليوناردو تصميم مُخطَّطات لكنائس مركزية، ويظهر عدد منها في مفكراته على الرغم من أن أياً منها لم تُبنَ على أرض الواضع.

وكان من معاصري ليوناردو السياسيين لورينزو دي ميديشي (وكان أكبر من ليوناردو بثلاث سنين) وأخوه الأصغر جوليانو، وقُتِلَ جوليانو هذا في مؤامرة باتسي في عام 1478، فأرسلت محكمة مديشي ليوناردو سفيراً إلى لودوفيكو سفورزا الذي حكم ميلان بين عام 1479 إلى عام 1499.

زار ليوناردو مع ألبرت منزل ميديشي والتقى فيه الكثير من الفلاسفة الإنسانيين الذين عاشوا حينذاك، ومنهم مارسيليو فيسينو نصيرُ الأفلاطونية الجديدة، وكذلك كريستوفو لاندينو وهو مُعلِّقٌ على الكتابات الكلاسيكية، وجون أرجيروبولوس وهو مدرس للغة اليونانية ومترجم لأرسطو، كما ارتاد أكاديمية ميديشي أشخاص مهمّون آخرون عاشوا في زمن ليوناردو، منهم الشاعر والفيلسوف الشاب بيكو ديلا ميراندولا، وكتب ليوناردو لاحقاً في هامش من مذكّراته "أسرة مديشي صنعتني وأسرة مديشي دمرتني". وقد انتفع ليوناردو من لورينزو في الحصول على وظيفته ببلاط ميلان، لذا فليس من الواضح قصدهُ من هذا التعليق الغريب.

ترتبطُ عادةً أسماء العمالقة الثلاثة -ليوناردو ومايكلانجيلو ورفاييل- بعصر النهضة، على أنَّ هؤلاء الثلاثة ليسوا من الجيل نفسه، إذ كان ليوناردو في 23 من عمره حينما وُلِدَ مايكيلانجيلو وفي 31 حينما وُلِدَ رفاييل، وتوفي رافيل عن عمر يناهز 37 سنةً في عام 1520، وهي السنة التي تبعت وفاة ليوناردو، وأما مايكلانجيلو فعمَّر 45 عاماً بعدهما.

حياته الشخصية

    لم تعهد النهضة الإنسانية وجود أبعادٍ مشتركة بين العلوم والفنون، إلا أن الابتكار والإبداع في دراسات ليوناردو في العلوم والهندسة يقاربان ما هو موجود في أعماله الفنية بشكل مثيرٍ في بعض الأحيان. سُجلت هذه الدراسات في 13,000 صفحة من الرسومات والتدوينات التي تجمع الفن بفلسفة الطبيعة بما يجعل ليوناردو رائد العلم الحديث. كتب ليوناردو هذه الدراسات وحافظ عليها خلال حياته وترحاله فهو ملاحظ دائم لتفاصيل العالم من حوله. إن هذه الرسومات والملاحظات تعرض تنوعاً هائلاً في الاهتمامات والانشغالات، وتراوحت هذه الانشغالات بين المعتاد من قائمة مشتريات وقائمة المدينين الذين يدينون له بالمال وبين المثير للاهتمام كتصميمات الأجنحة وأحذية المشي على الماء. وقد شملت أوراقه لوحاتٍ ودراسات للأقمشة وتصميمات الأزياء ودراساتٍ للوجوه والمشاعر والحيوانات والأطفال الرضع ودراساتٍ في علم التشريح والنبات والتكوينات الصخرية والدوامات والآلات الحربية وآلات الطيران والهندسة.

    عهد ليوناردو بعد وفاته بدفاتر ملاحظاته ومفكراته التي كانت عبارة عن أوراق غير منظمة من مختلف الأحجام والأنواع، إلى تلميذه وخلفه فرانشيسكو ميلزي. إلا أن الصعوبة والعسر تحفان مهمة نشر هذه الدفاتر ويرجع ذلك إلى أسلوب ليوناردو غير المألوف في الكتابة وطبيعة النطاق الذي تدور فيه هذه المفكرات. وفي حوالي عام 1570، نسخ فنان من ميلان بعض لوحات ليوناردو في إطار تخطيطٍ لأطروحة عن الفن. توفي ميلزي في عام 1570 وانتقلت على إثر ذلك المجموعات الورقية التي تركها ليوناردو إلى ابن مليزي المحامي أوراتسيو، والذي أولى القليل من العناية لتلك التدوينات في بادئ الأمر. كان في بيت ميلزي مُعلمٌ خاص يدعى ليلو جافاردي، والذي أخذ ثلاث عشرة مخطوطةً إلى بيزا في عام 1587؛ وتصدى المهندس جيوفاني ماجينتا لجيفاردي في بيزا ولامه على فعلته المخالقة للقانون وأعاد المخطوطات إلى أوراتسيو. ونتيجة حيازة أوراتسيو الكثير من الأعمال المشابهة للمخطوطات، قام بإهداء الثلاث عشر مخطوطة لماجينتا. وانتشرت الأخبار حول تلك الأعمال الضائعة لليوناردو، فآثر أوراتسيو استرجاع سبعٍ من الثلاث عشرة مخطوطة، وأعطاها إلى بومبيو ليوني لنشرها في جزئين وأحد هذان الجزءان كان مخطوطة أتلانتيكس. أما المخطوطات الست الأخرى فقد وزعت بين قلة من الأفراد. وبعد وفاة أوراتسيو، باع ورثته بقية ممتلكات ليوناردو وهكذا بدأ تشتت أعماله واندثارها.

    وجدت بعض أعمال دا فينشي طريقها إلى العرض ضمن مجموعات رئيسية مثل: المكتبة الملكية في قلعة وندسور ومتحف اللوفر والمكتبة الوطنية الإسبانية ومتحف فيكتوريا وألبرت ومكتبة الأمبروزيانا في ميلان والمكتبة البريطانية في لندن. والجدير بالذكر أن مخطوطة أتلانتيكس التي تضمّ اثني عشر مجلّدًا، موجودة في مكتبة الأمبروزيانا، وأن المكتبة البريطانية أتاحت مختارات من دستور أروندل عبر الإنترنت (المكتبة البريطانية، مخطوطة أروندل، 263). وبلغ تفرق أعمال ليوناردو أن بعضًا منها موجودٌ في هولكهام هول ومتحف متروبوليتان للفنون وحتى أن بعضًا منها أصبح ملكية خاصة لجون نيكولاس براون الأول وروبرت ليمان. والمؤلَّف العلمي الكبير الوحيد الذي أصبح ملكية خاصة هو مخطوطة ليستر، التي يملكها بيل غيتس وتعرض مرة واحدة في السنة في مدن مختلفة حول العالم.

    كان ليوناردو أعسرًا فغلبت الكتابة المعكوسة على طريقة تسجيله لملاحظاته وشروحاته، فكانت كتاباته من اليمين إلى اليسار وبأحرف متصلة. بالإضافة إلى اعتماده على الشيفرات والرموز التي صرح بأنه ينوي بأن يجهزها للنشر. وشر

    Source: wikipedia.org