He has (54) books in the library, Total download and read (30,239)
دكتور في الشريعة الإسلامية .... أستاذ في جامعة أبو ظبي كلية القانون
نال الإجازة في الشريعة من جامعة دمشق ثم تابع تحصيله العلمي ونال ثلاث درجات ليسانس في العلوم العربية والإسلامية من جامعات دمشق وطرابلس وبيروت كما حصل على الماجستير ونال الدكتوراه من جامعة القرآن الكريم في الخرطوم بإشراف الدكتور العلامة وهبة الزحيلي والدكتور العلامة محمد علي الإمام عام 1996، حيث بدأ بالتدريس الجامعي في جامعة دمشق وكلية الدعوة الإسلامية وأصول الدين بدمشق.
وفي عام 2010 أعلنت جامعة كرايوفا، أعرق الجامعات الرومانية أن رتبة دكتوراه الشرف قد خصصت للدكتور محمد حبش تقديراً لبحوثه ونشاطه في حوار الأديان وبشكل خاص كتابه سيرة الرسول محمد، وقد قامت الجامعة بترجمته للرومانية واعتبر مقرراً على طلبة كليات اللاهوت في الجامعة.
يتبنى الدكتور محمد حبش مشروع التجديد الديني ، وقد تخصص في التنوير الإسلامي وحوار الأديان، وقد تبنّى عدداً من قضايا التجديد الديني أهمها: رفض احتكار الخلاص، وتجديد فقه المرأة في الإسلام، وتعزيز المذهب الإنساني في الإسلام، وإحياء مصادر الشريعة الغائبة مما يعني منح دور أكبر في التشريع للعقل على حساب النص.
كان واعظاً وخطيباً وإماماً لثلاثين سنة في مسجد الزهراء بدمشق، ثم مؤسساً ومديراً لمعاهد القرآن الكريم في سوريا، ومستشاراً لمركز الدراسات الإسلامية، كما انتخب مرتين رئيساً لجمعية علماء الشريعة بدمشق بالإضافة لممارسته التأليف والشعر والكتابة.
تبنى في البرلمان عدداً من القضايا التشريعية والقانونية ومنها قانون الجنسية للمرأة السورية، وقانون الحضانة، وقانون تحسين رواتب الموظفين الدينيين، كما نجح في منع ظاهرة الإعلان عن الفحشاء في سوريا.
انتقل منذ 2012 إلى الإمارات وعمل بالتدريس الجامعي في جامعة أبو ظبي أستاذاً للفقه الإسلامي في كلية القانون، وكلية الآداب والعلوم.
حصل على جائزة رابطة كتب التجديد عن كتابه الدبلوماسية بدل الحرب 2017 و جوائز دولية عدة منها جوائز المسابقة الدولية للقرآن الكريم في السعودية وليبيا وإيران وغيرها كثير من جوائزَ أخرى...
هو كتاب جيد وممتاز فيه ثلاثون قصيدة من السيرة النبوية من أجمل ما كتب ونشر
- نزار أحمد
عنوان مغري لكتاب فيه محاولة جديدة من د. حبش لتأكيد، ولو بشكل انتقائي، ان الاسلام لديه محطات ديمقراطية يمكن الاستفادة منها كقيمة مضافة للدولة الديمقراطية الحالمة بتأسيس نظام سياسي ديمقراطي، ويريد إثبات انه مازال الاسلام محطة مهمة يضيف من خلال تجاربه للدولة العربية العصرية الحالمة ديمقراطياً تحت التشريع الاسلامي - المعدل - وبناء الانسان المؤمن الديمقراطي المسابر لهذا العصر ...
العنوان مغري جدا، وربما جديد، هو فعلاً سباحة ضد التيار الاسلامي المتشدد الظلامي الذي أنتج داعش وروافدها ، وحتى ضد التيار المعتدل اسلامياً، لان د. حبش ذهب ابعد من الاعتدال الاسلامي المألوف بتحميل الاسلامي مبدأ الديمقراطية .
وقد يكلف كاتب هذا الرأي حياته من قبل متطرفين يتهمونه بالتجديف، كما حدث لكتاب آخرين سابقاً .
مبدأ د.حبش بالدراسة هو مبدأ انتقائي براغماتي في محاولته إثبات ان الاسلام مازال لديه مايقدمه للعالم المعاصر على صعيد الحريات .
ومع فارق التجربة بينه وبين صاحب النزعات المادية بالفلسفة العربية الاسلامية ، د . مروة، الا إنهما يجتمعان ان كل بحث عما يريده بالتاريخ الاسلامي ويبحث عن الاستفاده منه وتطويره وكلاهما معتمد مبدأ الإنتقائية ، كما اعتقد ..
هو بالمحصلة حق مشروع كوجهة نظر لتطوير التجربة وأي تجربه تاريخية تحتاج لتطوير كي تساهم بإضافة جديده لعصره ..
لكن لوكان النبي ديمقرا طياً فعلا,
ماذا يعني ذلك ..؟...
وهل الغالبية العظمى من المسلمين، يصدقوا ذلك ويعدلوا قناعاتهم ..؟
- قد يبدو العنوان صادماً للقارئ الكريم، حيث نتحدث عن نبي كريم يؤيده الوحي، ويصرّح مراراً إن أنا إلا نذير مبين. ولكن قراءة واعية في كفاحه التشريعي والتطبيقي تقف بك على جوانب فريده من رسالته النبيلة، القائمة على الشورى، والهادفة إلى إسعاد المجتمع، وسيدهشك حجم المرونة التي تحلى بها الرسول الكريم في مراجعة الشريعة وتعديلها بناء على طلب الجمهور، واستئناساً بالمصالح الحقيقية للأمة. ليس في الكتاب روايات جديدة لا يعلمها الناس، إنها الروايات نفسها حين نقرؤها بعين بصيرة وقلب سليم، وندرك كم كان هذا الرسول حضارياً وديمقراطياً في كفاحه الاجتماعي والتشريعي، وكم مارسنا الإساءة إليه حين اعتبرناه محض رسالة غامضة من الغيب، حروفها أسرار وكلماتها عجائب، لا تحكمها السنن الاجتماعية وليس فيها روح الحياة ولا تفاعل المجتمع ولا شرف المحاولة. إنه باختصار النبي الهائل الذي أخرج الناس من ضباب الخوارق إلى ضياء السنن، وأعلن نهاية حكم الكهنة وبدء حكم المجتمع، وأعلن نهاية عصر النبوة وبدء عصر الإنسان.
- عبد الجبار الرفاعي
شكرا لتكرمكم دكتور عزيزي بإرسال كتاب "النبي الديمقراطي: دراسات في الملامح الديمقراطية في كفاح الرسول"، أمضيت الليلة البارحة وقتا جميلا مع سياحتكم الذكية في سيرة نبي الرحمة محمد صلوات الله عليه، وتنبهيكم للأبعاد الإنسانية المضيئة في شخصيته الكريمة وسيرته الرحيمة. وهي ميزة ينفرد فيها كتابكم، لان أكثر كتاب السيرة يكتبون كل شيء يعثرون عليه في مدونات السيرة والسنة، بلا ان يميزوا بين الثابت والمتغير، وما ينتمي لعصر الرسالة من مواقف وأحكام وما هو أبدي من القيم والمؤشرات الأخلاقية والروحية والجمالية. اظن العنوان"النبي الديمقراطي"، يحتاج إلى اعادة نظر، ذلك ان الديمقراطية على الرغم من أنها مصطلح يوناني قديم، إلا أن استعمالها في في العصر الحديث بمعنى التعبير عن نظام سياسي يمتلك رؤيته الخاصة للعالم. الديمقراطية ليست معروفة ولا مستعملة في اللغة العربية والسياق التداولي لها، لا في العصر الإسلامي زمان البعثة الشريفة ولا في العصر الوسيط ولا في العصر الحديث، وأن دخلت العربية منذ القرن التاسع عشر لكنها كنظام سياسي لم تجد تعبيرها العملي التام الكامل في أي من التجارب السياسية الهشة في عالم الإسلام. ويعود ذلك إلى عدة عوامل من اعمقها أن الإسلام المهيمن منذ عدة قرون في الحياة الإسلامية هو الإسلام المنبثق من الرؤية الكلامية التوحيدية والأحكام الفقهية، وهذه الرؤية والأحكام على الضد من اهم الحريات والحقوق بمعناها الديمقراطي في النظام السياسي الديمقراطي. الولاء والبراء من المشركين بوصفه احد المعتقدات الأساسية في علم الكلام قديم وعقيدة الفرق الناجية التي يقول بها علم الكلام القديم بمختلف الفرق، مع اختلاف في الدرجة وليس في الموقف... وهكذا أحكام قتل المرتد وغير ذلك من الأحكام المعروفة في ال مدونة الفقهية في عالم الإسلام في مختلف المذاهب السنية والشيعية.
- ميرنا الرشيد
يفتي بعض الدعاة الإسلاميين أن الديمقراطية لا تتوافق مع الإسلام لأنها تعني أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وأن تصبح قوانين الأغلبية ملزمة للجميع، في حين أن الإسلام بنظرهم جاء ليُثبت أحكام الله العالم بمصالح الناس. وإلى الآن ما يزال الجدل قائماً لنفيّ أو تأكيد هذا الرابط، خاصة بعد ظهور التنظيمات الإسلامية المُتطرفة مؤخراً مثل داعش التي كشف عنفها عن التباعد الصارخ بين الإسلام والديمقراطية.
الدكتور محمد حبش، الداعية الإسلامي السوري البالغ 58 عاماً، الحاصل على دكتوراه في علوم القرآن من جامعة الخرطوم، ويقوم بتدريس الفقه الإسلامي في جامعة أبوظبي، أراد تقديم فكرة مغايرة عن الإسلام. في كتابه "النبي الديمقراطي دراسات في الملامح الديمقراطية في كفاح الرسول" الصادر بنسخته الحديثة عن دار سائر المشرق اللبنانية، وقد تُرجم إلى الإنجليزية أيضاً، يحاول الدكتور حبش إثبات أمرين، أن النبي محمد أوجد مجتمعاً حراً ينبذ الجاهلية، وأنه راح يستفتي الناس ويطرح الشريعة للحوار.
لفتني ما تعرض له الكتاب من انتقادات لمجرد وصف النبي محمد "بالديمقراطي" وأردت من خلال الحديث مع الدكتور حبش أن أطلع على رؤيته في ربط الإسلام بالديمقراطية، ونقد الخطاب التقليدي، وتفكيك الموروث الديني.
VICE عربية: كثيرٌ من المسلمين اعترضوا على الكتاب وخاصة العنوان، والذين اعتبروه انتقاصاً من مقام الرسول.
الدكتور محمد حبش: وصف النبي بالديمقراطي ليس انتقاصاً من مكانته وعصمته في النبوة، بل هو وصف تكريم، وينطبق على حقيقة الأسلوب الذي كان رسول الله يُدير فيه الدولة، ويُشرّع الأحكام. فالديمقراطية أسلوب في إدارة الدولة، وهي كلمة مُحايدة لا تحمل حمولة إيديولوجية معينة.
أعتقد أن الإسلام جاء ليوقظ رسالة العقل. أنا أفهم هذا الدين أنه ليس أوامراً من الغيب نزلت من السماء، وحوّلت الإنسان إلى محض أداة، شأنه أن يسمع ويطيع، وأن يتوقف عن التفكير، أنا أرفض هذا تماماً. صحيح أن هناك خطابٌ جاء به الرسول الكريم في شأن العبادات "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ." ولكن عندما يتعلق الأمر بالمُعاملات، فسبيل تحقيق الإدارة الناضجة فيه هو الديمقراطية وعرض القانون على المجالس المُتخصصة. والنبي الديمقراطي مارس ذلك بكُلّ وضوح، كان يقف على منبره، ويقول للناس: آمركم بالشيء، ثم يبدو له أن ما أمرهم به لم يكن حكيماً، فيصعد المنبر نفسه ويقول: كنت قد أمرتكم والآن أنهاكم، أو كنتُ قد نهيتكم والآن آمركم.
قُلت إنك ضمنت الكتاب الصور المشرقة من الإسلام، ألا تتيح هذا الانتقائية للمسلمين خيار التشكيك بدينهم وربما الابتعاد عنه لكثرة الروايات والتفاسير فيه؟
الانتقائية مقتل البحث العلمي، وعادة يُهاجَم أي بحث علمي يمارس الانتقائية، ولكن يجب أن نعترف أننا أمام تراث واسع ومتنافر، جُمع خلال قرون. نحن كلنا انتقائيون، فالسلفي ينتقي ما يُناسب توجهه، وكذلك الصوفي والسُني والشيعي، وأنا لا أستطيع أن أكذب على قُرائي وعلى نفسي، وأقول: إن هذا التُراث يُنتِج موقفاً فكرياً وفقهياً محسوماً ومُحدداً، بل يجب أن نعترف أن التراث بما فيه من تفاسير القرآن والسُنن المنسوبة إلى النبي محمد هو ركامٌ كبير. الطريقة السلفية في التعاطي معه بأن نقبل رواية رجال مُحددين، ونَرُد رواية رجال آخرين، ليست أسلوب علمي. الأفضل أن نبحث عما هو مُنسجم في التراث والتاريخ الإسلامي. الانتقائية قد تؤدي إلى التشكيك لدى أولئك الذين يجعلون الدين هو النص، لكن الدين ليس نصاً، بل هو إسهامات كبيرة جداً لكل العقول المتجددة التي عاشت في كنف الحضارة الإسلامية، وقدمت العلم والفقه. وأنا لست خائفاً على الإسلام كحضارة وعلم، لكن هنالك قلق على الإسلام كتيار سلفي يتمحور حول النص.
ذكرتَ أن الرسول الكريم أعلن مبدأ حرية الرأي بقوله "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ." لكن هنالك حديث عنه يقول: "لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ." كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟
"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" أصلٌ في هذه الشريعة، وهي آية قُرآنية حاسمة وضعها الله تعالى مع آية الكُرسي ليضيف إليها منزلتها. وأما حديث "لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" فلا يَثْبُتُ عقلاً، لأن النبي هو الذي كتب لهم (لليهود والنصارى) العقود والعهود. ثم إن الوصية بإخراجهم من جزيرة العرب عمل لا يقوم به الأنبياء، وتتناقض تناقضاً كُلياً مع ما ورد في القرآن من الثناء والإعجاب بالنصارى "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ." وأنا أرفض الروايات التي تتحدث عن إخراجهم مع اليهود من الجزيرة، فهم يحكمهم نص قرآني واضح "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ." إذن إننا مأمورون أن نَبَرّهُم ونُقسِطَهم، وهذا لا يتحقق بإخراجهم من بيوتهم وأوطانهم، وحاشى أن نقبل نسبة ذلك إلى نبي عاهد اليهود والنصارى، ووقّع لهم صكوك الأمان.
هل قولك إن الإسلام اتبع النهج الديمقراطي منذ بداية الدعوة فيه تلميح للأنظمة العربية القمعية بالعودة إلى حلول الماضي؟
في الحقيقة الدخول في ممارسات الأنظمة القمعية العربية ربما يُخرِج الأمر عن سياقه، لكن بكل تأكيد أننا نطرح الديمقراطية بديلاً عن كل أشكال الحُكم القائمة في البلاد العربية والإسلامية، ونتمنى أن يجدوا في سيرة الرسول، ما يُقنعهم بالعودة إلى خيار الشعوب واحترام إرادة الناس وقطع العلاقة مع الاستبداد والديكتاتورية.
تأتيك اتهامات أنك تروّج للديمقراطية في الإسلام والحوار بين الأديان إرضاءً للغرب. ما ردك؟
نشاطات إخاء الأديان هي جهود كريمة بدأها رسول الله عندما كرر 14 مرة أنه جاء مُصدقاً لما بين يديه، فهو لم يأتِ ليُلغي النبوات والأديان، ولا ليحتقرها وينسُفها، وهذا دليل على أن الإسلام رسالة إكمال وليست رسالة قطع. هو رسالة نستكمل بها نور الأنبياء، ونبني بها مستقبلنا على أساس من الأخوة والتراحم. إن فكرة إخاء الأنبياء صعبة جداً، لأن الفكر السائد لدى أتباع الأنبياء أن كُل نبيّ جاء ليُلغي النبوات ويؤسس خلاصاً وحيداً للعالم، وفكرة احتكار الخلاص موجودة في كل الأديان. عقيدة تكفير الأديان والبشرية ضارة، وهي سبب أساسي في القطع بين الإسلام والعالم، والفصل بين المُسلمين والدنيا. هذا الدين قائم على نصوص واضحة وصريحة، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، فإذا كان تعريف الإسلام بهذه الصورة، سيؤدي إلى وقف نشاط الدعوة، فمعنى ذلك أننا لا نفهم شيئاً من هذا الدين، ومن يظن أن رفع السيف سيُدخل الناس في دين الله أفواجاً، فهي مجرد أوهام.
كتبتَ مرة أن "المُسلمين أمةٌ ممزقةٌ، ولم تعد دعوتهم تُقنع أحداً." ألهذه الدرجة لم يعد ممكناً إصلاح حال الأمة الإسلامية؟
الأمة الإسلامية بكل تأكيد هي أمة ممزقة، وهو أمر لا نزاع فيه، لكن هذا لا يعني أنها نهاية التاريخ، وأنها أمة ميتة، فهنالك روابط لا تزال حيّة فيها، منها القرآن والقِبلَة والنبي واللغة العربية والمصالح المشتركة والتاريخ والقدس، وهي تمتلك القدرات التي تجعلها تعود إلى الحياة من جديد وتتفوق. وتشير الدراسات العلمية والموضوعية أن الأمة الإسلامية ماضية لتكون الدين الأكبر في العالم وذلك في عام 2061 حسب موقع بيو. لكن على أية حال لا نقصد العدد هنا، بل أن هذه الأمة حقيقة ومُستمرة، لذلك يترتب علينا مسؤولية أخلاقية ومجتمعية في إصلاح توجهها.
- يفتي بعض الدعاة الإسلاميين أن الديمقراطية لا تتوافق مع الإسلام لأنها تعني أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وأن تصبح قوانين الأغلبية ملزمة للجميع، في حين أن الإسلام بنظرهم جاء ليُثبت أحكام الله العالم بمصالح الناس. وإلى الآن ما يزال الجدل قائماً لنفيّ أو تأكيد هذا الرابط، خاصة بعد ظهور التنظيمات الإسلامية المُتطرفة مؤخراً مثل داعش التي كشف عنفها عن التباعد الصارخ بين الإسلام والديمقراطية.
الدكتور محمد حبش، الداعية الإسلامي السوري البالغ 58 عاماً، الحاصل على دكتوراه في علوم القرآن من جامعة الخرطوم، ويقوم بتدريس الفقه الإسلامي في جامعة أبوظبي، أراد تقديم فكرة مغايرة عن الإسلام. في كتابه "النبي الديمقراطي دراسات في الملامح الديمقراطية في كفاح الرسول" الصادر بنسخته الحديثة عن دار سائر المشرق اللبنانية، وقد تُرجم إلى الإنجليزية أيضاً، يحاول الدكتور حبش إثبات أمرين، أن النبي محمد أوجد مجتمعاً حراً ينبذ الجاهلية، وأنه راح يستفتي الناس ويطرح الشريعة للحوار.
لفتني ما تعرض له الكتاب من انتقادات لمجرد وصف النبي محمد "بالديمقراطي" وأردت من خلال الحديث مع الدكتور حبش أن أطلع على رؤيته في ربط الإسلام بالديمقراطية، ونقد الخطاب التقليدي، وتفكيك الموروث الديني.
VICE عربية: كثيرٌ من المسلمين اعترضوا على الكتاب وخاصة العنوان، والذين اعتبروه انتقاصاً من مقام الرسول.
الدكتور محمد حبش: وصف النبي بالديمقراطي ليس انتقاصاً من مكانته وعصمته في النبوة، بل هو وصف تكريم، وينطبق على حقيقة الأسلوب الذي كان رسول الله يُدير فيه الدولة، ويُشرّع الأحكام. فالديمقراطية أسلوب في إدارة الدولة، وهي كلمة مُحايدة لا تحمل حمولة إيديولوجية معينة.
أعتقد أن الإسلام جاء ليوقظ رسالة العقل. أنا أفهم هذا الدين أنه ليس أوامراً من الغيب نزلت من السماء، وحوّلت الإنسان إلى محض أداة، شأنه أن يسمع ويطيع، وأن يتوقف عن التفكير، أنا أرفض هذا تماماً. صحيح أن هناك خطابٌ جاء به الرسول الكريم في شأن العبادات "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ." ولكن عندما يتعلق الأمر بالمُعاملات، فسبيل تحقيق الإدارة الناضجة فيه هو الديمقراطية وعرض القانون على المجالس المُتخصصة. والنبي الديمقراطي مارس ذلك بكُلّ وضوح، كان يقف على منبره، ويقول للناس: آمركم بالشيء، ثم يبدو له أن ما أمرهم به لم يكن حكيماً، فيصعد المنبر نفسه ويقول: كنت قد أمرتكم والآن أنهاكم، أو كنتُ قد نهيتكم والآن آمركم.
قُلت إنك ضمنت الكتاب الصور المشرقة من الإسلام، ألا تتيح هذا الانتقائية للمسلمين خيار التشكيك بدينهم وربما الابتعاد عنه لكثرة الروايات والتفاسير فيه؟
الانتقائية مقتل البحث العلمي، وعادة يُهاجَم أي بحث علمي يمارس الانتقائية، ولكن يجب أن نعترف أننا أمام تراث واسع ومتنافر، جُمع خلال قرون. نحن كلنا انتقائيون، فالسلفي ينتقي ما يُناسب توجهه، وكذلك الصوفي والسُني والشيعي، وأنا لا أستطيع أن أكذب على قُرائي وعلى نفسي، وأقول: إن هذا التُراث يُنتِج موقفاً فكرياً وفقهياً محسوماً ومُحدداً، بل يجب أن نعترف أن التراث بما فيه من تفاسير القرآن والسُنن المنسوبة إلى النبي محمد هو ركامٌ كبير. الطريقة السلفية في التعاطي معه بأن نقبل رواية رجال مُحددين، ونَرُد رواية رجال آخرين، ليست أسلوب علمي. الأفضل أن نبحث عما هو مُنسجم في التراث والتاريخ الإسلامي. الانتقائية قد تؤدي إلى التشكيك لدى أولئك الذين يجعلون الدين هو النص، لكن الدين ليس نصاً، بل هو إسهامات كبيرة جداً لكل العقول المتجددة التي عاشت في كنف الحضارة الإسلامية، وقدمت العلم والفقه. وأنا لست خائفاً على الإسلام كحضارة وعلم، لكن هنالك قلق على الإسلام كتيار سلفي يتمحور حول النص.
ذكرتَ أن الرسول الكريم أعلن مبدأ حرية الرأي بقوله "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ." لكن هنالك حديث عنه يقول: "لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ." كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟
"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" أصلٌ في هذه الشريعة، وهي آية قُرآنية حاسمة وضعها الله تعالى مع آية الكُرسي ليضيف إليها منزلتها. وأما حديث "لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" فلا يَثْبُتُ عقلاً، لأن النبي هو الذي كتب لهم (لليهود والنصارى) العقود والعهود. ثم إن الوصية بإخراجهم من جزيرة العرب عمل لا يقوم به الأنبياء، وتتناقض تناقضاً كُلياً مع ما ورد في القرآن من الثناء والإعجاب بالنصارى "ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ." وأنا أرفض الروايات التي تتحدث عن إخراجهم مع اليهود من الجزيرة، فهم يحكمهم نص قرآني واضح "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ." إذن إننا مأمورون أن نَبَرّهُم ونُقسِطَهم، وهذا لا يتحقق بإخراجهم من بيوتهم وأوطانهم، وحاشى أن نقبل نسبة ذلك إلى نبي عاهد اليهود والنصارى، ووقّع لهم صكوك الأمان.
هل قولك إن الإسلام اتبع النهج الديمقراطي منذ بداية الدعوة فيه تلميح للأنظمة العربية القمعية بالعودة إلى حلول الماضي؟
في الحقيقة الدخول في ممارسات الأنظمة القمعية العربية ربما يُخرِج الأمر عن سياقه، لكن بكل تأكيد أننا نطرح الديمقراطية بديلاً عن كل أشكال الحُكم القائمة في البلاد العربية والإسلامية، ونتمنى أن يجدوا في سيرة الرسول، ما يُقنعهم بالعودة إلى خيار الشعوب واحترام إرادة الناس وقطع العلاقة مع الاستبداد والديكتاتورية.
تأتيك اتهامات أنك تروّج للديمقراطية في الإسلام والحوار بين الأديان إرضاءً للغرب. ما ردك؟
نشاطات إخاء الأديان هي جهود كريمة بدأها رسول الله عندما كرر 14 مرة أنه جاء مُصدقاً لما بين يديه، فهو لم يأتِ ليُلغي النبوات والأديان، ولا ليحتقرها وينسُفها، وهذا دليل على أن الإسلام رسالة إكمال وليست رسالة قطع. هو رسالة نستكمل بها نور الأنبياء، ونبني بها مستقبلنا على أساس من الأخوة والتراحم. إن فكرة إخاء الأنبياء صعبة جداً، لأن الفكر السائد لدى أتباع الأنبياء أن كُل نبيّ جاء ليُلغي النبوات ويؤسس خلاصاً وحيداً للعالم، وفكرة احتكار الخلاص موجودة في كل الأديان. عقيدة تكفير الأديان والبشرية ضارة، وهي سبب أساسي في القطع بين الإسلام والعالم، والفصل بين المُسلمين والدنيا. هذا الدين قائم على نصوص واضحة وصريحة، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، فإذا كان تعريف الإسلام بهذه الصورة، سيؤدي إلى وقف نشاط الدعوة، فمعنى ذلك أننا لا نفهم شيئاً من هذا الدين، ومن يظن أن رفع السيف سيُدخل الناس في دين الله أفواجاً، فهي مجرد أوهام.
كتبتَ مرة أن "المُسلمين أمةٌ ممزقةٌ، ولم تعد دعوتهم تُقنع أحداً." ألهذه الدرجة لم يعد ممكناً إصلاح حال الأمة الإسلامية؟
الأمة الإسلامية بكل تأكيد هي أمة ممزقة، وهو أمر لا نزاع فيه، لكن هذا لا يعني أنها نهاية التاريخ، وأنها أمة ميتة، فهنالك روابط لا تزال حيّة فيها، منها القرآن والقِبلَة والنبي واللغة العربية والمصالح المشتركة والتاريخ والقدس، وهي تمتلك القدرات التي تجعلها تعود إلى الحياة من جديد وتتفوق. وتشير الدراسات العلمية والموضوعية أن الأمة الإسلامية ماضية لتكون الدين الأكبر في العالم وذلك في عام 2061 حسب موقع بيو. لكن على أية حال لا نقصد العدد هنا، بل أن هذه الأمة حقيقة ومُستمرة، لذلك يترتب علينا مسؤولية أخلاقية ومجتمعية في إصلاح توجهها.
- د.عماد الحوت
في ندوة دار سائر المشرق عن الكتاب في معرض بيروت الدولي للكتاب 16/12/2018
• أيها الحضور الكريم، إسمحوا لي أن أبدأ مداخلتي بتوجيه التحية للدكتور محمد حبش، لجمال تعبيره عن عشقه للنبي صلى الله عليه وسلم في خاتمة الكتاب، ولحرصه على توضيح أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلّم كانت السبّاقة في ترسيخ قيم العدل والشورى، فذكر في نقطة النظام في صدر الكتاب أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان قائداً عمل من أجل خدمة الإنسان، وناضل ضد الاستبداد والثيوقراطية والأوتوقراطية، وكافح من أجل مجتمع عدالة وحرية.
• ولا بد لي من أن أنوّه بالمنهجية العلمية التي قام عليها الكتاب واعتماده أمهات المراجع والكتب في الاستدلال على ما كتب، مع مخالفتي لبعض ما توصّل اليه من نتائج، بالإضافة الى التوازن في تقسيم الكتاب في اختصارٍ للجانب النظري دون إخلال وتوسّع في النماذج العملية دون استطالة.
• ولقد أعجبني تعريف الكاتب المبسّط للديمقراطية، بعيداً عن تعقيدات الفلاسفة والمفكرين، بأنها منجزٌ إنساني يلتقي عنده كفاح الإنسان في مقارعة الاستبداد، وهي آلةٌ اجتماعية هدفها تدبير حياة الناس بما يسعدهم ويحقق حاجاتهم، وفق ما يعتقدون ويؤمنون.
• كما أعجبتني تلك المقارنة الجميلة بين مصطلح العدل القرآني وبين مفرزات الديمقراطية من مساواة بين الناس، وتداول السلطة، واحترام القانون، واحترام الحريات وتحقيق الشورى، وتأمين العدالة الاجتماعية، وفي هذا تأكيد غير مباشر منه بأن الإسلام هو منهج حياة وهو أوسع من مفهوم الديمقراطية التي يتماهى مع مخرجاتها، لذلك من الظلم الإصرار على المقارنة بين الإسلام وغيره في محاولة للدفاع عنه وإظهار وسطيته، فالإسلام هو الإسلام والديمقراطية هي الديمقراطية وهذا لا يضير المنهج الاسلامي أو المنهج الديمقراطي، والالتقاء بينهما كبير، فالديمقراطية هي خلاصة تجربة إنسانية قابلة للتحسين والتطوير، وليست معياراً نهائياً يقاس عليه من سبقها الى جميع تلك القواعد كالإسلام وغيره، وإن كان من الواجب والمفيد الاستفادة منها لتحقيق العدالة والحرية والمساواة ومنع الاستبداد، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.
• وسأبدأ تناولي لموضوع الكتاب من آخره أي ما ورد على الغلاف الخلفي من الكتاب – وأقتبس -: "ففي التوقيت يأتي هذا الكتاب في نهاية عصر "الاسلام السياسي" الذي وجّه ضربةً بالغةً الى صورة الإسلام كحضارة قادرة على التعايش مع العصر والحضارات الأخرى، وما توصّلت اليه الاتجاهات السياسية والاجتماعية والفكرية والإنسانية السائدة" – انتهى الاقتباس -.
• إن هذا الكلام يخالف ما ذكره الكاتب صراحةً في فصل (الديمقراطية والإسلام السياسي) ص 34 – 37 حيث ذكر أن تطوّر الوعي يجعل أن لو ذكرت هذه المفاهيم مجردة عن ذكر قائلها لحسب السامع أنها فقرة من البرنامج السياسي للأحزاب الإسلامية من حماس للنهضة وما بينهما. ثم ذكر أن هذه الأفكار تبدو اليوم جزءاً من بديهيات العمل السياسي في العالم الإسلامي، الذي تبنى بوضوح أن الدولة الإسلامية دولة مدنية وأنها لا تُحكم بسلطان الله وإنما تحكم بسلطان الشعب، وأن الوحي لا يعيّن خلفاء ولا وزراء ولا نواب، وإنما الشعب هو من يختار حكامه وهو من يحاسبهم ويعزلهم.
• ثم ذكر أن هذه الأفكار في الواقع اليوم جوهر الخطاب السياسي للحركات الإسلامية التي انخرطت في العمل السياسي ودخلت البرلمانات في البلاد العربية والإسلامية. ثم ختم في هذا الباب: لقد حان الوقت لوقف الصراع الموهوم بين الإسلامي والعلماني في السياسة، وهذا الأمر في حقيقته قد تحقق بنجاح على مستوى الحركات الإسلامية الديمقراطية والأحزاب الوطنية.
• فهل يعيب الإسلام السياسي أنه وقف مع شعبه أينما وجد في نضاله ضد الاستبداد، ثم كان بعد ذلك من الداعمين مع غيره للاحتكام لصناديق الاقتراع، وهل يعيبه أنه يدفع ثمن الانقلابات والثورات المضادة على حراك الشعوب، وهل حقاً انتهى عصر الإسلام السياسي أم هي موجةٌ ثورية وقعت في العام 2011 ستتلوها موجاتٌ ثورية على غرار ما حصل في الثورة الفرنسية وغيرها من الثورات العالمية الأخرى، وحده التاريخ سيخبرنا عن ذلك ولكنني أرى اليوم من يمثل الإسلام السياسي في عالمنا العربي يحققون نتائج مميزة في كل انتخاباتٍ يخوضونها، من المغرب الى تونس والجزائر وموريتانيا والأردن والكويت وتركيا وغير ذلك كثير.
• لقد أبرز الكاتب نقاط الالتقاء بين المنهج الإسلامي للحكم والديمقراطية وأجاد في ذلك، ولكنني أظن أنه ذهب بعيداً في ذلك حين أعتبر تغير الأحكام هو نوعٌ من الديمقراطية ونزولٌ عند رغبة الناس، بينما في الحقيقة أن مجمل النسخ أو التعديل في الأحكام جاء كتدرّجٍ في الحكم مراعاةً لطبيعة الناس والانتقال التدريجي بهم من حالٍ الى حال، أو تصحيحٌ لاجتهاد بشري في الحكم على الأمور، أو توضيحٌ لما التبس على الناس من فهم.
• جوهر الديمقراطية أيها السادة، هو أن يختار الناس من يحكمهم، وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام يرفضونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف، وألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها. هذا هو جوهر الديمقراطية الحقيقية التي وجدت البشرية لها صيغًا وأساليب عملية، مثل الانتخاب والاستفتاء العام، وترجيح حكم الأكثرية، وتعدد الأحزاب السياسية، وحق الأقلية في المعارضة وحرية الصحافة، واستقلال القضاء .. إلخ، وهو ما لا يمكن أن يرفضه الإسلام الذي أمر بالشورى، وذم الفراعنة والجبابرة، ودعا الى اختيار القوي الأمين، والحفيظ العليم.
• ولقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلّم في الحديث: "ثلاثةٌ لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً، منهم رجلٌ أمَّ قومه وهم له كارهون...، فإذا كان هذا في الصلاة فكيف في الأمور الحياة والسياسة؟
• كما ذمَّ القرآن الكريم التحالفٍ الخبيث بين الحاكم المتسلط على الناس، كفرعون، وبين السياسي الوصولي، الذي يسخر ذكاءه وخبرته في خدمة الطاغية، وتثبيت حكمه، كهامان، وبين الإقطاعي المستفيد من حكم الطاغية، يؤيده ببذل بعض ماله، ليكسب أموالاً أكثر من عرق الشعب ودمه، كقارون، وهو المشهد الذي نراه اليوم في الكثير من الدول.
• لقد سبق الإسلام الديمقراطية بتقرير القواعد التي يقوم عليها جوهرها، ولكنه ترك التفصيلات لاجتهاد المسلمين، وفق أصول دينهم، ومصالح دنياهم، وتطوّر حياتهم بحسب الزمان والمكان وتجدد أحوال الإنسان. وميزة الديمقراطية أنها اهتدت ـ خلال كفاحها الطويل مع المستبدين ـ إلى صيغ ووسائل، تعتبر ـ إلى اليوم ـ أمثل الضمانات لحماية الشعوب من تسلط المتجبرين.
• وحتى تتضح الصورة، يمكن تلخيص خصائص النظام الديمقراطي بالنقاط التالية:
• 1. اختيار الشعب ممثليه عن طريق انتخابات عامة.
• 2. ممارسة الأغلبية المنتخبة الحكم، وهي أغلبية سياسية وليست عرقية أو إثنية أو دينية.
• 3. صيانة حقوق المعارضة والتعددية السياسية والتداول على السلطة.
• 4. صيانة الحريات العامة، كحرية التعبير والاجتماع والصحافة.
• 5. وجود دولة القانون التي تحترم وتضمن حقوق المواطنين والمساواة بينهم.
• 6. ضمان الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية
• 7. ترسيخ مبدأ الدستورية، أي احترام الدستور والعودة اليه في حل الخلافات.
• كما يمكن تلخيص المنهج الإسلامي للدولة بأنها دولة مدنية
• 1. الشعب فيها مصدر السلطات: يختار الحاكم، والممثلين، ويحاسب ويسائل.
• 2. ليست دولة دينية: أي لا تحكم باسم الحق الإلهي، وقراراتها لا تمثل إرادة الخالق وإنما اجتهادات المسؤولين التي تحتمل الصواب والخطأ.
• 3. وهي دولة ذات مرجعية وقيم:
• - الكرامة: (ولقد كرّمنا بني آدم)
• - الحرية (لا إكراه في الدين)
• - العدالة (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)
• - التعايش: (ميثاق المدينة: اعتراف – احترام – أخلاق – تعاون)
• - الشورى: (وأمرهم شورى بينهم).
• 4. وظائفها: تأمين العدالة الاجتماعية، حراسة المال العام، إنفاذ القانون، وحفظ السيادة.
• 5. تقوم على المواطنة الصالحة: أي الوحدة في إطار التنوّع: الوحدة المجتمعية، واحترام التنوع الثقافي، وممارسة التعددية الحزبية، وحرية المعتقد وممارسة الشعائر.
• اشتكى قبطي لعمر بن الخطاب بأن ابن والي مصر عمرو بن العاص قد قام بضربه، فاستدعى عمر عمرو بن العاص وولده، وطلب من القبطي أن يقتص لنفسه ممن ضربه، ثم قال لعمرو بن العاص: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".
• 6. الحاكم فيها موظّف عند الشعب ويعمل لصالحه وفق الدستور المتفق عليه، ولا قداسة أو عصمة للحاكم.
• لذلك كانت مقولة أبي بكر الصديق: فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني .. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته، فلا طاعة لي عليكم
• ومقولة عمر بن الخطاب: أيها الناس من رأى منكم في اعوجاجًا فليقومني.
• كما كانت مخصصات أبي بكر الصديق: نصف شاة يومياً.
• كما كانت مخصصات عمر بن الخطاب: ثوب في الصيف وثوب في الشتاء، قوت أهله كأوسط الناس، دابة يحج عليها ويعتمر.
• ومن المناسب إجراء مقارنة بين هذه المخصصات ومخصصات المسؤولين في الدول التي تمارس الديمقراطية فضلاً عن بلداننا.
• 7. قواعد الحكم فيها تقوم على سيادة القانون والتساوي أمامه، وعلى الشورى واستقلال القضاء وعلى الانتخاب الحر (سقيفة بني ساعدة ومرشح من الأنصار ومرشح من المهاجرين ثم اختيار أبي بكر).
• ولقد إدّعى يهودي على علي بن أبي طالب بدرعٍ مرهونة، فاستدعى القاضي المتخاصمين (اليهودي ورئيس الدولة) أمامه بالتساوي حتى حكم بينهما.
• أيها الحضور الكريم، ذكرت لكم هذه المقارنة بين خصائص النظام الديمقراطي وخصائص النظام الإسلامي، لأقول لكم أنه لا اختلاف جوهري بينهما، وأننا نناقش في جنس الملائكة بينما حقوقنا تهدر وأوطاننا تضيع بسبب الاستبداد والفساد والارتهان.
• شكرا لدار سائر المشرق على طباعتها لهذا الكتاب الغزير بالاستشهادات والمفيد لكل باحث في هذا المجال، شكراً للصديق أنطوان سعد على الدعوة، وشكراً للحضور الكريم على الاستماع.
- مصطفى علوش
في ندوة دار المشرق عن الكتاب في معرض بيروت الدولي للكتاب 16/12/2018
• أود أن أتوجه في البداية بخالص شكري للدكتور محمد حبش لقبوله أن أتتطفل لنقاش كتابه "النبي الديموقراطي"، بالرغم من أن كثيرا من الأفكار المسبقة باعدتنا من خلال مواجهات متلفزة، يوم كنا على طرفي النقيض بخصوص ما حدث في سوريا. لكن علي أن أؤكد أن ما ميز الدكتور محمد بالنسبة لي، حتى في تلك الأيام، هو تهذيبه ولطافة تعبيره، بالمقارنة مع آخرين لن أضيع وقتكم بالحديث عنهم.
• فالحدث اليوم هو الكتاب، وأنا أعرف كم يكون الكتاب عزيزاً على كاتبه، فهو أشبه بفلذة كبده، وهو روحه التي يخط معالمها على الورق ليري الناس ماهيتها، وهي جسده العاري أمام الجميع ليتفحصوه ويشرحوه، وهو ما زال حياً. لذلك فمن الصعب، ولربما من المستحيل أن يكون المرء منصفاً في مديحه أو هجائه لكتاب قد يرى الكاتب فيه معنى لوجوده عندما يعصر فيه وجدانه وخالص تجربته، بحلوها ومرها.
• كل ذلك لا يمكن اختصاره والحكم عليه بساعة عابرة ولا بقراءة هي بالتأكيد بغير وجدان الكاتب. لذلك فأنا أعتذر مسبقاً عن قصوري المرجح عن الإحاطة بكل ما رمى الكاتب إليه في كتابه، والإكتفاء بتلاوة انطباعاتي العامة عما ورد فيه.
• النبي الديموقراطي؟ بالأساس فإن النبي يوحى له، وبالتالي هل يصح نقاش أو بحث أو حوار مع ما هو موحى به؟
• ولكن إن عنينا بالديموقرطية كنظام حكم، فقد يكون التعبير في أيام الرسول سابق لزمانه، فتعبير ديموقراطية كان قد سبق ولادة النبي محمد (صلعم) بأكثر من ألف سنة، بعد أن انقلب نظام الحكم في أثينا في أوائل القرن السادس ق.م.، يوم حلت الفوضى والثورة ، فابتدع الحكيم سولون منظومة حكم يديرها كامل المواطنين الذكور الأحرار في المدينة، من خلال جمعية عمومية كانت تعقد على سفح تلة أكروبوليس. وبالرغم من أن بعض المعجبين بالحضارة الأثينية اعتبروا ان سر النجاح في مواجهة الجيش الفارسي الجبارسنة 488 ق.م. في واقعتي سلاميس وثرموبيلاي، كان لكون نظامها ديموقراطياً يواجه السلطة المطلقة لأحشويرش الأخميني، لكن القضية على الأرجح ما هي إلا جزء من الأساطير المرتبطة بترويج الديموقراطية في العصر الحديث، فمن انتصر على الفرس يومها كان عدد من المدائن المستقلة، وكان بعضها، وربما أهمها كسبارطة، ديكتاتوريات عسكرية.
• أما عن فرضية النبي الديموقراطي فعلينا التفريق بين سيرة الرسول (صلعم) ونظام الحكم الذي تم اتباعة في خلافة النبي، وإلى ما شاء الله في الدول والممالك التي حكمها ويحكمها مسلمون!
• فالديموقرطية هي مسالة تتعدى الموقف الشخصي لتكون أساساً لنظام حكم يستند إلى رأي الشعب بأكثريته، وإن وصلنا إلى العصر الحالي، فرأي الشعب يعتمد آليات وتقنيات وقواعد واضحة أهم أشكالها الإقتراع السري. لكن حتى هذا الإقتراع بحد ذاته لا يمكن أن يعد ديموقراطياً، إلا إذا استند إلى الحريات الأخرى المتعلقة بالتعبير والدعاية والمال وتأمين حق المعارضة... أما على المستوى الفردي، فالتعبير يصبح التسامح وليس الديموقراطية. ومن الواضح أن التسامح كان الصفة الأكثر التصاقاً بالنبي، في معظم الآحيان، حسب ما كتبه محمد إبن اسحق في عهد الخليفة المنصور العباسي، وذلك بعد أكثر من قرن ونصف على وفاة الرسول. والتسامح كان صفته الشخصية، ولم يكن حسب المسار التاريخي للمسلمين من الحكام أو المحكومين هو ما اعتمده هؤلاء كقدوة حسنة لهم.
• بمراجعة موضوعية للتاريخ المروي فإن الواقع هو أن نظام الحكم المعتمد لدى المسلمين لم يكن واضحاً ولا ثابتا،ً وهذا ليس غريباً، فالنظام العام الذي كان قائماً في تلك الحقبة كان السلطة المطلقة للملوك والأباطرة، وكان السلطان أو الملك أو الإمبراطور هو بشخصه القانون والدستور، ولم يكن بباله الإستناد لقواعد معينة، وإن كانت بعض الأعراف تقيد تصرفاته. وهذا تقريباً ما اتبعه الحكام المسلمون منذ الخلافة الأموية حتى الآن تقريباً،حتى بعد أن صار إسم دولهم جمهوريات ديموقراطية.
• تحدث الكاتب عن نظام الشورى في الإسلام، على أساس انه نظام أكثر نضوجاً من النظام الديموقراطي (فليس كل أحد يستشار، وإنما يستشار العليم ولا يستشار الجاهل، فرأي الجاهل هدر...) وهذا يطرح إشكالية جديدية هي ماهية الأسس التي يحدد بها الخط الفاصل بين الجهل والعلم، وما هي الجهة المخولة بوضع الأسس وانتقاء العالم من الجاهل، وهل كون العالم عالماً يحصنه من الهوى والرغبات والحاجات والأفكار المسبق’...؟.
• صحيح أنه في النظام الديموقراطي يمكن أن يدخل الخلل على النظام ذاته حتى من خلال تطبيق القواعد الديموقراطية، فقد تحل الرويبضة كما سماها الرسول، والأمثلة قائمة في يومنا هذا عندما يتنطح التافه للفصل في الشان العام، وتصحبه موجة الشعبوية، وعندها يستدرج التافه الجماهير لخدمته ودعم تفاهته والتصويت له مأخوذة بالهتافات والجنون الجماعي، فيصل التافه ذاته إلى الحكم، ولا يظنن أحد أن هذا الواقع قد يحدث فقط مع الشعوب الناقصة للثقافة والمعرفة، فمثل ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وروسيا البوتينية وأمريكا الترمبية قائمة وواضحة، ومعها ما سيأتي من غوغاء قومية في أوروبا، كلها تمثل وجهاً من أوجه الثغرات في الديموقراطية.
• لذلك فقد فضل أفلاطون حكم النخبة من الفلاسفة أو أصحاب الحل والربط، وقد تكون الشورى وجها من وجوه حكم النخب. لكن آلية الشورى بقيت غير محددة لا في عدد أفرادها ولا في صفاتهم ولا في آلية تغييرهم أو كف يدهم، ولا أظن أن المثال المتبع اليوم في إيران الولي الفقيه هو مثل نرغب باتباعه. كما أن مسالة الإجماع المرتجاة والبيعة أو التحكيم قد تفتح الباب، كما حصل تكرارا في تاريخنا المعروف، للفتنة والإنقسام.
• أما ترجمة التسامح النبوي في الحكم لاحقاً فلم نراها في المساوات بين الناس في الوصول إلى الحكم، بغض النظر عن دينهم أوجنسهم. بالطبع فإن هذا الكلام الآن بالموضوع يمكن وصفه ب"الأناكرونيسم" أو مسابق للعصر، فمبدأ المساوات كان غير وارد في تلك الأيام.
• وبالتالي فإن وصف الرسول بصفات أصبحت موضع تقدير في عصرنا الحديث فقد يكون من قبيل استباق العصر.
• الواقع هو أن هذه الظاهرة ليست غريبة عبر التاريخ المعروف، فالكثير من ألروايات للتاريخ، والتي تصبح لاحقاً حقائق ثابتة لمن يتلقاها في أزمان لاحقة، كانت تستند على ما يسمى بالتقاليد الشفوية، وهي الروايات المستندة إلى ما نقل من فلان لفلان لفلان أفقيا وعموديا.
• في هذه الحالات، فإن الكثير من الصفات المحببة والحميدة وبعض الأساطير الإضافية ستتسلل خلال نقل سيرة من نحب، والعكس صحيح لمن نمقت.
• كما أنه من المعروف أن رواية التاريخ تستند أيضاً إلى واقع السلطة ورغباتها.
• أما بالعودة لنظام الحكم المثالي، فهو ما يمكن أن يؤمن الرضى والسعادة الجماعية، ووظيفة الدولة هي أن تقيم مجتمعاً يحقق السعادة لأكبر عدد من الناس.
• والواقع هو إن نوعاً من أنواع الحكم قد يكون أحسن من غيره من حيث المبدأ، لكن ليس ثمة ما يمنع أن يكون نوع آخر خيراً منه في ظروف خاصة. وكل حكم هو حسن إذا كانت السلطة الحاكمة تعمل لمصلحة الناس جميعاً لا لمصلحتها الخاصة، ولكن إن لم تفعل هذا، فكل حكم يصبح سيئاً. ومن ثم فلكل نوع من أنواع الحكم هو فاسد حين يكون حكماً لمصلحة الحاكمين ولا يلتفت لمصلحة المحكومين، ففي هذه الحال تنحط السلطة لتصير استبداداً، والشورى تصبح حكم الأقلية المحيطة بالحاكم التي تسمعه ما يريد ان يسمعه، وتشير عليه بما يريدها أن تنصحه به.
• لكن أسوا أنواع الحكم في أيامنا هذه، وهو السائد في معظم بلدان المسلمين، فهو النظام الأبوي، حسب التوصيف العلمي السياسي الحديث، وهونظام يمارس شكلا من أشكال الديموقرطية مثل الإنتخابات، ولكنه يضمن دائما الفوز فيها، كما أن هذه الأنظمة، وإن أمنت نوعا من الإستقرار الأمني وبعضا من الإزدهار العام لفترة من الزمن عند فرضها الأمن بدل الفوضى وغياب الإستقرار، لكن الطبع الأبوي للحاكم يجعله يتصرف بالدولة كملكية خاصة يورثها لمن يشاء من بعده. وهذه المنظومات لا تلبث أن تنهار بشكل أو بآخر، ولا داع لذكر الأمثلة، فنحن نعيشها.
•
• ما لنا ولكل ذلك، فأنا أرى، ككثير من الباحثين، بأنه من الخطأ بمكان بأن نخلط عالم الحكم والسياسة المتحول والمتبدل وغير المقدس، بالمقدس الثابت المتمثل بالإيمان، فإن الإصرار على هذا الخلط يعرض الثابت لنكسات المتحول. كما انه من الخطأ الجسيم الإصرار على قول أن دين الدولة هو كذا، فالدولة هي كيان نظري ولا يمكن إعطاؤها صفة تستند إلى الإيمان كعنصر محوري، وهي صفة للفرد، فلا يوجد شعب ككيان معنوي مؤمن بدين معين بل أفراد مؤمنون لأن الإيمان هو عمل فردي وخاص، أما الشعائر والمظاهر فهي لا تعبر بالضرورة عن إيمان الأفراد ولا تعني بالتالي ان الإيمان معمم على الجميع. ودليلي على كلامي هذا هو ما ذكرته من آيات بينات في المقدمة تدحض دعوة الداعين إلى فرض حكم الله على الأرض.
• أريد في الختام أن أنوه خاص بجهد الكاتب للتوفيق بين روحية الإسلام بشخص النبي (صلعم) مع بروبغندا العصر المسمات ديموقراطية، والواقع ان هذا الجهد ذكرني بحماستي سنة 1979 يوم سقط الشاه في إيران، وظننت مع الكثيرين من الشبان اليساريين بأن، هذه الثورة ستتمكن بتحالفها مع القوى الشعبية المتعددة التي انتفضت على الحكم يومها، من أن تشكل نموذجاً يحتذى به لتزويج الإسلام مع الديموقراطية وذلك من خلال التعددية السياسية على الأقل. لكن سرعان ما أن تحول الحكم سريعا إلى منظومة ثيوقراطية مستبدة جعلت من الدين والإيمان متراساً لشرعنة الحكم المطلق.
• برايي أن سيرة الرسول صلعم تعبر عن آمالنا وتمنياتنا وعن الصفات التي نحب أن تكون في من نحب، وقناعتي بدراسة موضوعية، بان الواقع الذي كان قائما في فجر الإسلام، كان بالفعل تآلفاً لفئات متعددة دينيا وعرقيا ثارت على السلطتين الكبريين في تلك الأيام، وهما البيزنطيين والساسانيين. وتمكنت بقيادة النبي من تشكيل تفاهمات مبنية على التسامح فيما بينها في فترة الثورة وبدء تكوين المنظومة السياسية. لكن بعد وفاة النبي، وبعد إنطلاق الصراع المحموم على السلطة والخلافة، عمت الصراعات الدموية والإنقسامات التي بدا بعضها مستندا لاجتهادات في التشريع، وإن كان في الواقع صراع على السلطة، ففرضت "الوحدة" السياسية في أيام عبد الملك بن مروان حوالي 690 م. وقلت بعدها نسبة التسامح السياسي وعلى الأرجح الديني.
• اليوم أنا ممن يعتقدوا بأن أفضل الموجود للحكم هو النظام الديموقراطي الذي يؤمن الإنتقال الدوري للسلطة من دون أي استثناء، ويستند إلى استقلالية السلطات، ويفصل العنصر الإيماني عن السلطة والقانون، ويعطي الفرصة للمعارضة للتعبير عن نفسها والقدرة النظرية للمنافسة على الحكم، ويضع الحاكم تحت سقف القانون ويعامل العلماني والمتدين وكل أنواع الإلتزامات الشخصية بعالم الغيب بشكل متساو كأسنان المشط، أي أن الجميع متساوون بالحقوق السياسية والمدنية ذاتها تحت سقف قانون واحد.
• لكن هذا لا يعني أبداً أن تطور النظام السياسي في العالم وصل إلى نهايته مع التحول العالمي نحو الديموقراطية، فعلى مدى ثلاثة عقود زاد بثلاثة أضعاف عدد الدول التي تمارس نوعا من الإنتخابات التي قد توصف بالديموقراطية وهي ثلثي الدول المنتسبة للأمم المتحدة. ففي ظروف طارئة أو بظل متغيرات متسارعة في العلوم والتقنيات، فإن منظومات جديدة قد تفرض نفسها بناءأ على تلك المتغيرات. وأنا أخالف رأي فرنسيس فوكوياما بأن الديموقراطية الليبرالية هي آخر التطورات في سلم الإرتقاء لأنظمة العلم، فنحن إن كنا قادرين على التحكيم في روايات التاريخ وتحليلها والإستنتاج منها ، فالمستقبل وإن كان يمكن تخيله، ولكن لا يمكن تأكيد حتمية حدوث ما نتصوره.
مطالعة الدكتور عبد الجبار الرفاعي عن كتاب نظام الحكم في الإسلام
راجعت الكتاب فرأيتك تقدم فهما عقلانيا واقعيا لمنطق الشريعة الإسلامية وأهدافها الكلية ومقاصدها الإنسانية الكونية، كما انعكست في الكتاب خبرتكم الجيدة في التراث والآثار المتعلقة بموضوع البحث.
علومُ الدين حقلٌ من حقول المعرفة العامة، وهي محكومةٌ بمنطق الخطأ والصواب وتطوّر الوعي البشري المحكومةِ بها المعارفُ والعلومُ كلّها. علومُ الدين التي تضعنا في أفق العصر وأسئلته ومتطلباته تبتني على مُسلّمات معرفية، مضمونها: لا نهائية المعرفة الدينية ولا أبديتها، وعدم بلوغ هذه المعرفة مدياتِها القصوى في أيّ زمان، وليس هناك أصولٌ وقواعد أبدية يمكن استعمالها لكلّ زمان في فهمِ الدين وقراءةِ نصوصه، فكلُّ عصر ينتج أصولَ فهمه للدين وقواعدَ تفسيره لنصوصه في سياق تطوّر علوم الإنسان ومعارفه.
فكرُ الدولة يبتني على نظريات الدولة وآراء المفكرين في أسسها وأنواعها ونظمها، وكيفية بنائها في سياق معطيات الواقع، ونسيجِ شبكات المصالح المعقّد والمتحرّك، ومهاراتِ التسويات البراغماتية، بينما ثقافة الإسلام السياسي تبتني على مُثُلٍ وقيمٍ وأخلاقياتٍ عامة، وأحكامٍ فقهية تقوم على نظرية التكليف. إن العملَ بموجب منطقِ التكليف الكلامي في المجال السياسي لا يبني دولةً حديثة، بل غالبًا ما ينتهي إلى نتائج تُخرّب الحياةَ السياسية، وتهدم الدولةَ الحديثة، ذلك أن للفعلِ المكلف به العبد، على وفق منطق التكليف، نتائجَ تنتهي أحيانًا إلى الضدّ من مصلحة الوطن والمواطن، ولا تسهم في بناء الدولة. المكلفُ بالتكليف الشرعي مسؤول أن يبرئ ذمتَه من التكليف، بقطع النظر عن نتائجِ الفعل وآثارِه. لذلك نجد أكثرَ الاسلاميين في السلطة يكرّر هذه المقولة: يهمني إداءُ التكليف الشرعي، وابراءُ الذمة أمامَ الله من الفعل المكلف به، لأنه يعتقد أنه مسؤولٌ أمام الله، ومن ينوب عنه من الخلفاء. وقلما نسمع من يقول: مسؤوليتي حيالَ الوطن والمواطن تفرض عليّ العملَ من أجل مصلحة الوطن والمواطن، والسعيَ لاستثمار كلّ الامكانات والفرص المتاحة من أجل بناءِ الدولة واسعادِ المواطن. أما في الدولة الحديثة فكلُّ من هو في السلطة يعتقدُ أنه مسؤولٌ أمام المواطن والوطن، لذلك ينهضُ بوظيفته في تأمين متطلبات المواطن والوطن المسؤولِ عنها.
كل ما يجري في حركة الإصلاح الإسلامي منذ جمال الدين الأفغاني حتى اليوم هو فتاوى ترقيعية متناثرة، وليس تجديدا للتفكير، وإعادة بناء لمناهج التفكير الديني. لا يمكن إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام إلا بالاعتماد على الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، وكل مكاسب العلوم التي تقدمها البشرية. المسلمون انتقلوا من وسائل النقل البدائية على الحيوانات إلى وسائل النقل الحديثة البرية والبحرية والجوية، وانتقلوا في البناء ونمط العمارة إلى العمارة الحديثة، وانتقلوا في كل الأشياء التي يستعملونها في حياتهم إلى مكاسب التكنولوجيا الحديثة، ولكنهم أخفقوا في انتقال عقلهم وتفكيرهم إلى الفلسفة وعلوم الإنسان الحديثة، وكأنهم كالعجوز الشمطاء التي ترتدي بدلة عروس لا تشبهها ولا تنتمي إليها. مثلا على الرغم من اهمية مقصد الحرية الذي أضافه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور على مقاصد الشاطبى المعروفة في كتابه الموافقات، لكن فقه المقاصد لم يطبقه احد في الاستنباط الا بحدود هامشية جدا، حتى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور كان يخضع لأدوات الإستنباط التقليدية الموروثة، لذلك لم يحرر فقها جديدا مختلفا بشكل أساسي عن الفقه الموروث. التجديد في الفقه يتطلب تجديدا في مناهج البحث والتفكير الفقهي ومناهج الاستنباط التي يستعملها الفقهاء في الحصول على فتاواهم في وقائع الحياة المختلفة. ما دام الفقهاء يخضعون في تفكيرهم الفقهي لأصول الفقه والأدوات الموروثة لا يمكنهم الخروج على التمييز الفاضح بين البشر المعروف في الفقه الإسلامي بكل المذاهب. كل المدونة الفقهية في الإسلام تتضمن تميزا في الاحكام بين: 1. المرأة والرجل. 2. العبد والحر. 3. المسلم والكافر. 4. في الفقه الجعفري هناك تميز اضافي في اعطاء نصف الخمس للسيد، حصة السيد تختلف عن العامي. مضافا إلى أن مدونة الفقه الإسلامي بكل المذاهب تنص على العقوبات البدنية والتعزيرات المعروفة في الفقه، وقتل المرتد، وغير ذلك من فتاوى ضد المساواة ومنطق الحقوق والحريات الحديثة.
لم يحصل أن نال شاعر في أمة من الأمم ذلك المجد الذي وهبته باكستان للشاعر إقبال، فهو حكيمها وفيلسوفها وقديسها ومؤسسها وشاعرها وديوان أحلامها وآمالها وآلامها، وجوهرتها الخالدة التي تتقدم بها إلى العالم.
وتتناول هذه الدراسة فكر إقبال ورسالته من خلال ثلاثة فصول رئيسية:
• خطاب النهضة
• خطاب التجديد
• خطاب الروح
في خطاب النهضة، نصحب إقبالاً في روائعه التي كتبها لاستنهاض العقل المسلم وبيان مكانه ورسالته في صراع الأمم، ونعيش في هذا المعنى بين رؤيا الشاعر ورسالته العالمية وبين الواقع الذي يعيشه المسلمون.
وينشغل إقبال بشكل رئيس بالمسلم الذي هو جوهر هذه المواجهة الحضارية، ولا يتحدث عن الغرب كمنتصر راشد، بل يتحدث عنه في قيامه ونهوضه كدرس إنساني دقيق، يحب ان لا يتحول إلى مشروع خيبة جديدة، ويطرح بثقة واقتدار مبادئ التواصل والتفاصل بين قيم الإسلام الروحية وبين قيم الغرب المادية.
وستتناوس هذه الدراسة الإشارة إلى موردين فكريين لفقه النهضة الأولإقبال القادم من الشرق والثاني مالك بن نبي، فقد بدا أن مالك بن نبي كان امتداداً مشرقياً لرؤية إقبال وفكره ومجده، وكانت رسالة الرجلين تتلخص في الدعوة إلى جذزة الآباء وليس رمادهم، وفي اتفاقهم على دور النبي الخاتم في نقل البشرية من ضباب الخوارق إلى ضياء السنن.
"لقد صنعت إقبال الفيلسوف، و مالك بن نبي الفكر، ظروف تاريخية واحدة. استمد كل منهما فلسفته، وفكره، من مصادر واحدة و روافد متماثلة تماما. فكل منهما ابن بيئة إسلامية و محيط ديني محافظ، ارتبط بالإسلام و فهمه عقيدة و شريعة، و كان حبه لله ولرسوله كبير، لم تؤثر فيه دعوات الإلحاد بل كانت تلك تزيده تمسكا بالإسلام، و حبّا له، و دفاعا عنه، و تزيده تخلقا بأخلاق الإسلام لرفع التحدي و التصدي لدعاة التغريب من أبناء العالم الإسلامي ومن غيرهم. كما اطلع كل منهما على الفكر الإنساني بشكل عام والفكر الإٍسلامي بشكل خاص، و نال عندهما الفكر الإٍسلامي القديم و الحديث كل العناية، و كل الاهتمام بالمتابعة و الدراسة و التقويم و المراجعة، كما نال الفكر الغربي القديم و الحديث نفس العناية و الاهتمام.
و كان للفكر الغربي و الحضارة الغربية بشكل عام الأثر البارز في فلسفة إقبال و فكر مالك بن نبي، لأن الفكر الإصلاحي الحديث لدى المفكرين هو مجرد استجابة لفكر غربي،و حضارة غربية غزت العالم الإسلامي، فكانت أمام قيم دينية و تاريخية موروثة، حملها دعاة الإصلاح، و أصحاب التجديد، في واقع تميز بوجود عالمين اثنين: عالم متخلف مغزو غشّه ليل الاستعمار، فهو يعاني الجهل و الفقر و البؤس و الحرمان، والعالم الإسلامي جزء منه. وعالم متحضر، غازي، يعيش الحضارة و المدنية والرفاء المادي والتنظيم الاجتماعي، و هو العالم الأوروبي، فكان واقع المسلمين المتميز بالتخلف و الانحطاط من جهــة و واقع أوروبا المتميز بالتقدم والرقي العلمي والتكنولوجي والاقتصادي من جهة أخرى، لهما الأثر البارز في تكوين فلسفة إقبال وفكر مالك بن نبي. "
وفي خطاب التجديد الذي نعتبره جوهر هذه الدراسة نقدم إقبال هنا خبيراً بصيراً بالداء الذي يعصف بالعالم الإسلامي ونقرأرسائله وصيحاته المتتابعة من أجل قيام المجتمع الإسلامي من سقوطه وتخلفه، ومسؤولية العقل في بناء روح جديدة وثقافة جديدة تزاحم ما يعج به هذا العالم من فلسفة وفكر.
يتقدم إقبال بشجاعة وجرأة ليفكك في بنية العقل المسلم كثيراً من المسلمات التي ألقاها الاستبداد في دائرة التابو ومنع من مناقشتها، ويقتحم منطق احتكار الحقيقة، ويطالب المسلم باكتشاف ما لدى الأمم من حكمة ونور، وينادي بالزمالة بين الديانات والفلسفات والحكمة، والتوقف عن تكفير العالم، ومع أنه لا يمل من الحديث عن المجد الإسلامي ولكنه بدا حريصاً تماماً على مكان الامة التي يريد: أمة بين الأمم، وليس أمة فوق الأمم، ودين بين الأديان وليس ديناً فوق الإديان، إنها دعوة للمساواة والكرامة وليس للنازية والغطرسة والاستعلاء.
ويبدو إقبال مدهشاُ في موقفه من القدر الذي بات يدرس على أنه سادس أركان الإسلام، ومع أن إقبال لا يناقشه لاهوتياً ولكنه لا يترك شيئا للاهوت!! بعد ان حطم كل تلك الأيقونات التي كان ترسف على ضمير المسلم وتحيله إلى شيء خاوٍ تعصف به رياح الأقدار وتتصرف به الأمم الغالبة كما تتصرف بأشيائها، ويقدم في الوعي بالقدر سلسلة مواقف جريئة لا يمكن للعقل السلفي تقبلها باي سبيل، ولكنه لا ينفك عن ربط رؤيته لحرية الإنسان وكرامته بنصوص الوحي المبين، وجوهر القرآن الكريم في دعوته للحربة والكرامة، ويعجب إقبال كيف غابت هذه الحقائق عن العقل المسلم.
ولكن موقفه الأعجب يتركز حول مسالة ختم النبوة، ويتعجب من ارتكاس فهم هذه المسألة لدى الفقهاء وتحولها إلى إعلان وفاة العقل والاستسلام للتأويل النصي والوقوف على ما وقف عليه السلف، في حين أنه يعتبر يوم ختم النبوة أعظم أيام العقل مجداً في تاريخ الإنسانية ويعتبره بنص واضح يوم مولد العقل الاستدلالي.
والمدهش أن إقبال لا يعتبر موت الرسول الأعظم هو يوم ختم النبوة، بل يعتبر مبعثه هو يوم ختم النبوة!! ويعتبر أن سلوكه الديمقراطي في التشريع والإدارة كان في الواقع إعلاناً وافياً بختم النبوة وتأكيداً لولادة العقل الاستدلالي.
وفيما يحاورك عن حججه وبراهينه في رسالة ختم النبوة ودلالتها العقلية والبرهانية، فإنه ينطلق من فوره ليشارك العارفين الذين استأنفوا التواصل مع السماء ولكن هذه المرة كمنبع إشراق ونور وليس كشريعة وقوانين، فقد قرر إقبال أن الشريعة والقوانين باتت شأن العقل الاستدلالي، تنتجها الأمة في برلماناتها ومجالسها الشوروية، وأن السماء هي مصدر إلهام وليست مصدر قانون، وأن الناس جميعاً شركاء في نفحاتها، وأنها شمس نور تشرق دون كلل في القلوب التائقة إلى ما فيها من نور وحياة.
ويصرح إقبال مراراً بأنه خاض لجج الشك والحيرة، وأنه عانى ما عانى للوصول إلى شاطئ اليقين، ولكنه يتمسك برؤيته التي نقلها عن هوايتهد بان الكون ليس حقيقة قارّة، إنه جدل متلاطم، وهو العناء الذي يكابده كل باحث عن الحقيقة، وهو معنى خلده في شطرين من الإعجاز
ليس يخفى على القلندر فكر
أنا عندي بكل حالـــــك خبر
*** ساور النشأ ظاهراً أو خفياً
فبهــذا الطريق سرت مليا
وفي هذا الفصل الخاص بفلسفة التجديد الديني عند إقبال فإننا سنعتمد بشكل جوهري كتاب إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام، وهو الكتاب الذي كتبه إقبال نثراً، وترجم نثراً إلى العربية عن الإنكليزية، ويتخذ كتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام طابعاً فلسفياً عميقا، ويمارس فيه إقبال الحفر في العقل المسلم للوقوف على جذور المشكلة التي جعلت المسلمين أمة متخلفة عن ركب الأمم، ويبحث بعمق عن الجذور الفكرية والتأصيلية لمشكلة التخلف الإسلامي.
وفي خطاب الروح نتناول إقبال في عالمه الروحي وهو يرتشف مباشرة في العالم الأعلى رحيق الروح وغامر الإشراق، وينضم إلى قافلة من زملائه الذين اقتحموا باشواقهم وشكواهم وضراعاتهم عجائب العالم الأعلى وأسراره.
ولا يكتفي إقبال بالثناء على تجاربهم الروحية في السماء كما تجلت في طور موسى ونفحات عيسى وغار حراء، بل يستأنف هذه المعارج مع الجنيد وأبي يزيد البسطامي وأبي العلاء المعري وابن عربي وجلال الدين الرومي ولا يستثني الحلاج ونيتشة ودانتي ولينين!! ويعتبر تجاربهم الروحية والعرفانية غنية وعميقة، ويبني على تلك التأملات أروع ما جادت به روحه من أشعار.
لا يطيق هؤلاء العارفون أن تغلق عن إشراقاتهم أبواب السماء فيمضون بأنفسهم في ممارسة الوصال مع الغيب والحديث إلى السماء، ثم يجمعون ما كان من إشراقهم وأذواقهم، في قصائد خضراء معطرة بالندى يراقصها الري والامتلاء فتجري في مسامع الناس بألحان الخلود.
ويصرح إقبال بتفاصيل دقيقة عن معراجه الروحي الرهيب، وتأخذه نرجسية متمردة فيعلن أن صياحه وشكواه قد أثارت صخباً وقلقاً في العالم الأعلى، وأن السماء باتت مشغولة بالرد على تساؤلاته وشكواه، ويشرح بالتفصيل مشهد الصخب الذي انفجر في العالم العلوي، والحيرة التي عصفت بالملأ الأعلى حول سبيل الرد على تساؤلاته الهادرة، وأن رضوان خازن الجنة هو من تولى في النهاية حواره وتسجيل شكواه وتعهد بالإجابة عليها بعد ان يعرضها على محفل السماء.
ويختار إقبال معلمه التاريخي جلال الدين الرومي ليكون وصاله ونجواه وشكواه ورجع صداه، ويبدو مسلّماً بدون تحفظ لكل ما أثاره جلال الدين في رسالته القائمة على إخاء الأديان وكرامة الإنسان، ويسميه الأستاذ، وهو لقب إجلال لم يتوجه به إقبال لمعلم آخر غير جلال الدين.
وقد عرف جلال الدين الرومي في التاريخ الإسلامي بموقفه الواضح في إخاء الأديان وكرامة الإنسان، وهو الامتداد الشرقي لحلقة من خمسة رجال بالغي التأثير في الفكر الإسلامي وهم ابن عربي وابن سبعين والسهروردي الشهيد وعبد القادر الجيلاني، وهم أبرز الرجال الذين صرحوا في التاريخ الإسلامي بدون مواربة أن الإسلام رسالة مصدقة للأديان، وأنها لا تتضمن ضرورة الحرب على الأديان أو التسخيف بها، وأن رسالتها في الأديان هي التصديق لما بين يديها في المشتركات، واحترام الرسل الذين قصهم الله علينا والذين لم يقصصهم علينا، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير.
ولا شك أن عكوفه في محراب جلال الدين موصول بالأثر البالغ الذي حققه جلال الدين في إطار الإخاء الإنساني، ومن جهة أخرى فقد كانت اللغة الفارسية التي كتب بها جلال الدين دون شك هي السبب الأبرز في التزامه بفكر جلال الدين، خاصة أننا نتكلم عن الشعر ومن المستحيل أن ينتقل الشعر من لغة إلى أخرى دون أن يفقد رونقه وأصالته، الأمر الذي جعل صلة إقبال بأعلام الإخاء الإنساني الآخرين من علماء الإسلام أقل تفاعلاً.
وفي حواراته الروحية هذه يقدم للمسلم كثيراً من الحكمة الغائبة التي علمها جلال الدين وأصبحت رائزة رحمة وحب ونور يقبسها السالكون إلى الله على هدى وبصيرة.
وقد اختتمنا الدراسة بحوار طويل بين إقبال وجلال الدين الرومي آثرنا تركه كما هو ببساطته وعمقه، وهو يشرح علاقة أستاذ بتلميذه الذي يتعقب خطاه بعد رحيله بستمائة عام.
الترجمة والنظم:
سنعتمد في هذه الدراسة على الترجمات الكريمة التي قدمها للمكتبة العربية كل من الأساتذة الأجلاء عبد الوهاب عزام وهو أول من عرف العالم العربي بسحر إقبال وروعة شعره، ثم الترجمات التي قدمها محمد حسن الأعظمي وعبد المعين الملوحي، وكلاهما قدم طرفاً بالغ الأهمية من شعر إقبال للمكتبة العربية وارتبط اسم الأعظمي بشكوى وجواب شكوى كما ارتبط اسم الملوحي بجناح جبريل.
ولا بد من الإشارة إلى مترجمين كريمين ارتبط اسمهما بديوان أرمغان حجاز وهما الأستاذ واعظ غلام أوغلي والدكتور نجيب المصري الذي ترجمه ونظمه شعراً، وقد قام الشاعر زهير ظاظا بنظم الديوان اعتماداً على نظم واعظ غلام اوغلي ونشر طرفاً منه على صفحات الوراق وقد اطلعت عليها على الموقع الالكتروني ولكن لم أعثر له على نسخة مطبوعة
ولا شك أن هذه الترجمات لم يكن ليكتب لها هذا القيام والنهوض والتأثير إلا بالجهد الكبير الذي بذله شعراء العربية الماجدون: الصاوي شعلان الذي نظم قصائد عديدة من ديوان إقبال رسالة المشرق وأشهرها قصيدة شكوى وجواب شكوى وهي التي باتت أشهر قصائد إقبال ومنذ السبعينات غنتها السيدة ام كلثوم وصارت على ألسنة الناس رمزاً للعزة الإسلامية والإسهام الحضاري للمسلمين خلال التاريخ.
كما ارتبط اسم زهير ظاظا بديوان جناج جبريل وقد نظمه بصورة أكثر غزارة وتدفقاً في الصور والتشبيهات والاستعارات، ولكنها لم تحظَ بعد بما تستحقه في النشر والتوزيع، وربما كانت بحاجة إلى صوت آخر كأم كلثوم ينشرها في روحانيات الشعب ولا زلت أتمنى على الصديق زهير ظاظا أن ينظم كل شعر إقبال ومثنوي جلال الدين وبذلك فإنه يقدم للمكتبة العربية أروع ما اختزنه التاريخ الإسلامي من حكمة وفلسفة.
كما أنني أقتحمت بنفسي هذا الباب الرهيب من نظم شعر إقبال وأسهمت بما في جعبتي من تناثر الكلمة، وأرجو أنني حققت إقبال في فكره وثورته أو في ألمه وتوقه على الاقل وستجد في الكتاب عدداً من القصائد التي نظمتها من روح إقبال وهي تنشر هنا لأول مرة.
ويجدر القول بان الفضل الأكبر في نقل تراث هذا العلامة يعود لعبد الوهاب عزام، الذي كرس حياته لنشر معارف إقبال وترجمتها، وقد أطهر براعة ظاهرة في نقل الفكرة نثراً، ولكن نظمه للقصائد جاء فقيراً في الصورة ورقص الكلمات، ومع ذلك فيجب القول إن ما رويناه عنه هو من جهة الفكرة أوثق ما ننسبه إلى إقبال.
- دراسة الصادق المهدي عن الكتاب
أخي العزيز الرئيس،
الأخوة والأخوات زملاء وزميلات المؤتمر،
أرجو تقبل تحياتي وسلامي وأمنياتي الطيبة.
أثمن عالياً موضوع هذا المؤتمر، ودعوتي لأساهم في قيمته المضافة المتوقعة لرمزنا متعدد الأوجه: العلامة إقبال.
وسوف أحدثكم عنه تحت ثلاثة عناوين هي: جانب من السيرة الذاتية، وإرثه، وأهمية أعماله لشؤوننا الإسلامية والدولية المعاصرة.
القسم الأول: جانب من سيرته:
لقد أظهر إقبال خلال حياته عدة مواهب، وحصل على عدة مؤهلات، وقام بعدة أنشطة. ومن علامات عظمته أن انجازاته لقيت تقديراً متزايداً بعد وفاته. وكما قال الشاعر العربي:
قد مات قومٌ وما ماتت فضائلهم وعاش قوم وهو في الناس أموات
وقال شاعر عربي آخر زار قبره، الصاوي شعلان:
عجِبتُ لنجمٍ مُشرِقٍ وهو غائبٌ ومُحتجبُ، مازال يبدو ويظهرُ
ولم أرَ نجماً قطُّ بعد احتجابهِ يزيدُ ضياءً في العيونِ ويُبهرُ
لقد رسمنا في ثقافتنا بحق نماذج من سير صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المآخذ أننا ملنا لاعتبار تاريخهم تاريخاً مقدساً؛ ينبغي أن نؤنسن ذلك التاريخ لنستفيد من مثالهم كبشر. كذلك، ينبغي ألا تتوقف النمذجة في فترة معينة من الزمن، بل تظل مستمرة طوال تاريخ الأمة.
إن سيرة إقبال وزمرته في لائحة الإنجاز، ينبغي أن تشكل لنا ببلوغرافيا للنماذج المرغوبة.
القسم الثاني: إرثه
إنه بالنسبة لباكستان شاعر وطني ومفكر عظيم، وبمثابة إلهام مؤسس.
وبرأيي فإنه بتطلعه لمجتمع فاضل جديد، سعى لإلهام المسلمين في الهند ليساهموا في مولد جديد للهند، شيء أشبه بعصرنة إنجازات السلطان محمود الغزنوي: إمبراطورية مغولية منقحة. لكن الحقائق السياسية بعد وفاته، أدت إلى التقسيم ومن ثم لكل المآسي اللاحقة.
لقد كان شعره محل تقدير كبير للمسلمين في الهند وجميع أنحاء العالم. فهو هنا يعد بمثابة جوتة للثقافة الألمانية، وشكسبير للثقافة الإنجليزية، والفردوسي للثقافة الفارسية وهلم جرا.
ويمكن وصف شعره بأنه كشعر أبي العلاء المعري، فلسفة منظومة.
كان إقبال يعتبر الرومي أستاذه، ويعبر في الكثير من شعره عن مفهوم الرومي بأن جميع المخلوقات تعبد الخالق، ويمكنها أن تشهد وجوده، ونوره، وتجلياته. ليس وحدة الوجود، ولكن وحدة الشهود.
لفهم فلسفة إقبال بشكل صحيح، فمن الضروري تحديد صورة الإنسان في الحقيقة قبل التنزيل وهو أن به قبس من روح الله، وعقل، وحرية اختيار.
إن فكرة إقبال الأكثر ثورية هي أنه بما أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هي الرسالة الخاتمة، ينبغي لها أن تحرر المؤمنين حتى يفعـّـلوا مواهبهم الطبيعية، من عقل، وروحانية وإرادة حرة، كمصادر للمعرفة. لكن التفسيرات التقليدية لسنة النبي صلى الله عليه وسلم جعلتها قيوداً على العقل والإلهام الروحي. قال:
لا تلمني يا صديقي إنني خدمة للعقل أنهيت النبوة
لم أشأ أرضى لكم أوهامكم فخذوا أقدراكم عني بقوة
مجدكم في الأرض لا ترسمه جثث تسكن في جوف المقابر
فخذوا أقداركم وانتبهــــوا واصعدوا انتم على تلك المنابر
إن نهاية النبوة في رأيه، ينبغي أن تشكل للناس مولداً للفكر البرهاني وللإلهام الروحي. وقد مارس إقبال هذه الولاية فعلياً، فسعى لمهمة جريئة جداً تحت عنوان: إعادة بناء الفكر الديني.
كان العالم الإسلامي بأسره قد وقع بحلول القرن التاسع عشر تحت سيطرة الغرب. وعلى الرغم من أن الدول الغربية سادت بتفوق القوة العسكرية، فإن الدول التي غزتها كانت في حالة تحلل ثقافي واجتماعي محزن. وعلى حد تعبير مالك بن نبي، كانت في حالة من القابلية للاستعمار.
كان الأثر الاجتماعي والثقافي للغزاة مذهلاً؛ ومن ثم تفاعلت المجتمعات المغلوبة عبر ثلاثة سيناريوهات: الرفض الكلي للغرب، وعلى النقيض منه القبول الكلي لدرجة الذوبان، وكان رد الفعل الثالث هو محاولة التوفيق.
أما الخيار الثالث فقد دعا إليه بعض العلماء، الذين كانوا على معرفة جيدة بالفكر الإسلامي، ولكن بفهم سطحي للحضارة الغربية، يمثلهم جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا، وآخرون.
صار العلمانيون مهيمنين سياسياً وثقافياً، ما أدى لرد فعل أصولي إسلامي، طغى على تطلعات المدرسة الأفغانية. حتى أن تلميذها، رشيد رضا، اتجه نحو الأصولية.
لكن، كان هناك ذوو المعرفة الجيدة بكلا الثقافتين الإسلامية والغربية. ينتمي إقبال لهذه المدرسة، إلى جانب مفكرين أمثال مالك بن نبي، وعلي شريعتي وغيرهما. وقد بذل هؤلاء الثلاثة جهوداً جادة لإعادة بناء الفكر الديني. وتمثل مساعيهم عهد النهضة الإسلامية.
لقد كان إقبال مؤمناً مخلصاً للعقيدة الإسلامية، ولكنه استنكر أن جعلها التقليديون قيداً على العقل والحرية. لقد أعجب بالكيفية التي انتشر بها الإسلام وهيمن على العالم لمدة سبعة قرون. ورأى كيف استوعب الإسلام المعتدين الدمويين مثل جنكيز خان وهولاكو فصاروا دعاة له. قال:
بغت أمم التتار فأدركتها من الإيمان عاقبة الأماني
وأصبح عابد الأصنام قدما حماة البيت والركن اليماني
ورفض آراء أولئك الذين ضحوا بالهوية لصالح التنمية، محتجاً بأن من يتجاهل ذاتيته سوف يفنى. قال:
كل من أهمل ذاتيــــــته فهو أولى الناس طراً بالفناء
لن يرى في المجهر قوميته كـــــل من قلد عيش الغرباء
ولكنه بقدر ما نادى بأولوية الهوية، رفض الآراء التقليدية التي تجعل الإسلام لا يواكب العالم الحديث.
إن الخطر على الإسلام ليس من الحضارة الغربية التي نمت هي نفسها من جذور الحضارة الإسلامية كما اعترف بيكون، ووات وآخرون. إن الخطر يأتي من فشل الفكر الإسلامي الراكد، والتحلل الاجتماعي.
أرسم هنا الخطوط العريضة لأهم أفكار إقبال:
أ) إن الهبوط من الجنة ليس تغييراً للأماكن، ولكنه تغير في الحالة من الحياة الجبرية للحياة الحرة.
ب) الجبرية تدمر مسعى الإنسان، القدر يعتمد على إرادتنا.
ج) ينبغي أن نترك ثقافة الاعتماد على الماضي لتشكيل المستقبل.
د) لقد شكل العلماء والحكام الطغاة تحالفاً غير مقدس لقمع الشعوب. ينبغي أن يتحرر الناس من هذا الاستبداد.
ه) ينبغي أن يكون العقل الإسلامي شجاعاً بما فيه الكفاية لاختيار مستقبله دون أن يكون أسيراً لقدسية الماضي. ولا يوجد لنظام الخلافة القديم أي مبرر من حقائق الوحي. إن أفضل ما يخدم مبدأ العدالة العزيز في الإسلام هو النظام الجمهوري الديمقراطي. إن تاريخ الخلافة هو تاريخ مُلك مستبد.
و) تطوير قانون الشريعة أمر حتمي. الفقه الإسلامي له أهداف معينة؛ ينبغي تطوير الأحكام بشكل مستمر لخدمة هذه الأهداف عبر تغيرات الزمان والمكان المختلفة.
وذكر أن نصوص الوحي نفسها تتطلب تعاملاً متحركاً فيما يتعلق بالتشريع.
ز) العبادة تجلٍ للتفاني واسع المجال، تقبل كل الساعين لرضا الله، ولله المشرق والمغرب وحيث ما تولي فثمَّ وجه الله. لذلك رفض إدانة الحلاج من قبل التقليديين الذين طالبوا بصلبه. وقال إن لويس ماسينيون كان على حق حول الحلاج. إذ لم يكن موقفه أن يرى نفسه منفصلاً عن الله. وفي هذا الصدد هناك الحديث النبوي: قال الله: "مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ" (رواه البخاري)، وهذه الفكرة أعرب إقبال عنها شعرياً:
"إن يكن غيبك التعظيم عن لحظ العيان
فقد صيرك الوجدان من الأحشاء دان".
ح) ويكرر مع الرومي دعم كرامة الإنسان، والأخوة بين جميع الأديان. ويؤكد أن الطريق إلى الله يتجاوز الطوائف والعقائد. يضع إقبال هذا شعراً:
إنما العالم طراً معبد كل من أحسن فيه يعبد
كل من في دهره قد أجملا فكرة أو قولة أو عملا
كلهم لله نعم العابد كلهم للخير نعم القاصد
هذه الأفكار تدعم آراء أحمد الفاروقي السرهندي. وهي تختلف عن سياسة السلطان (جلال الدين) أكبر، الذي حاول إقامة عقيدة جديدة للهند عبر خلط الديانات المختلفة.
ط) يعتقد إقبال في الآخرة كجزء من العقيدة الإسلامية. ويعتبر وصفها القرآني مجازاً. بالنسبة له فإن الجنة والنار حالتان لا محلان. الجنة هي أن تنتهي بالقبول الإلهي. والنار أن تخضع للتنقية من الشرور حتى تصير مؤهلاً للقبول الإلهي. ومع أن الأوصاف القرآنية محددة، إلا أنه مذكور أيضاً أن هناك (خلق جديد)، وأن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. وأنه (إلى ربك المنتهى). يقول:
أنت روح الله تسعى نحوه رغبا أو رهباَ أو ولها
أي نار أو نعيم ترتجي؟ وإلى ربك فيه المنتهى
بالنسبة لإقبال، الجنة هي حالة الفوز والرضى. وليس في الإسلام لعنة أبدية. والنار ليست هاوية حفرها إله منتقم، لكنها ظرف لتطهير مرتكبي الشرور ليتأهلوا للحياة الحرة. والجنة ليست عطلة كسولة، ولكنها متعة النعيم الروحي. إنه يردد كلمات الصوفية الشهيرة رابعة العدوية: إن قوماً عبدوك رجاء جنتك فتلك صفقة تجارية، وإن قوماً عبدوك خوف نارك فتلك صفة العبيد وإن قوماً عبدوك لأنك أنت الله .. هؤلاء وحدهم من عرفوك.
ي) دافع إقبال عن رؤية للقدر ترفض الجبرية التقليدية كجزء من العقيدة الإسلامية. وقد اخترع الطغاة هذا الرأي لحماية سلطتهم الاستبدادية. قال به مؤيدو الأمويين والعباسيين، وبكلمات معاوية: "لو لم يرني ربي أهلاً لهذا الأمر ما تركني وإياه".
قال إقبال إن الناس أحرار في تقرير مصيرهم. وأن الأقدرا تكتب بعد حدوثها. (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُم)، كذلك (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ). وإن وجهة النظر التقليدية الجبرية للقدر تعد خفضاً مزرياً لقيمة الإنسان. في شعره:
"أيها المسلم يا نور السماء كيف لا تشرق في أرض البشر
أنت سلطان الليالي لا كما قالت الحمقى أسيرا للقدر"
ك) رفض الاعتقاد في مخلص منتظر، المهدي، باعتباره اعتقاد يدمر قوة العزيمة. فهو يجعل المؤمنين يتركون واجبهم في الإصلاح ويسلمون أقدراهم للمنقذ المنتظر. ومن الأهمية بالنسبة لي، وجدي صاحب عقيدة مهدوية، أن أعلق على رفض إقبال للمهدية في الإسلام، مدعماً رأيه بمقولة ابن خلدون.
إن رفض ابن خلدون للفكرة أجوف، لأنه جادل بأنها تطيح باستقرار الحكم. بينما الحكومات المعنية كانت مستبدة، وقد ادعت سلطة دينية لدعم استبدادها. إن زعزعة استقرارها أمر كان ينبغي أن يُرتجى.
لكن حجة إقبال برفض المهدية، كاعتقاد ينطوي على انتظار خامل وفقدان لدافع التغيير والإصلاح، سليمة.
لم يصف جدي الكبير مهمته تحت أي من معتقدات المهدية التقليدية. فهناك اعتقاد الشيعة الاثني عشرية، وهم يتوقعون للإمام الثاني عشر الذي اختفى قبل اثني عشر قرناً أن يعود مهدياً. وهناك اعتقاد العديد من أهل السنة أن المهدي سوف يأتي في آخر الزمان. وكلا العقيدتين مؤهلتين لرفض إقبال. لكن جدى لم يؤمن بأي منهما، لقد أعلن مهديته كولاية روحية تعبر عن مهدية وظيفية تتفق والحاجة إلى التغيير، تحديداً:
• أن التقليد الإسلامي السائد كبل الإسلام بعقائد تفسير إنسانية عبرت عنها المذاهب المختلفة. قال إن مذاهبهم ليست ملزمة. وأن النصوص الوحيدة الملزمة هي القرآن والسنة. فالوحي هو الملزم للمسلمين، لا الاجتهادات البشرية.
• في الإسلام هناك ثوابت هي التوحيد، والنبوة، والأركان الخمسة، والاعتقاد بالمعاد، ولكن المسائل الاجتماعية والمعاملات عرضة للتغيير المستمر. وبكلماته: لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال.
• أشار لأن ظروف العالم الإسلامي المعاصر كالحة، ومنبتة عن مبادئ الإسلام، وخاضعة لانقسامات مذهبية حادة، وتعاني من عدة مظالم، ومستضعفة بالاحتلال الأجنبي. ما دعا لحركة جذرية لخلاص العالم الإسلامي من الظلم والانقسامات والسيطرة الأجنبية. مفكرون مسلمون عديدون لا يؤمنون بتعابير المهدية التقليدية دعموا هذا الدور الوظيفي، على سبيل المثال الشيخ أحمد العوام، بل حتى مؤلفي العروة الوثقى.
• قال إنه بحث عن شخص يقود المسلمين لتغيير هذه الحالة المزرية، ولكنه لم يجده. وأثناء كدحه نحو ذلكم الفجر تلقى اتصالاً روحياً من قبل النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بأنه المهدي. هذا النوع من التواصل مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم شائع في الإسلام الصوفي.
• وبالتالي فقد عرّف المهدية بشكل وظيفي، وخلّص الإسلام من أغلال عقائد الماضي، وقد تلقى ولاية باتصال روحي هو عملة مقبولة بين المتصوفة، ولكنه وضع قاعدة أساسية كي تتم مقايسة أقواله وأفعاله بنصوص القرآن والسنة.
هذا الشكل من المهدية الوظيفية تدعمه آيات قرآنية عديدة، مثلاً: (إِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ).
لا أعتقد أن موقف إقبال يتعارض مع هذا التعبير الوظيفي عن المهدية.
ل) دافع إقبال عن رسالة الإنسان: إنني هنا في عالمي الذي أبنيه بعرقي وكفاحي، لقد صنعت قدري على هذه الأرض، لم تأت بي إلى هذا المكان حية ماكرة، ولم أسقط بغواية امرأة، ولم تنبذني من جنة عدن خطيئة أعيش إثمها وشؤمها، أنا هنا لأنني أحمل مشروع حياة وإرادة بناء، أنا هنا لأنني أريد أن أخلق عالمي بيدي، ولا أريد أن يصنعه لي خدام السماء.
م) للأسف فإن نهاية النبوة أنتجت تاريخياً عالماً من ركود الفكر، وتجميد الفقه، والملك المستبد. القرآن يتوقع منا أن ندرس قوانين الكون، وأن نستخدم عقولنا، وأن ندرس تاريخ الآخرين كمصدر للمعرفة، وكلها جوانب ترتبط بنهاية النبوة. إن ختم النبوة ينبغي أن يدفعنا لنخلق عالماَ فيه:
- تمكين العقل.
- اعتراف بكرامة الإنسان ومساواته.
- استيعاب لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
- تعدد العقائد الدينية قاعدة مقبولة.
- السنة لا تفرض تكرار الماضي، ولكنها تستخدم نهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المستجدات.
- لكن، بالرغم من أن نهاية النبوة تمكّن لولاية العقل، فإنها لا تنهي الإشراق الروحي. نعم لن يوجد مزيد من الأنبياء، ولكن هناك الولاية، أي الترقي الروحي.
وهنا يكمن نزاع كبير: قال الغزالي إن الإدراك الحسي خادع، وبالتالي فإن العقل قاصر. وأن الإشراق الروحي هو المفضي للحقيقة. ومع ذلك، قال الفيلسوف الأشهر ابن سينا، بعد ثلاثة أيام من لقائه مع الصوفي الشهير - أبي سعيد بن أبو الخير: ما أعرفه، "يراه" وما "يراه" أعرفه. وهذا يعني أن هناك مساران عقلاني وصوفي معاً. ينتمي إقبال لهذه المدرسة.
ن) أخذ إقبال على التقليديين أنهم حولوا السنة لقميص حديد. في القصيدة التي يخاطب فيها النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
أيها الصادق كم من نكبة قد نكبناها بنص مسند
لم تكن تعلم لما قلتها أنها دستورهم للأبد
ولذلك، لا ينبغي تصور إعادة بناء الفكر الديني على أساس الهياكل التقليدية، بل على أسس القوانين الاجتماعية والطبيعية للكون.
والمفكرون المسلمون سبقوا الغربيين في ذلك، فقد تصور ابن مسكويه التطور البيولوجي، ودعا ابن رشد للعقلانية، ورأى ابن خلدون أن جميع جوانب الوجود، طبيعية كانت أو اجتماعية، خاضعة لقوانين متسقة. إنها عبقرية عقول المسلمين التي حررتها رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
س) تجلت عبقرية إقبال في تركيزه على ظاهرة الغائية في الكون. وأن التاريخ يتحرك حتماً في اتجاه صاعد. وهذا من شأنه أن يفضي لعالم جديد أعلى.
ع) رفض إقبال الروحانية التي تقبل الأمر الواقع. هناك صلة عضوية بين الوعي الروحي والعدالة الاجتماعية، والدعوة لتحرير الشعوب المضطهدة. يقول في إشارة للرسالة الإسلامية:
هل جاءكم نبأ العقيدة عندما خـــرت لها الأيام للأذقان
ومحت من الدنيا الخوارق بعدما محت الفوارق فطرة الإنسان
ف) يؤيد إقبال كلاً من العقلانية والصوفية؛ ويرى كليهما من مكونات الصفات الإنسانية. وقد خلق فكره في هذا الصدد، وعياً بنّاءً عابراً للثقافات بين العقلانيين المسلمين والغربيين، وبين صوفية المسلمين ومتصوفة الغرب. وهو يرى هنا أنه لا يوجد شيء بشري غريب عليه. وأن قلب الإنسان هو مصدر التنوير. تقول القصيدة:
قلبك الشمس فاقتبس النور منه كل ما ترتجيه نفسك عندك
هذه النزعة الإنسانية موجودة بشكل أكبر لدى الرومي الذي يعتبره إقبال أستاذه. والرومي الذي يعد قائد النهج الصوفي في الشعر الإسلامي رفض احتكار الخلاص، ورفض قبول الحيازة الوحيدة للحقيقة. ودعا لأخوة جميع الأديان من أجل تكريم ودعم الأخوة البشرية. يرى إقبال في هذا الموقف جواز مرور المسلم لنادي الحضارة الإنسانية. فليس هناك مكان في هذا العالم الجديد لمن لا يؤمن بالإنسانية ولمن يرفض الأخوة البشرية. ينبغي أن تزال كل الحواجز لتتآخى الأديان، وتتآزر الأيديولوجيات، ولا يطغى جيل على آخر، ولا يكون هناك مكان لتفوق الذكور على الإناث، ولا يظل من عبد وسيد.
ص) في قصيدة جميلة جداً، يعبر إقبال عن مفهومه للإنسانية الإسلامية:
إنما العالم طراً معبد كل من أحسن فيه يعبد
كل من أدلى بقول طيب ينبت الغيث كغيث صيب
كل من أحسن يوماً عملاً كل من أحيا مواتاً هملا
كل من في أرضه قد زرعا ليغيث العرب والعجم معا
كل من يغرس مخضر الشجر فيه للإنسان ظل وشجر
كل من ينبط بئرا في السبيل تنفع الظمآن من حر الغليل
كل من يبني بناء حسنا كل من في صنعه قد أتقنا
كل من أحدث علما للبشر ينفع الناس ولم يقصد لشر
كل من في دهره قد أجملا فكرة أو قولة أو عملا
كلهم لله نعم العابد كلهم للخير نعم القاصد
ق) أفكار إقبال، وآراؤه حول إعادة بناء الفكر الديني، ودوره كمسلم ملتزم تجرأ بتحدي البناءات التقليدية، وكونه رابطاً بين العقلانية والصوفية، وبين الفكر الإسلامي والفكر الغربي، وبين الثقافة العربية و الثقافات الهندية والفارسية؛ كلها من مظاهر إرثه.
وسوف أشير لتأثير أفكاره على إعادة البناء في القسم الثالث من هذه الورقة، ولكني في نهاية هذا القسم أود أن أشير إلى بعض أفكاره، التي أراها ضلت الطريق:
• أشار بإيجابية لأفكار نيتشة الفلسفية. هذا الفيلسوف كان مفكراً ذكياً جداً أهدر جهوده في حملة إلحادية تجاوزت العقلانية لتعلن موت الله. وبعكس توقعاته، زادت الأصولية الدينية في جميع الأديان. وقد ألهمت تكهناته شكلاً من العقيدة العلمانية الخطيرة: أيديولوجية علمانية ألهمت الاستعلاء ومن ثم النزاعات التي تلت. لقد كانت خيال عقل مريض، وما كان ينبغي لها أن تجد قبولاً لدى مطامح إقبال البناءة.
• أعرب عن إعجابه بمصطفى كمال. هذا السياسي شجعته نجاحاته العسكرية وانحطاط تركيا العثمانية لتبني شكل من أشكال العلمانية اللا دينية. وقد كان لأيدولوجيته وبرنامجه أثر مدمر بوضعه للتنمية في مقابل الهوية. فكان لإصلاحاته رد فعل مضاد في تركيا، ورد فعل متطرف في الاتجاه المعاكس في العالم الإسلامي. إن تطبيق أساليب العسكرية في الأيديولوجيا والسياسة يأتي حتماً بنتائج عكسية.
• يمكن فهم تعاطفه مع الماركسية واللينينية في سياق مظالم الرأسمالية، والقمع في روسيا القيصرية. ولكن بالنسبة لمثقف كإقبال، كان ينبغي أن يرى العيوب الأساسية للماركسية. فكرة أن المادية هي أساس كل العلاقات الاجتماعية، وأن العمل هو العامل الوحيد للإنتاج؛ أخطاء أساسية. إن تطورات الرأسمالية عبر العملية الديمقراطية قد دفعت الرأسمالية نحو دولة الرفاهية، ونمو قوى موازنة في المجتمع الرأسمالي. ويمكن تقدير اللينينية كردة فعل على الاستبداد الإقطاعي الروسي. لكنها وضعت بذور الستالينية. لقد تملكني إحساس بأن إقبال كان من فرط اشمئزازه من الأمر الواقع السائد يرحب بشكل عشوائي بأي تغيير جذري لإحلاله. ولا يمكن عذر مفكر في قامته على ذلك.
القسم الثالث: أهميته للإسلام والعالم
سوف أناقش هنا أهمية إقبال للعالم الإسلامي المعاصر وللنظام الدولي:
1 – صدم إقبال للغاية بالمفارقة بين ماض مجيد وحاضر بائس. وقد عكس في كلمات الشيطان التي تخيلها كم من البؤس المخبوء للعالم الإسلامي، وأن تدميره النهائي سوف يأتي من الداخل.
لقد حاول العديد من المفكرين السعي للمصالحة بين الطوائف الإسلامية، ولهندسة التوفيق بين عالم الإسلام والحضارة الحديثة.
يحتاج عالم الإسلام اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة بناء الفكر الديني لهندسة التوفيق بين الهوية والحداثة، وللتغلب على الاستقطابات الطائفية المقسّمة.
وعلى الصعيد الدولي، فإن عوامل عديدة مثل ثورات المعلومات والاتصالات تدعو للعولمة، بينما يدفع التنوع الثقافي، والمصالح الاقتصادية، والطموحات السياسية، في اتجاه مغاير.
2. هناك عوامل عديدة تعيق الإصلاح. وفيما يلي أهمها:
أ) الثورة الكمالية في تركيا ببرامجها المناهضة للإسلام تجاوزت استبدال العثمانيين إلى استبدال الإسلام، ما شجع على موقف علماني مماثل في مناطق عديدة. اتخذ رد الفعل إسلامي أشكالا عديدة، ما أسفر عن استقطاب أيديولوجي حاد.
ب) كان شاه إيران نسخة كمالية إيرانية مع الفارق. والفرق هو أنه صار واجهة للمصالح الإمبريالية. إيران العميقة الالتزام بالشيعية نظمت ثورة إسلامية معادية للإمبريالية، ما أشعل طموحات الشيعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
ج) المناطق السنية خشيت انتشار الثورة من إيران، واستعدت لمواجهتها. تركز الاستقطاب بين إيران والعراق، ثم بين إيران والمملكة العربية السعودية. وصارت الدولتان آيتين للمواقف الطائفية المتعاكسة.
د) زادت المصالح النفطية وحماية إسرائيل من دوافع التدخل في منطقة الشرق الأوسط. صار هذا التدخل سبباً للقاعدة في أفغانستان وباكستان، ولظهور داعش في العراق وسوريا. وهي تمثل شكلاً جديداً أكثر ضراوة من التطرف والإرهاب.
ه) إذن فالمنطقة الآن مقسمة بسبب:
- الصراعات الإسلامية، العلمانية.
- الصراعات الطائفية.
- الحركات المتطرفة والإرهابية.
- التدخل الأجنبي المباشر لتشكيل مستقبل الإقليم.
وفي توصيف إقبال لنبوءة الشيطان، فإن منطقة الشرق الأوسط الكبير أكثر من أي وقت مضى منقسمة ومنغمسة بشدة في حروب فعلية أو محتملة.
إن إعادة بناء الفكر الديني ضرورية أكثر من أي وقت مضى، ولكن الوضع الحالي يجعلها أكثر من أي وقت مضى مستحيلة. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. لذلك يجب أن ننخرط بجدية في تفريخ أفكار إقبال وزمرته من العاملين لإعادة البناء، لرسم خارطة طريق للنهضة الحتمية.
أقول حتمية لأن البشرية كلها سوف تستفيد منها وليس فقط المسلمين.
أقول ذلك لتسعة أسباب:
(1) القرآن هو كتاب الوحي الوحيد ذو النص المعتمد.
(2) عقيدتنا هي الوحيدة التي تعترف بالبشر لآدميتهم، وتكرمهم.
(3) إنها عقيدة فريدة في قبولها تعدد الأديان والثقافات والمصالح الوطنية.
(4) إنها تعترف بجميع مصادر المعرفة: الوحي والإلهام والعقل والتجربة.
(5) أنها تضع العدالة الاجتماعية في مقام الإيمان بالله.
(6) أنها تعترف بولاية العقل في كل الظواهر الطبيعية.
(7) أن نبيها كامل الإنسانية وسيرته خاضعة للظواهر الطبيعية.
(8) أنها تحدد أساساً عقلانياً للأخلاق.
(9) أنها تتخذ موقفاً إيجابياً إزاء حماية البيئة.
هذه الميزات تجعل الإسلام متسقاً مع تطور المجتمع البشري، ولو قبلت فإنها تعطي مجال التطور الإنساني الجديد هذا جذوراً أخلاقية وروحية.
إن سؤال التوفيق بين عالمي الطبيعة وما ورائها حتمي. والإسلام يعطي الجواب.
أخيراً، لترقد روح إقبال في سلام. وبرغم أنه قد توجد تحفظات على بعض أفكاره، فإن روح أفكاره سوف تبقى، خاصة في الوقت الذي صارت فيه الأجندات السنية والشيعية والعلمانية بما لحق بها من غلو آفة الأمة، غذت التطرف، وأوقدت الإرهاب، وأتاحت سبلاً للتدخل الأجنبي العدائي.
صدر هذا عن المعهد الدبلوماسي كتاب جديد بعنوان الدبلوماسية بدلاً من الحرب.
يتناول الكتاب مبدأ صناعة السلام عن طريق الدبلوماسية بدلاً من الحرب، ويقدم نماذح قريدة من التاريخ الإسلامي لأبرز النجاحات الدبلوماسية التي أوقفت حروباً كثيرة وأسهمت في صناعة السلام.
وتذهب الدراسة إلى تأكيد هذه الحقيقة عبر قراءة دقيقة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواقفه العظيمة في تجنب الحرب وإيثار السلم وبناء العلاقات الإيجابية مع الدول والقبائل والأفراد، تعزيزاُ لروح السلم في الإسلام وتأكيداً لمنطق القرآن الكريم يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة.
كما تقدم الدراسة تاريخ خمسة من أهم الخلفاء في الإسلام وهم عمر بن الخطاب والحسن بن علي وعمر بن عبد العزيز والحكم الأموي والناصر العباسي، وتقدم الدراسة معلومات ورقم ووثائق تظهر لأول مرة تثبت نجاح الدبلوماسية في وقف الحرب وبناء السلام ونشر الإسلام.
وتأتي هذه الدراسة للدفاع عن روح السلم في الإسلام، وتصحيح الفهم الخاطئ للجهاد الذي يمارسه المتطرفون من نشر العداوة والكراهية في الأرض.
أعد الدراسة الباحث الدكتور محمد حبش أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة أبو ظبي، كما قدم له الدكتور حسن المهندي مدير المعهد الدبلوماسي في الدوحة.
ويأتي الكتاب في سلسلة دراسات تخصصية يصدرها المعهد الدبلوماسي تتناول تعزيز صناعة السلام والدبلوماسية، وبناء علاقات دولية متوازنة وإيحابية.
النبي الديمقراطي ...
عنوان مغري لكتاب فيه محاولة جديدة من د. حبش لتأكيد، ولو بشكل انتقائي، ان الاسلام لديه محطات ديمقراطية يمكن الاستفادة منها كقيمة مضافة للدولة الديمقراطية الحالمة بتأسيس نظام سياسي ديمقراطي، ويريد إثبات انه مازال الاسلام محطة مهمة يضيف من خلال تجاربه للدولة العربية العصرية الحالمة ديمقراطياً تحت التشريع الاسلامي - المعدل - وبناء الانسان المؤمن الديمقراطي المسابر لهذا العصر ...
العنوان مغري جدا، وربما جديد، هو فعلاً سباحة ضد التيار الاسلامي المتشدد الظلامي الذي أنتج داعش وروافدها ، وحتى ضد التيار المعتدل اسلامياً، لان د. حبش ذهب ابعد من الاعتدال الاسلامي المألوف بتحميل الاسلامي مبدأ الديمقراطية .
وقد يكلف كاتب هذا الرأي حياته من قبل متطرفين يتهمونه بالتجديف، كما حدث لكتاب آخرين سابقاً .
مبدأ د.حبش بالدراسة هو مبدأ انتقائي براغماتي في محاولته إثبات ان الاسلام مازال لديه مايقدمه للعالم المعاصر على صعيد الحريات .
ومع فارق التجربة بينه وبين صاحب النزعات المادية بالفلسفة العربية الاسلامية ، د . مروة، الا إنهما يجتمعان ان كل بحث عما يريده بالتاريخ الاسلامي ويبحث عن الاستفاده منه وتطويره وكلاهما معتمد مبدأ الإنتقائية ، كما اعتقد ..
هو بالمحصلة حق مشروع كوجهة نظر لتطوير التجربة وأي تجربه تاريخية تحتاج لتطوير كي تساهم بإضافة جديده لعصره ..
لكن لوكان النبي ديمقرا طياً فعلا,
ماذا يعني ذلك ..؟...
وهل الغالبية العظمى من المسلمين، يصدقوا ذلك ويعدلوا قناعاتهم ..؟
...................
نزار أحمد
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details.
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.
Intellectual property is reserved for the authors mentioned on the books and the library is not responsible for the ideas of the authors
Old and forgotten books that have become past to preserve Arab and Islamic heritage are published,
and books that their authors are accepted to published.
The Universal Declaration of Human Rights states: "Everyone has the right freely to participate in the cultural life of the community, to enjoy the arts and to share in scientific advancement and its benefits.Everyone has the right to the protection of the moral and material interests resulting from any scientific, literary or artistic production of which he is the author".
