He has (22) books in the library, Total download and read (2,583)
سيرة أدبية:
أحمد محمد ضحية أحمد
مواليد مدينة كوستي ١ نوفمبر ١٩٧١، سوداني الجنسية.
تخرج عن كلية الآداب والعلوم شعبة الترجمة، جامعة أم درمان الأهلية 1998
عضو مؤسس لنادي القصة السوداني. المسؤول الإعلامي لمنظمة Darfur Rehabilition, Newark, NJ في العام ٢٠٠٦ وعضو مجلس أمناء منظمة Toward freedom فيرمونت، الولايات المتحدة الاميريكية (٢٠١٨).
يعمل كأخصائي في مجال العناية بذوي الاحتياجات الخاصة Behavior Specialist بلانسينغ، ميتشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية.
عمل في الفترة من ١٩٩٨–٢٠٠٢ بصحف: أخبار اليوم، الأسبوع، الأزمنة، الدستور. كمحرر للملفات الثقافية. وكاتباً مشاركاً بصحيفة الصحافة ومسئولا عن النشاط الثقافي ببيت الثقافة بالخرطوم. وعضواً بدائرة الأدب والنقد (المجلس الأعلى لرعاية الثقافة والآداب والفنون). ورئيسا لقسم التحقيقات والقسم الثقافي بالصحافي الدولي. ومؤسسا ومسئولا عن تحرير نشرة (إضافات)، وعضو أسرة تحرير كتابات سودانية والتقرير الاستراتيجي السنوي– مركز الدراسات السودانية.
وباحثا متعاونا وكاتبا مشاركا بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان (٢٠٠٣-٢٠٠٦).
كما كان نشطاً قبل هجرته في الندوات الأدبية والفكرية كمحاضر: الخرطوم، كوستي، القاهرة. صدر له:
-دروب جديدة.. أفق أول (بالاشتراك مع مجموعة من القصاصين) منشورات نادي القصة السوداني بالتعاون مع دار نشر الشريف الأكاديمية الطبعة الأولى ٢٠٠٢ الخرطوم.
-الإثنية والديموقراطية (بالاشتراك مع كتاب آخرين) عن مركز الدراسات السودانية الخرطوم الطبعة الأولى ٢٠٠٤
- دروب جديدة–أفق أول (مع قصاصين آخرين) الشريف الأكاديمية، الخرطوم ٢٠٠٣
-مار تجلو.. ذاكرة الحرَّاز (رواية) عن دار عزة للنشر الخرطوم الطبعة الأولى ٢٠٠٢
-صانع الفخار ج¹: آلام ذاكرة الطين (رواية) دار مدارات الخرطوم الطبعة الأولى ٢٠١٦
- صانع الفخار ج²: المقدس سره (رواية)، لوتس للطباعة والنشر الحر القاهرة ٢٠٢٠
-أشجان البلدة القديمة (رواية) دار مدارات، الخرطوم الطبعة الأولى ٢٠١٦
- هيلدا نورسة النهر (رواية) دار ويلوس هاوس، جوبا ٢٠٢٠
- البدايات (الجزء الأول من سلالة الأعتم بن أبي ليل الظلامي). دار المثقف، القاهرة ٢٠٢٠
- تخوم السرد أرخبيل الحكايا ”مقدمة في تقنية وسُوسيولوجيا القصة القصيرة السودانية“ دار رفيقي، جوبا ٢٠٢٠
- أنثى طائر الفينيق، إحياء ذكرى الكاتبة الراحلة منال حمد النيل، دار رفيقي، جوبا، ٢٠٢٠
مخطوطات تحت الاعداد للطبع:
مملكة العزلة (رواية ثلاثية)
المطاليق (رواية ثلاثية)
صانع الفخار ج³: خريطة الطريق.
الأعتم بن أبي ليل الظلامي ج²: تبلدية الفكي القنديل سراج البيت (رواية)
الأعتم بن أبي ليل الظلامي ج³: غواية غرف النوم (رواية)
نافذة للحنين.. نافذة الشجن (قصص)
كائنات شهرزاد العجيبة (قصص)
من الغابة والصحراء إلى غضبة الهبباي ”مقدمة في تقنية وسُوسيولوجيا الرواية السودانية. (نقد)
الوردة والجرح (قراءات في سرديات المرأة السودانية)
صحارى غابة الأبنوس (قراءات في السرد الجنوبسوداني).
شهرزاد السرد العربي (قراءات في القصة القصيرة في العالم العربي).
الإقصاء والنفي الوجودي (قراءات في سرديات المهمشين).
دارفور: وديان الدم (بحث حول جذور المشكلة وآفاق الحلول).
حوارات مع الكاتب وكتاب عرب.
شظايا (مقالات في الفكر والثقافة والسياسة)
نبذة عن آلام ذاكرة الطين
(الجزء الأول من صانع الفخار).
صدرت رواية آلام ذاكرة الطين (الجزء الأول من ثلاثية صانع الفخار)، عن دار مدارات للطباعة والنشر والتوزيع، الخرطوم في ²⁰¹⁶. وكانت مجلة الكلمة اللندنية قد نشرتها، في ملف الإحتفاء بالأدب السوداني في أبريل ٢٠١٤، حيث جاء في التصدير: (في باب السرد اختارت الكلمة أن تقدم الجزء الأول من صانع الفخار (آلام ذاكرة الطين) للروائي السوداني أحمد ضحية، حيث يغوص في التاريخ الجغرافي والبشري، لرقعة السودان الشاسعة. مبلورا شخصية صانع الفخار الأسطورية رمزا لوحدة البلاد والقانون.. والذي يحرق في كل مرة من قبل الحكام المستبدين).
وما يجدر ذكره أن صدورها جاء مبادرة لنشر أعمال الروائي السوداني أحمد ضحية ورقيا، فقد بقيت غالبية أعماله، كمخطوطات لأكثر من عقدين من الزمان، رغم نشر بعضها على المواقع الإليكترونية المتخصصة في السرد والثقافة،
العالم السردي للروائي أحمد ضحية، عالم سحري.. اسطوري، اعتمد التجريب في اللغة واستنهض المنسي وغير المفكر فيه في البنى الاجتماعية، التي تتحرك في إحداثياتها شخصياته الروائية الهامشية، غير الملفتت إليها!..
والتي تغادر إلى مواقع مركزية في النص! عالم أحمد ضحية غني بحكاياه وأساطيره وتواريخه الموازية والمتماهية في هذا الواقع غير الواقعي!
صدارات رواية ”أشجان البلدة القديمة“ عن دار مدارات للطباعة والنشر والتوزيع، الخرطوم، ²⁰¹⁶.
وكان قد قدم لها الناقد المصري دكتور صبري حافظ في مجلة الكلمة (لندن) العدد ¹⁸ يونيو ²⁰⁰⁸، قائلا: (في سرد دائري تتناسل فيه التواريخ، وتتناسخ الشخصيات، تكشف هذه الرواية السودانية عن واقع مترع بالقهر والاستبداد، يتغلغل فيه التشوه وتستحيل الصداقة، ولا يستطيع الحب أن يأسو جراح خياناتها المصمية).
ما يجدر ذكره أن هذه الرواية نشرت ورقيا للمرة الأولى عن دار مدارات، بعد مرور ¹³ سنة من كتابتها.
تخوم السرد.. أرخبيل الحكايا
”مقدمة في التقنية وسوسيولوجيا
القصة القصيرة في السودان“
(السرد والرؤى I“
صدر عن دار رفيقي للطباعة والنشر والتوزيع، جوبا/ دولة جنوب السودان، ²⁰²⁰. وهو بمثابة الجزء الأول من [٦ أجزاء] تمثل موضوعات مشروع (السرد والرؤى)، وقد خصص كاتبه [هذا الجزء الأول] لتناول القصة القصيرَّة في السودان.
في هذا الجزء يسعى المؤلف لإلقاء الضوء على التجربة السردية في القصة القصيرة السودانية، من خلال رموز أو كُتاب، ينتمون لأجيال مختلفة. وعبر تتبع نظري وتطبيقي لمسارات السرد، في النماذج التي اختارها.
يتناول الكاتب الرِّحلَّة الشاقة الطويلة للسرد في السودان، منذ ثلاثينيات القرن الماضى حتى الآن.. والتي استلهمت فيها الكتابة السردية من التراث تيمتها. ومن الواقع خصبه. ومن الأشكال الحداثية الغربية تقنياتها، المبدعة.
فيشير إلى ما تم من حُوَّار النُّصُوص فى السودان، مع النُّصُوص الأخرى فى مصر، والعالم العربي مشرقه ومغربه، وأفريقيا، وأمريكا، وأمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا..
ما أثمر تجربة ناضجة فى خاتمة المطاف: شكلاً ومضموناً، عبرَّت عن خصوصية السودان كمفترق طرق، تلتقي وتتقاطع عنده حضارات أفريقيا العريقة، وحضارة العرب. وتقنيات الغرب. والحضور الإنساني لثقافات العالم في النص السردي في السودان.
كذلك يتتبع تطور هموم السرد وتقنياته وأدوات تعبيره الفني من جيل الرائد أب القصة القصيرَّة في السودان، عثمان علي نور ومجايليه، وصولاً إلى جيل التسعينيات من القرن الماضي.
وفيما مثلت قصة [المكان] لمعاوية محمد نور، قفزة نوعية متقدمة في السرد الوليد، كشفت أيضاً عن عدم إمكانية، إعتبارها جزءً من تطور تجربة سرد يتلمس خطوات تبيئة ذاته وتنميتها، وتطوير أشكاله ومضامينه، وتحسس تقنيات غريبة على مُنَّاخه الثقافي والحضاري، وهو لا يزال بعد يخطو خطواته الأولى!
فقصة المكان لمعاوية نور، كانت بمثابة قفزة الفهد الدياليكتيكية.. والسابقة لزمنها في مسار السرد في السودان. الذي يسعى وقتها عبر جيل الرواد، كعثمان علي نور والطيب زروق استخدام تقنيات بسيطة غير معقدة، وتناول موضوعات بسيطة، بلغة بسيطة ومباشرَّة.
إلى أن بدأت ملامح التقنيات الحديثة تتضح مع جيل الستينات ليرسي دعائمها جيل عيسى الحلو ومحمود محمد مدني، باستيعاب أشكال معاصرَّة لفن السرد. لتتكرس هذه الأشكال والتقنيات وتتجذر في بنيات السرد في السودان، مع نبيل غالي وإبن خلدون وغيرهم من أقلام سبعينيات القرن الماضي.
ليتوقف الكاتب في قراءات لنماذج الثمانينيات خلال تجربة القاص عادل القصاص والتسعينيات خلال تجربة القاص عمر الصايم، لنرى أن القصة القصيرة منذ السبعينيات قد تمكنت بالفعل من قطع شوط بعيد جداً.
كذلك يعرج الكاتب إلى سرد الرواد الجنوب سودانيين [كجوناسان ميان، تعبان لينفق، أتيم ياك، لينو دينق، جاكوب أكول، أغنيس لوكودو، فرانسيس فيليب وفرانسيس دينق] الذين ترجمت لبعضهم نصوص إلى العربية خاصة في الثمانينيات (بروفيسور علي المك) ونشرت هذه النصوص في كلٍ من الملف الثقافي لصحيفة الأيام، ومجلة الاذاعة والتلفزيون.
لكن لم تتواصل حركة الترجمة تجاه هذا السرد الجنوب سوداني المكتوب بالانجليزية، فيما تلى الثمانينيات من القرن الماضي، حتى مطلع الألفية الثانية ليتجدد الاهتمام بترجمته عن طريق (مركز الدراسات السودانية) الذي نشر لبروفيسور فرانسيس دينق بذرة الخلاص، وكان قد نشر له فيما سبق طائر الشؤم.
ظل السرد [الجنوب سوداني المترجم إلى العربية] قليل جداً، إلا أن هذا القليل الذي وصل إلى القارئ، ارتبط بأفكار محددَّة كالرق وتجارب الحرب، والهوية والحكاية الشعبية والحياة الطقوسية.
إلى جانب تناوله للحياة البائسة الرَّثة لضحايا الحرب الطويلة، في معسكرات النزوح، وكنابي التهجير الداخلي وهوامش المدن. والتمزق في الإنتماء بين شطري الوطن الواحد، والنفي الوجودي لإنسان فككت الحرب مجتمعاته الإفريقية المحلية المستقرَّة، زاجة به في أتون صراع ثقافي إثني ديني معقد.
هذا القليل الذي تُرجم من الانجليزية إلى العربية، أيضا خلف أسئلة حارقة تنامت وتعملقت بعد إتفاقية السلام وما ترتب عليها من ميلاد دولة جديدة في الاقليم والعالم.
لقد رسم السرد الجنوبسوداني، حياة شخوص مهمشين في قاع مدن النزوح. يستشرفون واقعاً جديداً، تمخض عن صراع طويل، لوطن أطاحت بوحدته عوامل عديدة، يتداخل فيها الآيديولوجي والثقافي والاجتماعي والسياسي، بتدخل مصادر الهام جديدة في السرد الجنوب سوداني، تعتمد على الواقع الجديد للدولة الوليدة، التي مرَّت بكل آلام وتمزقات مخاض الولادة، ومعاناة رعاية هذا المولود الجديد.
ليتشكل في سرديات جيل جديد من الرواد في الكتابة بالعربية كآرثر غابريال، إستيلا قايتانو، بوي جون، شارلس بيط وربما آخرون!.. عالم جنيني يتكوَّن في السرد، يسعى للخروج من أسر مصادر الإلهام والآلآم القديمة، إلى رحاب عالم أوسع ترتبط فيه الأسئلة المحلية بأسئلة السرد الوجودية والكونية، وهي تُسائل هؤلاء الشخوص في {الواقع} وظلالهم بين {إحداثيات النص}، عن موقعهم من هذا العالم وفي هذا الكون الآن وغدا!
فلطالما كان السرد ولا يزال، أقوى تعبيرات هُوية الإنسان في رحلة المكابدة لأحلامه وتصوراته، خلال الحركة الانطلوجية اليومية، التي مركز همومها موقع هذا الانسان من التغييرات والتحولات في محيطه، والتي تجري وقائعها بايقاع متسارع، يكاد يعجز بايقاعه المتردد عن ملاحقتها.
ويشير المؤلف في هذا الجزء من كتابه قائلا: ”ما ضمناه هنا من قراءات حول السرد الجنوب سوداني، يتصل بالقراءات موضوع [هذا الفصل]، والتي يعود تاريخ كتابتها إلى العام ٢٠٠٥، أي قُبيل إستقلال أشقائنا في جنوب السودان عن السودان. ولذلك آثرنا تركها كما هي. ووفقا لخطة هذا الكتاب الذي بين أيديكم الآن، والذي تأخر صدور قراءاته المتفرقة هنا وهناك، لسنوات طويلة، في كتاب واحد. بمثابة المقدمة لكل ما يلي من أجزاؤه“
كما يُشير المؤلف إلى أن [الجزء الرابع من مشروع السرد والرؤى]، والذي لم تكتمل كل قراءاته حتى الآن، فما أنجز عمليا هو القراءات المتعلقة بسرديات: فرانسيس دينق، أغنيس لوكودو، آرثر غابريال، إستيلا قايتانو، بوي جون وشارلس بيط. قد خصص كأحد أجزاء مشروع السرد والرؤى للقصة القصيرة والرواية في جنوب السودان.
ويمضي في القول: نعمل الآن على إجراء مزيد من القراءات خاصة للقصاصين والروائيين الذين يكتبون باللغة الانجليزية، والذين طلبنا ما توفر من أُسروداتهم من أمازون، لترجمتها ودراستها، لتنضم قراءاتنا فيه إلى ما أنجزناه من قراءات في السرد الجنوب سوداني [خاصة الرواية].
[فالسرد الجنوب سوداني] هو موضوع [كتابنا الرابع من سداسية السرد والرؤى]، كما ذكرنا.. والجزء الرابع هو ما ظللنا نعمل عليه، وهو شاغلنا بعد الأجزاء الثلاثة الأولى التي تخضع جميعها لمرحلة المراجعة الأخيرة الآن. باستثناء هذا الجزء [الأول] الذي بين أيديكم الآن، فقد إكتملت مراجعته الأخيرة للتو.
يشير المؤلف إلى أن إهتمامه بتخصيص كتاب كامل في سداسية السرد والرؤى، للسرد في جنوب السودان، لاعتقاده بأن السرد الجنوب سوداني، لم يُحظى من قبل الكتاب والنقاد السودانيين سوى بالإهمال، وربما التجاهل. ولذلك يزعم أن الجزء المخصص من مشروعه للسرد الجنوب سوداني هو الأول من نوعه، ويسد ثُغرَّة كبيرَّة في المشهد الثقافي للبلدين الشقيقين.
وإتصالا بذلك، يتناول المؤلف في الفصل الآخير من هذا الجزء الذي بين أيديكم، نماذج من القصة القصيرَّة عند أغنيس لوكودو، آرثر غابريال واستيلا قايتانو، بمثابة مقدمة عامة تمهد للسرد والرؤى في الجنوب السوداني.
رواية المقدس سره
صدرت هذه (الرواية المقدس سره) (الجزء الثاني من ثلاثية صانع الفخار) عن دار لوتس للطباعة والتوزيع والنشر الحر، القاهرة. ٢٠٢٠
وكانت دار مدارات للطباعة والنشر والتوزيع، الخرطوم، قد أصدرت في العام ٢٠١٦ جزئها الأول (آلام ذاكرة الطين)، بعد مرور ٨ سنوات من كتابته.
وتجدر الإشارة أن مجلة الكلمة اللندنية التي يرأس تحريرها، الناقد المصري المخضرّم دكتور صبري حافظ، قد قدمت لجزئها الأول ”صانع الفخار.. آلام ذاكرة الطين“ في عددها لشهر أبريل ٢٠١٤ بـ ”في باب السرد اختارت الكلمة أن تقدم ثلاثیة صانع الفخار للروائي السوداني أحمد ضحیة حیث یغوص في التاریخ الجغرافي والبشري لرقعة السودان الشاسعة مبلوراً شخصیة صانع الفخار الأسطوریة، رمزاً لوحدة البلاد والقانون. والذي یُحرق في كل مرَّة من قبل الحكام المستبدین“.
وفي هذا الجزء يواصل أحفاد صانع الفخار عبر العصور، على خطى أسلافهم في مقاومة الاستبداد، حيث الراوي، روايته حول ما جرى في مقدمة الرواية ”ﺻُﻠﺐ ﺻﺎﻧﻊ اﻟﻔﺨﺎر ﻋﻠﻰ "ﻋﯿﺪان ﺷﺠﺮّة اﻟﻠﻌﻮت ﺳﯿﺌﺔ اﻟﺮاﺋﺤﺔ" ﻓﻲ ﻓﻨﺎء ﻛﻨﯿﺴﺔ اﻟﺒﻠﺪة اﻟﻘﺪﯾﻤﺔ!“
ﻋﻨﺪﻣﺎ أﺷﻌﻞ اﻟﺠﻼد اﻟﻨّﺎر، ﻓﻲ ﻛﻮّﻣﺔ ﺟﺜﺔ ﺻﺎﻧﻊ اﻟﻔﺨﺎر اﻟﻤﺘﻨﺎﺛﺮة أﺷﻼء، وارﺗﻔﻌﺖ ﺳﺤﺐ اﻟﺪُّﺧﺎن، ﻟﻢ ﯾﺸُّﻢ اﻟﻨﺎس راﺋﺤﺔ اﻟﻠﻌﻮت اﻟﻜﺮﯾﻬﺔ! ﻛﺎﻧﺖ ﺳُﺤﺐ اﻟﺪُّﺧﺎن، اﻟﺘﻲ اﻧﻌﻘﺪت ﻓﻲ ﺳﻤﺎء اﻟﺒﻠﺪة، ﺗﻔﻮح ﺑﺮاﺋﺤﺔ ﻣﺰﯾﺞ، ﻣﻦ اﻟﺼﻨﺪل واﻟﻌﻨﺒﺮ واﻟﻜﺎﻓﻮر! ﻓﺄﺧﺬ اﻷﻫﺎﻟﻲ ﻣﺬﻫﻮﻟﯿﻦ، ﯾﺒﺤﻠﻘﻮن ﻓﻲ وﺟﻮه ﺑﻌﻀﻬﻢ اﻟﺒﻌﺾ، وﻗﺪ اﻧﻌﻘﺪت أﻟﺴﻨﺘﻬﻢ!“.
هذه الرِّوايَة:
إذا قُرئت قراءة جيدة: ستنتهي الحرب الأهلية بالسودان، تماما كما فعلت رواية (ذهب مع الرِّيح) لمارغريت ميتشل– وإذا قُرئت قراءة رديئة: قتلت صاحبها –تماما كما فعلت قصائد المتنبئ.
وإذا لم تُقرأ على الإطلاق، نسفت نفسها فينا جميعاً، وأكدتنا في إرشيف المأساة.
عبد العزيز بركة ساكن.
كوستي 1998
––––––––––
صدرت هذه الرواية، عن دار ويلوس هاوس للطباعة والنشر والتوزيع في العام ²⁰²⁰ جوبا، بجمهورية جنوب السودان، بعد مرور أكثر من ²² سنة على كتابتها.. جاء فيها:
"المسيح لا يأتي وود النَّمير لا يزال يقطع بسيفه سواعد العِربان ليعطيها للحكامات، كي يضرِّبن بها على الدلوكة، ثم يفرش على الدَّم الحرير.. وما الدنيا يا سوزَّان سوىٰ جُحر ضبٍ خرِّب، و(المشي بالبيوت والكلام بالخيوط) والجلابة جلابة وشين ودشن، تور الخلا المكَّادي، كاشف المقانع، وآكل عشا البايتات، أنه زمن الجنجويد!"
تُقدم هذه الرواية غير المسبوقة في تيماتها –في السرد في السودان– بحثا سردياً مشوقا في الحياة الريفية في الجنوب السوداني، خلال النموذج كثيف الوقائع والأحداث في قرية الرَّث باناو، وخلال ما تمر به مُتحركات الجيش الرَّسمي من مدن وقرى، تتبدى عن وجدان ثقافي أفريقي عامر بالمعتقدات الإحيائية الساحرَّة، بعوالمها الغيبية التي تمشي بقدمين الأهالي في أفراحهم واتراحهم!
لُغة هذه الرواية بمثابة مزيج رشيق من العربية المعجمية التراثية القحة، والعربية المعاصرة والعربية السودانية، واللغات المحلية في الجنوب السوداني، حتى تكاد لا ترى الخطوط الفاصلة بين مستويات السرد واللغة، لفرط شاعرية الأسلوب الذي أضفى على السرد جمالا ثوريا مستفزا.
اتسمّت هذه الرواية فضلا عن التلاعب باللغة، بتوظيف السخرية كأداة نقدية للوقائع والأحداث، وابراز المفارقات التي تجري على إحداثيات أزمنة وأمكنة النص المتداخلة.
هذه الرواية إلى جانب تداخل أزمنتها ودائريتها، انطوت سياقاتها التعبيرية على أزمنة متماهية في الأمكنة وأمكنة متماهية في الأزمنة، بحيث شكل كل ذلك وحدة واحدة (زمكان) النص. وهي تقنية يميل إليها الكاتب كثيرا في سردياته الروائية.
يُقيم هذا النص الروائي من موقع (بنية النقد) حوارا عميقا بين موضوعات معاصرة ومفاهيم ورؤى تراثية، شكلت الوجدان الثقافي لأهل البلاد الكبيرة في قِبلِها الأربعة.
كما احتشدت الرواية بالرموز والاشارات والاقنعة، التي خبأت خلفها من الرؤى الغنية في تشريح الواقع الاجتماعي والسياسي، أكثر مما أسفرت عنه.. فهي رواية غنية بحق بتقنيات السرد الحديث وموضوعاته المتجددة، فضلا عن ما يميزها من ملحمية نادرة جدا في السرد السوداني، بل تُعتبر هذه الرواية إلى جانب رواية نوار سيدة الحراز، حجرا زاوية تيار (سرد الهامش) بين مدارس وروافد السرد المعاصر في السودان، التي لم يرصدها النقاد بعد.
وتغوص هذه الرواية في طبقات الوعي الشعبي، خلال تفاعلاته مع السياسي والاجتماعي، لتكشف عن واقع رث وبائس يسم الإنسان بالشقاء المأساوي، إذ يستعيده من الحاضر إلى ماضي خرافي سحيق، يحجب عنه الرؤى والرؤية لحقيقة وضعه الوجودي الكارثي!
"سوزَّان، تعرُّجات لسحبٍ رَّملية مشحونة بالهجير. تختفي ملامحها الغائرَّة بين تلافيف الأُفق الشفقي، المشقق بأخاديد الدَّم.. تؤدي الصَّلاة الأخيرَّة، مُنذرَّةً نفسها لأول قادم من كواكب التاريخ المجهولة، الكواكب التي ليس لشعوبها أشجار نسب! فاشترى لها أحد الهمباتة شجرَّة نسب من شريف مكة، فمدت كأبي حنيفة قدميها الأبنوسيتين، على جذع النخلة اليتيمة في قلب البلاد الأسيرة!
تذوب الحدود بين الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشَّمس، فلا تشمل الغابات والمنَّافي فحسب، بل أكوان أُخرَّىٰ غامضة، مليئة بالفضائيين العجيبين، الذين يعيشون بيننا وفي دَّمنا!"
هذه الرواية التي تجسد الإنسان والمكان الهامش، كماحدَدَّته بلدة (وادي النِّحاس) وأمكنة أُخرى، تتجدد في أسى ولوعة عوالم عديدة عاشتها شخوصها، وربما انتقلت إليهم تواتراً.. ربما من ذَّاكرَّة مستر واطسون أستاذ التاريخ الأوروبي.. ربما من ذَّاكرَّة الرَّثْ باناو، التي تداخلت فيها ذَّاكِرّات عدة تعود لآلاف السنوات! أو ذَّاكرَّة عبد الله المَنْدَكوُرُوْ، التي صاغت الوجود الحَيْ لكتلة الشمال، داخل حركة وجيش الرُّمح المقدس، فغيرَّت مسار قضية البلاد الأسيرَّة! التي ظلت تتفلت كلما أُحكم عليها الحصار فتهرب من الجغرافيا إلى التاريخ الحي في ذاكرة المندوكورو وزوجته سوزي –هيلدا– اللذان شكلا معاً قصة الحب والحرب -أو السياسة في البلاد الأسيرَّة– بمعناهما الإنساني الكوني التاريخي!
"بحثا عن وطن! هو المكان/ الحب الذي حملته (ابودوك) على هدَّبِ الخوف، والقطار يرحل بها إلى مُدنٍ تنام على العتَّمة وزوار الفجر وحُراس النوايا وملاك الحقيقة المطلقة والعباقرة مخترعين الهواجس والظنون!..
هذه التراجيديا الكونِّية، التي لطالما حاول الإنسان بقوة فعله الانساني السيطرة عليها، خاتماً رسالته إلى الطبيعة: ها أنا اضع قوانيني المستقلة ها هنا! لست بعد الآن فكرة بين بين، تحاول أن تُهدَئ خاطر الأحلام والكوابيس، التي لا تفتأ تطارد كل الذين كتبت عليهم أقداراً عظيمة، فكانت عزائمهم تشتد وتضعف، في اللحظات الإنسانية الفارقة؟!"
ومثلما تمثل عوالم المندوكورو وسوزان وباناو ولانجور مركزا لإحداثيات الحكي، فان محيط هذا المركز عوالم أُخرَّىٰ غنية، ارتبطت بهذا المركز جذرِّياً: كعالم عامر الذي دَارىٰ طعم إحساسه بالخيانة، بالغُربة الطويلة عن النَّاس والأهل والوطن.. وعالم (مولانا الشيخ الغريق) الذي مثَّلَ نقطة تحوُّل كبيرة إلى الخلف، في تاريخ البلاد الأسيرة، إذ أعاد عقارب ساعتها مئات السنوات إلى الوراء!.. و(تقي ود زهرة) ذراعه الأيمن الذي تولىٰ مهام الأمن، مسترداً من غور التاريخ، أساليب القرون الوسطىٰ، وأسوأ عناصر التعذيب في عصور الظلام..
فوادي النحاس كمكان معنوي يتداخل فيه زمن الرواية، ويتبدد في أمكنتها العديدة، ينفتح فجأةً كرعدة تحطم حصون المعاناة، لتضمد جُرحاً قديماً في الآن ذاته، في حكايا العشاق ومغامراتهم، وطقوس الأهالي ودياناتهم وأحلام الضائعين ممن انسد أمامهم كل أفق، لتتشكل رؤيا النص في الحزن المشترك بين الشخوص.. هذا الحزن الذي يتسلل الصمت المشوَّه بالصمت! ويذوب كالنغم المضاد للغم، فتبدأ رحلة البنى الحكائية من حيث إنتهى السرد لتجسد واقع الحلقة الجهنمية التي أطرت تاريخ البلاد الأسيرة!
هي رواية شاعرية اللغة والأسلوب، تجريبية في تقنياتها المتمردة، تتناول موضوعات نادرة في السرد السوداني بمزجها للأدب السياسي وأدب الحرب، في تيمة واحدة تتماهى مع موضوعات القص الحديث في سردياته عن الحب والحنين والشجن! عبر ضمائر الروي المختلفة (الأنا، الهو– النحن، الهم–الانت، الأنتم..) في تداخل تقنوي (تقني) بديع لا تتمايز فيه أصوات الغائبين عن المتكلمين والمخاطبين.
كذلك تنهض رمزية الباخرة والنهر والقطار والسكة الحديد، باحالاتها للزمان والمكان غير المستقر في مراحل التاريخ، مركزا للرموز والدلالات التي انطوى عليها النص.
كاحالة درية شقيقة المندوكورو المختطفة، بما تمثله من بنية حكائية إلى جانب شقيقاتها من البنى الحكائية الأخرى، كمقترح نقدي تنهض عليه رؤيا النص بكاملها، في تشريح العلاقة المعقدة بين مركز وأطراف البلاد الأسيرة.
"كانت الغُرفة تتوشح بظلالٍ رَمادِيَّة كثيفة، تشكلَّت من الأبخرَّة مُختلفة الروائح –صندل، مزيج من القرفة والقرنفل.. طلح– التي كانت تتصاعد في شكلٍ لولبي. يرتد على الجدران، التي توزَع على جنباتها الأربعة، في نظام فوضوي غريب، جسد دراكولا المُحنَّط، وجلد أصلة طاعنَّة في السن يُغطي منحوتة لفخذي الدّون جوان، ومُصلاة من جِلدِ القنفذ أبوشوك، ثبتت في منتصف جلد تمساح برِّي مُعلَق على قرنِ خرتيت جبلي متوحش، ورأس ورَّل مخنث.. وقدح سلحفاة بدىٰ واضحاً أنها كانت عذراء عندما أُسرت واغتصبت، وديناصور مثلي متناهي الصغر.
فيما كان يقعي كالكلب طفل تنين شقي محنط حديثا، إذ كانت لا تزال ثمة أبخرَّة للهبٍ ذَّاوٍ تنبعِثُ من فمهِ وعينيه ومنخرَّيه، اللذان بدوا كفوهتين معتمتين، أشبه بعتمَّة ثُقبٍ أسود!"
تسلط الرواية الضوء على هيمنة المدنيين العقائديين من أنصار الشيخ الغريق على المؤسسة العسكرية، وما الحقوه من أضرار فادحة بالجيش الرَّسمي ودمار تام لعقيدته القتالية! وعلاقات الكراهية بين العناصر الاحترافية داخل الجيش وهؤلاء العقائديين الجهاديين القادمين لتوهم من زقاقات التاريخ واقبيته، ليمارسوا هواياتهم في الغزو والسلب والنهب والاغتصاب!
أنها ملحمة تختطها وقائع حياة المندكورو والرث باناو في ليل أفريقيا الآسي، بكل ما يَعتمِل في إفريقيا من عتَّمة وغرّبة، يفيضان من أعماق باناو والمندوكورو، لتتداخل وقائع الصراع بين الانسان وعناصر الطبيعة لتنسج هذه العلاقة الشائكة قدرهما الشخصي في مشاعر الهوية الغامضة للبلاد الكبيرة الأسيرَّة الكسيرَّة، فتنمو هذه العلاقات كنباتات السدود والمستنقعات في أرخبيل جونقلي، لتفيض مع النيل تخصب الأرض والناس والمعاني!
وفيما تغوص الرواية في الحياة السرية لليسار الاستبدادي العتيق المتخلًِف، واليمين الفاشي الأشد تخلفاً، وجها العملة العقائدية الواحدة، بنسقها الاستعلائي المغلق الذي يزعم بتوهم وزيف، انطوائه على كل إجابات الأسئلة التي يطرحها الواقع، والتي لا تملك حتى الأديان نفسها إجابة عنها! ينبعث من داخل هذه الانساق المغلقة، المندكورو ومن ذاكرَّة التاريخ، المدجن بالدم والدموع والسم الزعاف، تتسع التنبؤات. وتتكور على القطار الماض إلى المدن البعيدة، المدن التي يظل في طريقه إليها. لكن أبداً لا يصلها..
"المدن التي احتكرها الغرباء وصادروا الأحلام البريئة لأطفالها.. (آه يا حبيبي).. تلك سلوىٰ وحدنا بانتظار الرفاق؛ لنبدأ إجتماع الخلية.. (آه يا حبيبي) وبعد أجنة يسافرون في رحم المكان.. هذي البلاد الكبيرة التي ليس كمثلها مكان؛ فهي الوطن والمنفي، والحقيقة والوهم في الآن ذاته!"
هذه الرواية هي ملحمة أُسطورية للحب والحرب بين مفترق دروب الوحدة والانفصال، إذ ينهض شخوصها على أنقاض بنى حكائية زاخرَّة بالشجن، كحكاية وليم وبيدبا هذان الطائران المحلقان في سماوات الفعل الثوري، وهو يصوغ قدر الإنسان وجغرافيته وتاريخه، هازما الحرب بالحب لتتلاشى ملامح البلاد الأسيرَّة ويبقى وجه النِّيل الخالد ذو الايحاءات والشجن!..
كما هي في الآن نفسه حكاية لانجور وسلوى، هذان العاشقان المسكونان بانبات الأبنوس والنخيل في بيئة واحدة!.. وهي حكاية متوكل وسلمىٰ اللذان كنجمتي سُّهْبُ يرشد حبهما السراة في صحارى واقع إجتماعي معقد، بائس ورث. وحكاية جيش الرمح المقدس والمحاربين لابسين جلد الفهد وبلدة وادي النحاس والأرض الجديدة والبلاد الكبيرة والشيخ ولي الدين وتقي الدين والزَّار والطقوس والديانات المحلية وجدل الحرب والحب في منطق العلاقات اليومية.. ففيما البؤس يلقي بظلاله على كل شئ يطل القمر المُترَّع بالصفاء، والاحساس الرَّخوِ بالليّٓالي المخمليَّة! لتنسج خيوط القمر الفضي من الدم ودموع البوح الحانية، إرادة وليم ولانجور وسلوى وباناو والمندكورو وبيدبا، ليتسلل فعل هذه الارادات يخصب عوالم مجروحة الهُويات والتواريخ والجغرافيا والأحلام!
وفيما كان سُعود في العلَن يُقدِم نفسه في برنامجه الديني التلفزيوني، كمجدد صاحب رؤى جريئة، جعلت الآلاف من شباب وشابات البلاد الأسيرَّة المحبطين، والذين أنسدَّت أمامهم آفاق المستقبل، معجبين به ومتحمسين له، لدرجة الاعتقاد في أنه صاحب كرامات خارقة، كانت حياته السرِّيَّة على النقيض تماما!
ورُغم الستار الحديدي، الذي علَّمه الغَرِيقْ كيف يُحيط به حياتهِ الخاصَة، إلا أن قُدرَّاتِ عُتاة الفضوليين، الذين تجذرَّت أُنوفِهم في تاريخ هذه المَدينة الضَّالة، لم يكن ثمَّة ستار بقادرعلى حجب حساسية شهوَّة الشَّم الأسطورية لأُنوفِهم، التي أنِفَت مِنها الأُنوف!
ولذلك لم يكن غريباً أن تتسرَّب شائعات مجهولة المصدر من آن لآخر، تُلقي بصيص ضوء على واقعة بطلها الغَرِيقْ، أو حادثة كومبارسها سُعود ذات نفسه!
حتى أن بعض المعاشيين المصابين بالزهايمر –الذين يَحِنُون بصورةٍ غامضة، إلى ماضيهم الذي يبدو كثيفا، في غمرَّة معاناتهم أمراض الضغط والسكري والمصرَّان– من جلساء وندماء أولئك الفضوليين العُتَاة، كانوا يتجرأون دون حَذَر على السُخرِية المُرَّة من سُعود والغَرِيقْ، عندما يَرون الأول يستضيف الثاني، في غالب حلقات برنامجه التلفزيوني البائس! وهم يتسآلون عما يُخفِيه هذا التكرَّار المُمِل، من أجندة، لا مُحالة ستُغطِّس حجر البلاد الأسِيرَّة الآخير، بعد أن شيد الغَرِيقْ، قصره العشوائي الفاخر، من أنقاض الحجارة تلك نفسها، التي شُيِدت بها البلاد الأسيرة، عبر تاريخها الطويل الضَّال المضلِّل!
نبذة عن رواية مارتجلو الحراز
صدرت هذه الرواية عن دار عزة للطباعة والنشر والتوزيع، الخرطوم في العام ²⁰⁰² بعد مرور أكثر من خمسة سنوات على كتابتها..
عبر لغة سردية شاعرية مشحونة بالحنين والشجن، تكشف هذه الرواية، عن التفسخ والتشظيات، التي اعترَّت البنى الاجتماعية، كثمرة للعشرية الأولى من عمر النظام الانقلابي الثيوقراطيفي السودان.
حيث ينهض السرد، في قصة حب أسطورية جمعت بين أحمد المعقور (الفارس العربي) وكيرا (إبنة سلطان الفور)، كمقدمة لنتائج مستقبلية، بما مثلته هذه العلاقة من نواة لتحول ديموغرافي واسع ستشهده (مملكة دارفور) العريقة.
يتم اسقاط لهذه الحكاية، على علاقة حب عاصفة جمعت بين (آدمو ونينا)، في ظل مرحلة معقدة من التحولات، التي جعلت من المملكة مجرد (اقليم مهمش)، في (دولة مركزية– مستبدة) اختل فيها ميزان السلطة والثروة.
في مرحلة اخرى من مستويات السرد، تتم اعادة إنتاج هذه العلاقة الأسطورية، باسقاطها على علاقة حب شهاب أبوعلي للفنانة التشكيلية سلوى، كامتداد للعلاقتين السابقتين، خلال استخدام رفيع لتقنية تدوير الزمن.
تأسس فضاء السرد على أسطورة (مارتجلو، دارفور)، واسطورة شعب (اللَّوَّة العظيم، الجنوب)، بما يمثلانه كمفاصل أساسية في تكوين (الكتلة التاريخية للسودان)، إذ تم توظيف هذا المفهوم في الرواية، كمقترح نقدي لتحليل واقع التهميش، والاستبداد، واختلال ميزان السلطة والثروة بين المركز والأطراف.
خلال تحليل رمزي للتاريخ الذاتي لشعب الفور، فيما يسبق تكوين (أسرة الكيرا) الحاكمة، وحتى لحظة سقوط السلطنة في 1916 تحت سنابك خيل الانجليز.
حيث تنهض (شجرة الحراز) و(جبل مارتجلو) المقدسين محاورا تدور حولها حياة وانشطة هذا الشعب.
التيمّة الأساسية تتمثل في العلاقات الرَّمزية والأسطورية، التي تجمع بين (شهاب ونَوَّاَرْ) عبر تقينة (الاستيهام) في المعالجة السردية لشخصية نَوَّاَرْ المتماهية في شخصيتي كيرا ونينا، وشخصية شهاب، المتماهية في شخصيتي الفارس العربي وآدمو.
لنجد أنفسنا إزاء قصة حب واحدة بوجوه مختلفة، في أزمنة وأمكنة مختلفة، تنطوي على علاقات حب ثانوية كالعلاقة التي جمعت بين الكَلَّس وهيلدا.
و بقدر ما تشبعت الرواية، بواقع البؤس الملموس، بانطوائه على الفضائح الإجتماعية، وانتحار الفتى القزحي، والنموذج الاستثنائي الذي يقدمه عتام كمجرم، تشبعت أيضا بالصوفي والسحري والغرائبي، الذي وسم اللغة المتفجرة بشاعريتها وحساسيتها العالية تجاه الوقائع والأحداث!
وخلال وقائع الإعتقال والتعذيب، تكشف الرواية عن الأساليب، التي يُكرِّس بها الفكر الجبري الثيوقراطي نفسه، على فرضيات معتلة ووقائع زائفة!
وفيما يتم توظف التراث الديني، في البنى الحكائية إشاريا ولغويا، تعالج الرواية خلال ذلك، حقب طويلة من تاريخ البلاد الكبيرة، وما مرت به من تحولات.
استغل الروائي أساليب السرد الشعبي المحلي، والتراثي والاسطوري، لاستيلاد نوع خاص من السرد، تستطيع بنى هذه الرواية النهوض على دعائمه، باستخدامه لضمائر مختلفة، وجعل النص أحيانا يروي نفسه، في توظيف عال (للشعرية) و(طاقة التفجير اللغوي) في محاولة (تجريبية) وسمت مستويات السرد المتعددة ووحداتها.
وفي السياق نفسه، استلهم الكاتب تقنيات حديثة متنوعة، كتعدد الأصوات السردية (البلفونية)، التي تعمق من جماليات تقنيات كانعكاس المرايا لبث التاريخ الذاتي لشخصية شهاب أبوعلي، كواحدة من الشخصيات المركزية التي حفل بها النص.
عمل الكاتب أيضا على إخراج الطبيعة من وظيفة (الحلية) للنص، خلال التوظيف التقليدي، الذي يموضعها كمؤثر نفسي على أنشطة الشخوص، لتلعب هنا دورا مختلفا تصبح فيه شخصية مركزية.
فمارتجلو ليس مجرد جبل أو شلال، أو رمز لاهوتي مقدس، إذ يتسامى إلى دور البطولة، كحامي للتاريخ وحافظ لتراث الأسلاف، وعنصرا فاعلا في التحولات التاريخية.
انطوت الرواية على أكثر من بنية حكائية كبرى، دون طغيان على البنى الصغرى، كشلة المدرسة الثانوية والجامعة وأعضاء التنظيم السياسي المناهض للنظام الثيوقراطي، الذي نهض خطاب الرواية في مواجهته.
واحتل الزمن مساحة واسعة، تم التنقل فيها عبر تقنيات الاسترجاع والاستشراف، وتكسير الزمن وتبديده، وتحويله إلى زمن دائري.
وشمل المكان جغرفيا واسعة، على امتداد البلاد الكبيرة. حيث تم في هذه المساحة رصد وتحليل وقائع القمع والتهميش، والانتقال من الاستعمار التقليدي إلى الاستعمار المحلي، وما طرحه هذا الواقع الغارق في البؤس والتمزق والأسى من أسئلة مصير كبرى مثلت رؤيا النص!
هذه الرواية بمثابة نصوص روائية عديدة، في محيط نص مركزي، تجري وقائع أحداثه داخل الجامعة، كمؤسسة تنوير مهمومة بمشاريع التحديث، يتنقل رواة هذه النصوص بين إحداثيات السرد ومستوياته عبر مختلف الضمائر، في مختلف الأزمنة والأمكنة!
وتناقش الرواية كمسكوت حديث روائي، موضوعة الاقصاء والنَّفي الوجودي للانسان بإسم الايديولوجيا. بمنأى عن الشخصية النمطية في السرد السوداني: المثقف الخرطومي المأزوم، الذي ترتقي به هنا من الغياب الفاجع، إلى شخصية فاعلة بنشاطها في التاريخ!
اتسم الحوار في هذه الرواية بسخرية مُرَّة، أستخدم فيها الروائي لغة وسطى، بين لغة الشارع والنخبة والعربية السودانية والمعجمية. ليصوغ لنا رواية تقترح الاسلوب الساخر كأداة نقد سردي لواقع مأزوم.
يركز الروائي الضوء على بعض الشخصيات، كشخصية عتَّام كمعادل موضوعي لشخصيات عميقة في التراث الأنساني والاسلامي والسوداني، إذ تجسدها شخصية البدوي الهمباتي، التي تعادل شخصيات صعاليك العرب، كما هي أيضا استلهام لشخصية حقيقية: الواثق صباح الخير، الذي كان يسرق الأغنياء لاعطاء اموال هذه المسروقات للفقراء، إلى أن تم اعدامه في فترة نظام حكم االرئيس الراحل السفاح جعفر محمد نميري، يضيء الروائي خلالها الإنساني والساخر في الشخصية الاجرامية. كأداة نقدية للنظام العدلي!
وظف الروائي الزمن، باستخدام دوائر زمنية صغيرة، تنتظم جميعها في محيط الدائرة الزمنية المركزية. وهي تقنية شديدة التعقيد!
وعلى ذات النسق جاء توظيف المكان، إذ تمثل الجامعة كاطار مكاني تنتظم داخله كل الأمكنة الأخرى.. فالأمكنة داخل هذا المكان المركزي، هي أمكنة نفسية وذهنية، فمثلما تم (تزمين) الأزمنة المختلفة في الزمن المركزي، عمد الروائي إلى تقنية مكانية مماثلة؛ (بأمكَنَة) الأماكن العديدة في مكان مركزي، باستخدام تقنيات الاسترجاع والاستشراف والزمن الحاضر، بحيث أصبحت تيمات الرواية جميعها تتحرك وفقا لقوانين (زمكانية) لا تنفصل فيها وحدات الزمان والمكان والسرد داخل الزمان والمكان المركزيين (الزمكانية المركزية).
وفيما يروي الرواة العديدون، عن أنفسهم. نجدهم يروون عن بعضهم البعض أيضا، كما يروي عنهم جميعا الراوي المركزي شهاب أبو علي.
وبقدر ما تناولت هذه الرواية الحياة الداخلية، لفرع تنظيم سياسي في قطاع الطلاب. والاختراقات الأمنية والاعتقالات وعلاقات الحب المعقدة، في هذا المناخ المليء بالمخاوف والهواجس والظنون.. وما يعانيه هؤلاء المناضلين اليافعين من متاهة، في ظل الأزمات الفكرية جراء التمزق والانهيار الفكري الكبير، الذي أطاح بآيديولوجيات العالم، وأقطاب قواه، ومحاولات النهوض من جديد، من ركام الأفكار وسقط التصورات، التي تفككت! بتشييد نظم تفكير بديلة!
بقدر ما غاصت الرواية أيضا في التاريخ الوطني في مراحله المختلفة، لتقدم رؤيتها حول الأزمة السودانية الوطنية الشاملة، كانعكاس للازمة العميقة لاطراف العمل السياسي، وتهميشها للديموقراطية، في مواعينها السياسية وتكريسها للاستبداد.
وما التفاعلات المتبادلة للاستقالات والانقسامات والتشظي، على مستوى البنى الإجتماعية والتنظيم السياسي، والجغرافيا، واختطاط هذه الأزمة في تجلياتها المختلفة لطريق الانفصالات. إلا وجه سافر لازمة التنظيمات السياسية ومشاريعها!
حيث يقف شهاب أبوعلي ورفاقه داخل التنظيم على مفترقات طرق الصراع، بين المعرفي والآيديولوجي والجمالي!
نبذة عن أنثى طائر الفينيق
صدر هذا الكتاب عن دار رفيقي للطباعة والنشر والتوزيع بجوبا، جمهورية جنوب السودان، في العام ²⁰²⁰. وهو كتاب في أدب التكريم عن القاصة الراحلة منال حمد النيل. يقول عنه مؤلفه ”هذا الكتاب، لهو كتاب مختلف عما هو سائد، من كتب "إحياء الذكرى"، فهو عبارة عن (ملف) يُلقي الضوء، على (بعض) المناطق والاهتمامات، في حياة القاصة الراحلة المقيمة منال حمد النيل أحمد (الفحل) عبد السلام.. عل ما سنورده هنا، يعين من يأتي لتتبع سيرتها، في سياق المجرى العام، لمسيرة المرأة السودانية المبدعة.
كنت قد خططت لإصدار كتاب عنها، منذ الذكرى الأولى لرحيلها ختام العام ٢٠١٤، ولكن لعوامل عديدة تضافرت وقتها، لم أتمكن من إنجاز هذا الأمر.
و ظلت الفكرة، في قاع الذاكرة، تراوغني من آن لآخر، إلى أن دفعتها الصديقة، المبدعة الجميلة، متعددة المواهب والإمكانات، دكتورة إشراقة مصطفى حامد، للطفو على سطح الذاكرة، والتشبث بشطئان خلجانها، ربما منذ ما يزيد على العام قليلا. فلها مني كل الود والمحبة.
وأحب أن أشير هنا، إلى أن هذا الملف، قد أعد على هذا النحو تحديدا، لتعين مخطوطته (ابتداء) دكتورة إشراقة مصطفى حامد، على ما هي بصدده، من دراسة. كاسهام متواضع مني، في إحياء ذكرى المبدعة الراحلة منال حمد النيل.
هذا الكتاب عبارة، عن كتابات منال التي بحوزتي، في القصة القصيرة جدا، والقصة القصيرة، الى جانب محاولات قليلة، في النقد النظري والبحث الحقوقي، وهي بطبيعة الحال ليست كل كتابات منال، بل تمثل جزء يسيراً جدا في مسيرتها، منذ النصف الثاني، من ثمانينيات القرن الماضى“.
نبذة عن ثلاثية المطاليق.
أثارت هذه الرواية أصداء واسعة لدى نشر جزئها الأول، على صفحات سودانيز أون لاين وذهب البعض إلى وصفها بأنها أول رواية سودانية تصدر بعد صدمة إنفصال جنوب السودان، وما يجدر ذكره أن جهاز الأمن والمخابرات في السودان، قد حقق بخصوصها مع الناشر عماد الدين بومدين (دار الريم للطباعة والنشر والتوزيع، الخرطوم)، لاعتقاده أنها طبعت ومتوفرة في جناح الدار بمعرض الخرطوم الدولي للعام ²⁰¹⁶، بسبب الاعلان الاستباقي المبكر عن نشرها، ولما أثارته من أسئلة في مجتمعات السودانيين في المنافي.. جاء فيها:
تمددا على سطح الماء..
تمددا فوق بعضهما، تخفيهما عُشبَّة معونة النيل عن أنظارِ الشايب جقندي الذي كان يتابعهما من قيف النهر بقلق..
كانا عاريين إلا من عذابهما.. وحدتهما واحساسهما القاسي بالفقد!.. رويداً، رويداً.. كانت عُشبَّة مياه النيل تدنو، وبلطف تداعب ساقي سِت البنات العاريتين..
مُويجة صغيرَّة تتجشأ زبدها في مكامن الألم والبوح والإلتياع..
كانت العُشبَّة تحفر عميقاً.. عميقاً تحفر العُشبَّة.. عابثة، شقيَّة.. تحمل في رُغوتها الإحساس البطيء.. العميق بالغرَّق..
إنزلقت شفتا سِت البنات على شفتي عاشميق، تتحسس لزوجة الماء.. كانت رائحتها النَّدية لحظتها تتسرَّب خياشيمهما، وتبعث فيهما احساساً مالحاً بالخدر..
وعلى القيف.. هناك.. ألقى الشايب جقندي برأسه إلى الخلف، يستعيد وقائع ما جرى، وصوت ودالتويم يدوي في فراغ ذاكرته المنهوبة:
"يقولون أنهم جربوا كل السبل، ولم يعد لديهم خيار سوى الانفصال"
ثم بلع أنفاسه اللاهثة وهو يضيف:
"ماذا نفعل؟"
كانت أزقة وادي الذهب المعتمَّة، لحظتها تقذف من أحشائها، كل الروائح الحادة. العطنَّة، والهواء الممزوج برماد التوتر والقلق، ورائحة الرَّوث الدَّبِقة، وأنفاس النَّهر المضمَّخة في رائحة السمك وعُشبَّة معونة النيل وأمبانقيقة وثرثرة الضفادع المختلطة بإيقاعات الواز الحزينة، يتخلل أغنيات أسيانة تأتي من بعيد، لا أحد يدري مصدرها!..
-----
یكتب الروائي السوداني أحمد ضحية عن أحوال البلاد الكبیرة، التي سیطر علیها السلطان بجنكويزه، یروعون الأهالي ویغتصبون النساء والأحلام، ویطاردون ویقتلون الثوار!
ویمثل الشایب جقندي ذاكرة تلك البلاد الحافظ لتاریخها والباحث عن عالم أفضل لها.
أن الرمزیة التي تنبني علیها الروایة تكشف عن الكیفیات التي ترسخ بها السلطة استبدادها.
محاسن الحمصي
كاتبة اردنية
مجلة الكلمة اللندنية
العدد ٥٨، ٢٠١٢
من هم الجنكويز؟
جنكويز: كلمة ركبناها من كلمتي: (جنجويد)، و(كويز– تصغير كوز)، فأصبحت(جنكويز)، والكوز هو الإسلاموي (أُشتهر بهذه التسمية أعضاء حزب الترابي).
جاء في قواميس اللغة العربية أن الكيزان مفردها كوز وهو إِناءٌ بعُرْوة من فخَّار أو غيره له أُذن يشرب فيه أو يُصَبُّ منه، ومن هنا جاءت مقولة مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا ”الدين بحر ونحن كيزان نغرف منه“.
وخلال سبعينيات القرن الماضي خاطب حسن الترابي أنصاره في إحدى الندوات بمقولة البنا، فراجت بين الناس، وأصبح الإخواني كوزاً، وجمعهم كيزاناً.
أما الجنجويد ”جنجاويد“ فهو مصطلح سوداني مكون من مقطعين هما: (جن) بمعنى (جِنِّي) ويقصد بها أن هذا الجِنِّي (الرجل) يحمل مدفعاً رشاشاً من نوع (جيم ثري) المنتشر في دارفور بكثرة.
و(جويد) تعني جواد، جمعها جياد.. ومعنى الكلمة كاملة (جنجويد): الرجل الذي يركب جواداً ويحمل مدفع رشاش جيم تلاتة.
وتطلق كلمة جنجويد على الرجال الذين يقاتلون من فوق الخيل بهذه البندقية الآلية التي أشرنا إليها.. والكلمة تأتي من (جنجد) حسب روايات الجنجويد أنفسهم. وتعني (النهب المسلح) الذي يحترفونه في إقليم دارفور، إذ يقول الواحد منهم (نمشي نجنجد) أي ننهب ومنها أتت تسميتهم بالجنجويد.
وقد مزجنا الكلمتين جنجويد وكويز، لتصبح جنكويز، لأغراض الرواية، وفي الواقع لا (لا) تمت وقائع وأحداث هذه الرواية للواقع بصلة.
أنه الحنين.. فقد الوادي.. الحنين إلى الوادي الوادع، الذي رسمته حجب النور في خيالها، بكل ملامحه وقسماته وحياته.. بطيوره ووديانه ونهره وجبل كارناسي المهيب..
أشعلت فيها تلك الصور المختزنة في ذاكرة حجب النَّور، حنيناً لا يوصف، ورغبة سرِّية عميقة للحياة هناك، حيث طيور الغارنوق وأشجار القنا والقمبيل وغناء الوازا النَّدي..
وهكذا أصبح يتعمد رؤيتها كل يوم من بعيد لبعيد..
يتأمل بشرتها الكاكاوية.. جسمها الناحل.. شفتيها الغليظتين وملامحها الحادة التي تبدو غالباً، كالمنقطعة عن الدنيا:
لا مبالية. لا تحفل بالألم. لا تتأثر بهموم الرُّحَلْ.. تتألق في نور النِّداء الخفي لعينيها الواسعتين، وهما ترِّفان في الظلام، الذي يكلكل قوافل الرُّحَلْ منذ مئات السنوات.. تتثبتان كجوهرتين، فيتزاحم القمر والشمس والنجوم، يخروا ساجدين، وترتخي قبة السماء لتلامس قمم القمبيل، وجبل كارناسي وماء النّهر.. تصبح الأرض أقرب من حبل الوريد!..
وهناك خلف قمة كارناسي، خلف السرّاب المتبدد، تزرع الألق والحنين الجارف.. فيتبعها جقندي خفيَّة في كل مكان:
وهي تضجع على الرمل تعبث فيه بأناملها.. وهي في الخيمَّة مع أمها، حيث فتح "شقا" صغيراً يسمح لعينيه بمراقبتها خلسة، آمنا دون رقيب.. دون مواجهة مباشرة.. دون..
ومع ذلك كانت ملامح وجهها تنطوي على شيء من الحزن الغامض، الذي لا حدود له!.. لم يقترب منها أبداً أو يحاول تسرِّيب عواطفه المكبوتة.. المرَّة الوحيدة التي ضبطته يسترق النظر إليها، تمعنت وجهه طويلاً دون أن ترمش.. كانت كاكا لا ترمش!..
زرعت داخله قلقا رهيبا.. كل لوعة الترّحال وأساه.. كل قلق الرُّحَلْ وأحزانهم.. لحظتها كانت ترمش في قلبه، الذي كان يخفق بشدة وينتفض.. ترى هل أحب حفيدتها سوميت حقا؟ أم أحب فكرة كونها حفيدتها.. فكرة الحب القديم.. بقدر ما كانت عينا كاكا مترعتان بذلك الأسى الغامض، كانت عينا حفيدتها سوميت حانية، شقية كعالم المشردين الذى أدمنته، وهكذا في لحظة منهكة بسنوات الترحال والعذاب قرر البقاء. رحل القوم. تركوه خلفهم يواجه قدرا غامضا. يواجه وحده مأساته ومأساة الوادي الوجودية الكبرى، في إنتظار نهايات وشيكة!..
ما أن توقف المطر حتى خرج ثلاثتهم من الكهف، توجهوا إلى المقابر. كانوا يشعرون بأنها نظرة الوداع الأخيرة..
تراءى جبل كارناسي لحظتها بعيداً، وقمته غارقة في الغسق الحزين الوسنان.. غيمَّة عابرة حطت قبالة قبر سوميت، بكت فلطمت أوراق القمبيل بكفها أرض الوادي، الذي بدى مهتزاً وغارقاً في المأساة..
قبلها بساعات كان الظلام قد خيَّم على الوادي المسكون بالقلق والتوتر، ثم غيَّم كل شيء.. كعين"قطع الشك" وهي تغالب دموعها!.. وجاء صوت الوازا من بعيد كئيباً، مهلهلاً كنشيج الوادي الغارق في الكآبة والعتمَّة والأحزان..
الآن فقط أصبحت رؤية وسماع كل شيء أكثر وضوحاً، من أي وقت مضى.. زحف جقندي داخل خيمته. تأمل جسد سوميت المتمدد على تراب الخيمَّة. رآها..
كانت نصف عارية والدماء تغطي كل شبر فيها، ومع ذلك كانت بإبتسامتها الملائكية، تبدو كنائمة وليست ميتة.. كانت تبدو كالغارقة في نوم عميق، تحلم أحلاماً يانعة لطالما طمحت لتحقيقها..
أشعل جقندي حبات "القضيم" السبعة الراقدة في قاع كدوسه الأبنوسي الطويل، وترك فمه مفتوحا يتسرَّب منه الدُّخان حاملا صلواته المجيدة، وسوميت تتراءى له من بين التموجات الدائرية، وغير المنتظمة للدُّخان كأنها تفتح عينيها بين آن وآخر، تنظر إليه في محبة، وربما تضحك ضحكتها المميزة، تلك التي كهمس ممزوج في أنغام "أم كيكي" المحبة الودود في حزنها النّقي..
كانت تتراءى له تحاول شد ثوبها الممزق، لتغطي جسمها نصف العاري دون جدوى، فدائما ثمّة نصف عارٍ، مكشوف!..
تخلل بأصابعه النحيلة شعرها الأجعد، وهمس وهو ينفث الدخان:
………
أطرقت ست البنات برأسها وعيناها تسافران بعيداً، مع تلك السحابة الصغيرة، التي ظهرت بمحاذاة الشمس، فبدأت القبور كلها تزهر زهوراً ملوَّنة، مغمورة في ضوء شفيف يغسل كل شيء حولهم..
ستمر على الوادي آلاف الغيمَّات الأخرى، التي تنبع من مصدر الزوبعة داخلهم، دون أن تغمر أرواحهم بالسلام.. دون أن تطوف إبتسامة سوميت الغامضة، التي تفتش في أعماق الوادي عن البلدة المدفونة بالحكايا والأحجيات التي داخلهم...
------
وهكذا عند السحر غادرا الوادي، وهما يمسكان بيدي بعضهما.. مشيا عبر طريق متعرِّج، يفضي إلى عوالم غامضة مجهولة، سيقبلان عليها بكل ما يحملانه من مخاوف وهواجس وظنون...
وقبيل مغادرتهما حدود الوادي، عرجا نحو النَّهر يُلقيان عليه نظرَّة الوداع الأخيرة.
بدى لهما النَّهر رقراقاً ومستأنساً، لا يزال على شاطئه ما رسمه الأهالي بأقدامهم الحافية من حكايا غير مكتملة، لبشر يحاولون أن يجدوا موطئ قدم في حياة الوادي الموحش.. بشر يحاولون مقاومة الموت على طريقتهم.. بالنسيان ودفن القصص والحكايا في الرمال، التي تناثرت عليها قطع المحار السوداء والقراقير الصغيرة، التي يرمي بها الموج أثناء تدفق المد، في طريقه إلى المجاري المتفرعة، التي تربط الجروف ببعضها البعض..
تفتت التراب الهش تحت قدميهما. كانا يمشيان على حافة القيف المنسرح إلى جرف النهر، حيث تنعكس الشمس على صفحة الماء، كشعلة المعرفة وهي تذوِّي في أتونها الأزلي..
على صفحة الماء الذي بدى كمرآة محفوفة الحواف، كانا يريان وجهيهما مظللين غامضين.. فيتدفق البريق الخابئ الحبيس في عينيهما في توتر قلق..
إستنشقا الهواء المكحل برماد فجرٍ زاوٍ.. وتجردا من ثيابهما.. تقدما يضعان قدميهما على الماء، وهما يمسكان بيدي بعضهما، ثم ألقيا بنفسيهما في المياه ببطء، وعاشميق يتملى في عينيها، اللتان كانتا لا تزالان تتقدان بنيران ما جرى لسوميت، على مرأى ومسمع منها..
ثلاثية مملكة العزلة
هي ملحمة نثریة جدیدة، شكل فیها السطر الواحد عالماً، ورقعة متسعة من الإبداع الجمیل.
أنها عوالم في التاریخ والجغرافیا والإنسان، عبر عصور عاشت الغربة بكامل وعیها وإرادتها، متمرِّدة أو مستكینة!!
هي مئات من سنین وربما مائة سنة من العزلة كانت وتجددت، وعادت من جدید لعزلتها، بین فناء وحیَّاة متجددة ومتجذرَّة، اختلط فیها الواقعي بالسحري!
بل لا أغالي إذا قلت تم من خلالها فعل الحالتین، وتبدل موقعهما، معا لیشكلا أسطورَّة شدیدة الزَّخم!
في هذه الرواية أحمد يؤسس لأكثر من ماكوندو.. فهنا كانت عوالم في الزمن والتجربة الإبداعیة، بكل غناها وتفجراتها وحیواتها، وهذا السحري، الذي بنى علیه ولم یقف عند حد المعرفة، أو المشكل في المیثولوجیا عربیاً أو أفریقیاً، بل أكد على جدید في اكتشافات آنیة، لم یلتفت إلیها عبر العصور!
كان هناك خلیط مرعب بین الكائنات، وﷲ والأرض والسماء والكواكب والملائكة والبشر والریح.. المدن والطوفان والعشق والكره، والموت والتحلیق والمعجزة السماویة، والأسطورة والإیمان، والكفر!
هذا التشظي والتفجر، يشي بعبقریة سردیة قادمة بقوة، وآن لها أن تعلن عن قیامتها وبعثها!
شكراً.. وهل تصلح لك أیها العبقري؟ قرأت عزلة ماركیز مرَّة وأظن أنني سأقرأ ملحمتك عشراً وربما أكثر قبل أن أصل إلى السر الكامن خلف ما أسست!
ربیع عقب الباب
قاص وروائي مصري
عضو إتحاد كتاب مصر
نبذة عن عتبات نصوص I،
”عتبات نصوص نسوية“ هو الجزء الأول من ثلاثية نقدية بعنون: ”عتبات نصوص“، صدر هذا الجزء الأول عن دار المثقف للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة 2020 وقد خصصه مؤلفه لتناول القصة القصيرة بأقلام نسائية في الخليج وشبه الجزيرة العربية، وتناول في الجزء التطبيقي منه، نماذج من قصص المبدعات ”إستبرق أحمد/ الكويت، هدى العطاس/ اليمن، حواء سعيد وفاطمة العتيبي وأميمة الخميس/ السعودية، وتقوى محمد/ اليحرين، وبشرى خلفان/ عمان وكلثم جبر/ ونورا آل سعد ولولوة البنعلي/ قطر، وظبية خميس وفاطمة المزروعي/ لأمارات.
وسيصدر الجزء الثاني ”عتبات نصوص II“– نون السرد وتاء الحكايات، عن نفس الدار خلال الأسابيع القليلة القادمة.
جاء فيه: ”لايخفى على المراقب لمشهد السرد في البلدان العربية [¹]، أنه منذ العشرية الأولى للألفية الثانية، بدىٰ واضحاً أن كتابة القصة القصيرَّة في تراجع مستمر، فيما أخذت الرواية تتقدم بخطى واثقة وتزدهر.
وقد مثل هذا التساؤل دافعا أساسيا لإفراد بعض أجزاء سلسلتنا السداسية النقدية ”السرد والرؤى“ [²] للقصة القصيرة السودانية، علنا نلامس أزمنتها وتحولاتها، والآفاق الممكنة لازدهارها، وسط عالم ثورة الرقميات، وهيمنة ثقافة الصورَّة، والسرد التفاعلي وهذا الزَّخم الروائي الطاغ، وقطعاً ما سيعقب جائحة الكرونا Covid-19 من تحولات جذرِّية في العالم، تفصل بين العالم الذي كنا نعرفه، والعالم الجديد ما بعد الكرونا.
ولذلك عمدنا في في هذا الجزء الأول من ثلاثية نقدية، لتناول مسارَّات القصة القصيرَّة، في الخليج العربي وشبه الجزيرَّة، ولكن لا تدعي قراءاتنا في هذه الثلاثية الشمول، بل ذلك لم يكن طموحها.
فهي قراءات، فكرتها انطلقت من دراسات في السرد السوداني [³] إبتداء، ومن ثم تطورَّت خلال العشرين سنة الماضية، لتشمل، بلدان أخرى، وقد اهتمت بصورَّة أساسية، بالقاءِ الضَّوء على المشهد القصصي في البلدان العربية، خلال نماذج عامة، أُخترت بعضها كعينات عشوائية، لأغراض الدراسة.
ولنا أن نتساءل هنا: هل تراجع كتابة ”القصة القصيرة“ يعود إلى أزمة تتعلق بها كجنس سردي؟
أم لصعوبة كتابتها كجنس صارِّم القوانين، يحتاج إلى حِرفيَّة عالية، هو ما دفع بِكُتاب كُثُر، إلى الهرَّب إلى فضاءات السرد الروائي الرَّحبة، بما تتسم به الرِّوَايَة من مرونة واشباع، وبما تنطوي عليه من متعة الحكي والتلقي في آن؟
يقيني أن القصة القصيرَّة، تظل النَّافذة لكل أزمنة السَّرد، ولربما لا تزال ذاكراتنا تحتفظ بأصداء متلاشية، لكتاب كبار، من مختلفِ أنحاءِ العالم، أسهمت قصصهم القصيرَّة، في تشكيل وعينا السردي، بأدوات القص المكثف والحكي المركز، خلال نماذج باذخة، لم تبدأ بتشيخوف وبورخيس، ولم تنتهي بيوسف إدريس أو الطيب صالح، والتي لا تزال حيَّة في ذاكرَّة السَّرد القصصي، رغم مرور سنوات طويلة، على كتابتها.
نلاحظ من جهة أخرى، أن الاهتمام النقدي النَّظري والتطبيقِي، فيما يتركز على الرِّواية، يتراجع في الاهتمام بجنس القصة القصيرَّة، وبالنتيجة أدى عدم الاحتفاء النقدي بالقصة القصيرَّة، إلى رفض الكثير من دور النشر، لطباعة مجموعات قصصية، مالم تكن على نفقة القاص نفسه، فيما تحتفي دور النشر نفسها بطباعة الرِّواية، وإذا اضفنا طبيعة الشروط المتعلقة بالقارئ،كطرف في عملية التسويق، نجدها تنحو باتجاه ثقافة الإثارَّة والتشويق، التي شكلَّت على أساسها الصحافة اليومية وَّعي القارئ!
ومع ذلك، ونتيجة لتحطم الجُدُر التي تفصل بين أجناسِ الكتابة، نجد أن القصة القصيرَّة، باتت تتغذى على المنجز النَّظري الكثيف، في جنس السَّرد الرِّوَائِي، بل وتستلهم أدوات وتقنيات الرِّوَايَة غالباً. فكثيرة هي الرِّوَايَات التي جاءت فُصُولها بمثابة قصص قصيرَّة، والعكس كذلك. بل أن كثير من الرِّوَايَات، نوياتها الأساسية،كانت قصصاً قصيرَّة، تم تطويرها إلى رِّوَايَات.
وبطبيعة الموضوع، لا تفوتنا الاشارَّة إلى الفوضى العارِّمة، التي انتظمت المشاهد الثقافية في البلدان العربية، والتي نتجت عن استسهال كتابة السَّرد بمختلف أجناسه.
والمفارقة هنا أن الايقاع السريع لعصرنا الحالي، وسهولة النشر والانتشار، وهيمنة ثقافة الصورَّة، بدلاً عن أن يؤدي كل ذلك، إلى إزدهار القصة القصيرَّة، باعتبارها فناً مكثفاً، أدى إلى العكس وهو سؤال جدير بالتأمل!“.
نبذة عن الكنداكة
في الجزء الثاني من لا وطن في الحنين (الكنداكة.. ساورا مملكة الجبل).. نقرأ عن مملكة ساورا التي كان إنشاؤها بعد سقوط مملكة الجبل محملا بأحلام بددتها الصراعات على الحكم والفتن وآثار الجفاف والوباء والخراب الذي خلفه الغزاة. حيث يتعرف أبناء الحاضر في قراءتهم لتاريخ تلك المملكة على المأساة التي مازالت تتكرر حتى الآن، لمقاومة كل هذا الدمار والموت؟
مجلة الكلمة، العدد 160 أغسطس 2020
جاء فيها: ”وهو في النزع الأخير على حجر ابنته كيرا، تراءت له وقائع حياته مع سابا، صديقة الجنيات في ادق تفاصيلها.. تراءى له.. شبابهما وذكرياتهما معا! ولفظ أنفاسه، وهو يرى نفسه على احضانها، في تلك اللحظة البعيدة! عندما أمسك بكنفوسها الجلدي القديم في يده. وتفرّس فيه. فهاجه التوق والوجد، وتدفقت في عروقه حرّق، كتلك التي تندفع من جوف جبل الميدوب!
في ذلك الوقت كانت سابا؛ قد بدأت تألفه وتعتاد عليه. فعنّ له أن يقترِّب أكثر، من تلك الرؤيا التي تسكنه.. رؤيا العرش خلف طيفها الغامض!
دنا منها وهما ينهيان حماميهما، في ذلك الوادي. أراد أن يتوحد معها، خبّت الألفة في عيونها، وانبعث محلها شرّر. كشرّت عن اللبوة داخلها. نظر في أعماق عينيها بقوّة، فتنمرّت أكثر.
دنا منها. فمدّت يديها كحيوان كاسر، لتنتزع خاصِّرته، فتراجع بزاوية حادة، أطاحت بزراعيها في الهواء، أختل توازنها، فباغتها من الخلف، وأحتضنها مقيدا يديها الى ظهرها، وشابكا ساقيه في ساقيها!
أخذت تحرِّك رأسها وقدميها في عنفٍ، تشققّت له تربة الوادي الرملية الرطبة، وهي تزأر بوحشية جعلت الطيور، التي في أعلا التّل ترتاع وتهرب من وكناتها، لا تلوي على شيء!
ظل سورِّنق ممسكا بسابا، إلى أن خارت قوّاها، فكفت عن المقاومة، فتركها!
وقبل أن تتهاوّى كقلعة مهدّمة، سندها برِّفق وأتكأها على حافة الوادي، وأبتعد عنها قليلا ينظر إليها.. حدقت فيه بدهشة، وغابت بعيدا.. بعيدا“.
نبذة عن المخطوطة السرية
نشرت رواية المخطوطة السرية عن مجلة الكلمة اللندنية العدد ¹¹³ عدد سبتمبر ²⁰¹⁶، كجزء أول من ثلاثية لا وطن في الحنين، وجاء في تقديم محرر الكلمة لهذا الجزء ”تنشر الكلمة الجزء الأول من ثلاثية أحمد ضحية التي يحاول فيها تصوير الواقع والتاريخ السوداني من خلال شخصيات معاصرة تعاني من الصراعات الأثنية والدينية، ليتغلغل في تاريخ المكان وماضيه الأسطوري من أجل أنشاء الدولة والممالك بحكّام يتآمرون على بعض ويشعلون الحروب بصورة تعكس ما يجري الآن في الواقع المعاصر“.
وقد نشرت الاجزاء الثلاثة من هذه الثلاثية ورقيا للمرة الأولى عن دار ويلوز هاوس جوبا جمهورية جنوب السودان، ²⁰²⁰. بعد أن ظلت مخطوطة لأكثر من عقدين من الزمان.
مما جاء فيها ”على مسرح جلابي المنصوب في العراء، قدم مسرحييها الذين حصل أغلبهم على جوائز عالمية كبيرة، في التمثيل والإخراج والتأليف، لكن لم تسمح لهم الدولة بالسفر للحصول عليها!
من هذا المسرح خرجت روائع المسرح الوطني، التي أصبحت تُدرَّس لتلامذة المسرح في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وكل مراكز الآداب والفنون العالمية، منذ الانحسار الهليني على أيام مملكة ساورا!
فأهم السمات التي حملتها مدرسة ”جلابي“ المسرحية، أنها استفادت من عصر ”الباروك“ في تعابيرها الحسية، وأخذت عن ”البيكيتية“ عبثية هذا العالم في البلاد الكبيرة، وعلى هدى ”كنط“ حاولت اشتراع عقلانية جذرية في الإبداعي!
هذا المزيج الغريب، أدهش العالم، وأوقف ضربات قلب المشاهدين، الذين كانوا يحبسون أنفاسهم منذ لحظة رفع الستار حتى إسداله!
قدمت جلابي دراما غير معقولة البتة، استطاعت أن تعكس خلالها مباهج ”الإنسان“ وآلامه، في هذا المكان المعزول عن العالم والمسمى ”جلابي ود عربي“ ما جعل أحلام الأهالي تتجاوز مجرد طرد حكومات الإستعمار المحلي الجنكويزية، إلى نوع من الحلم الصوفي، بالخلاص والفردوس المفقود والمدن الفاضلة.
هذا المسرح الذي قدمته جلابي، استطاع أن يضخ معان وقيم جديدة، جددت دماء العروق الجافة للمسرح العالمي، خاصة بعد المرحلة الشكسبيرية الباروكية، التي استمرت لوقت طويل رغم أنف التاريخ الفني!“.
نبذة عن رواية الأعتم ابن أبي ليل الظلامي.
صدرت (البدايات)، الجزء الأول من ثلاثية ”الأعتم إبن أبي ليل الظلامي“ عن دار المثقف للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ²⁰²⁰.
رواية (الأعتم بن أبي ليل الظلامي [¹] البدايات) كانت ”مجلة الكلمة“ التي يرأس تحريرها الناقد المخضرم دكتور ”صبري حافظ“ قد قدمت لها في عدد سبتمبر ²⁰²⁰ بـ ”يتساءل «الأعتم» بطل الرواية عمن هو أحق بوراثة عروش هذه الإمبراطوريات؟
مقدمًا سؤال النَّص المحوري، خلال زّمنه الأُسطوري الذي يمتد لأجيال، وشخصياته التي تلعب أدوراً محكومةً بقدرٍلا فكاك منه!
ويقدم النَّص وعوده الجمالية -معتمدًا على ثنائيات الحيَّاة والموت، السادة والعبيد، الحاكم والمحكوم- كاشفًا عن عوالمٍ شديدة الثراء“.
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details.
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.
Intellectual property is reserved for the authors mentioned on the books and the library is not responsible for the ideas of the authors
Old and forgotten books that have become past to preserve Arab and Islamic heritage are published,
and books that their authors are accepted to published.
The Universal Declaration of Human Rights states: "Everyone has the right freely to participate in the cultural life of the community, to enjoy the arts and to share in scientific advancement and its benefits.Everyone has the right to the protection of the moral and material interests resulting from any scientific, literary or artistic production of which he is the author".
