He has (17) books in the library, Total download and read (936)
Description not available.
شعرية الاخـتــزال: قراءة في (شفاه الورد) للقاص عبد الرحيم التدلاوي
د.مصطفى الشاوي
"سرت في الظل حتى سكنني..اتخذت بحكمة لغة الصمت.." عبد الرحيم التدلاوي
في القصة القصيرة جدا لا تتحقق شعرية الاختزال فكريا فنيا جماليا مع كل نوع من أنواع هذا الجنس الأدبي الضارب في الصغر لأنه مرْكَبٌ صعب لا يمتطيه إلا من أوتي أسرار السرد ومن تمكن من اللغة وتحكم في أساليبها واستوعب الواقع وأدرك مكامنه الدفينة وأسراره الخفية.
حقق القاص عبد الرحيم التدلاوي تراكما ملحوظا في مجال القصة والقصة القصيرة جدا بحيث أصدر "الطيور لا تنظر خلفها حين تحلق" سنة 2013 و"طنين الشك" سنة 2013 و"وجوه مشروخة" سنة 2013 و"أنامل الربيع" سنة 2014 ثم "شفاه الورد" سنة 2014، موضوع هذه القراءة التي سنحاول من خلالها التعرف على القصة القصيرة جدا عند الكاتب من حيث مقوماتها الفكرية والفنية والجمالية.
ومنذ البداية نفترض استنادا إلى هذا التراكم أن يكون النص القصصي القصير جدا قد حقق على يد القاص عبد الرحيم التدلاوي تقاليد كتابية مكينة واكتسب خصائص فنية مائزة وأن الكاتب ولا شك يصدر عن تجربة كبيرة ودراية عميقة وخبرة واسعة وإدراك رصين لمقومات هذا الجنس الأدبي الوليد اللحظة.
ومعلوم أن قراءة كل عمل تختلف باختلاف القراء والمنظورات المنهجية المعتمدة وزمن القراءة التي يحين فيها القارئ نصه المقروء، وما دامت كل قراءة ملزمة بالإفصاح عن مفاهيمها وتصوراتها، وما دام الاختزال خاصية مميزة للقصة القصيرة جدا فإن رهان هذه المقاربة أن تقف عند جمالية الاختزال ومستوياته المختلفة مع العلم أن هذا المفهوم يستدعي خاصيات فنية أخرى يتميز بها النص القصصي القصير جدا كما سنوضح في حينه.
عنوان المجموعة القصصية مركب إضافي أضيفت فيه كلمة (شفاه) إلى (الورد) وتفيد الإضافة التخصيص، ذلك أن كلمة شفاه كلمة نكرة مفتوحة على كل كائن يمتلك فما إلا أن إضافتها إلى الورد تطرح سؤالا حول حقيقة امتلاك الورد للشفاه، أي هل الكلمة مقصودة في معناها المباشر والحقيقي أم تنزاح عن هذا المعنى الأولي إلى معناها المجازي؟ وما دامت الشفاه تستدعي كيان المرأة باعتبارها رمزا للأنوثة والخصوبة والجمال فهل الورد مقصود في ذاته باعتباره نبتة أم تراه رمزا للمرأة والحسن والجمال؟
بعد هذا الاستطراد يلجأ القارئ إلى عناوين قصص المجموعة الإحدى والسبعين فلا يجد فيها ما يتقاطع دلاليا بشكل مباشر مع العنوان المركزي مما يؤكد أن العنوان إطلاق مجازي يشمل نصوص المجموعة كلها، وما دام السرد نبس وكلام ولغة وما دامت الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة فإن مثل نصوص عبد الرحيم التدلاوي القصصية القصيرة جدا كمثل الورود الجميلة التي تصدر عن شفاه كلماتها مضيئة وهمساتها بليغة نطقها بيان.
وعندما يلاحظ القارئ لوحة الغلاف يجدها تنسجم مع العنوان المركزي على مستويات متعددة إذ تتضمن اللوحة ورودا بيضاء يحفها الاخضرار والسواد وقد تم توزيع الورود على فضاء اللوحة وفق تشكيل جمالي بحيث غطته كله وعلى كل وردة تم رسم شفاه حمراء وأطّرت ضمن مربعات ومستطيلات مما يدل على فرضية الشكل التركيبي للتشكيل الفني في بعده الجمالي على مستويات متعددة.
تشغل نصوص المجموعة إحدى وسبعين صفحة بمعدل نص قصصي قصير لكل صفحة باستثناء الصفحة السادسة والعشرين التي تتضمن نصين قصصين. وتشغل النصوص وسط الصفحات، وقد وضع القاص لكل قُصَيْصَةٍ عنوانا وجاءت أغلب العناوين مختزلة في كلمة واحدة (عبث، زهو!، طوق، جزاء، الشطار، ميلاد، انقشاع، قسم، دورة، نطع، درويش، مهارة، مبايعة!، حكيم، قحط، استقامة، انتصار، رحيق، ضياء، اندحا..، رؤيا، صرخات، حنين، استيقاظ، تخيل، مداهمة، جدار، فراغ، دموع، محنة، خوار، انتظار، تعديلات..، عصف، رقصات، عنت، أسماء، انتظار، شبع، الضحك) وبعضها في كلمتين (الملك الضليل، المحارب الجديد، خبر عاجل، عسل الحبيب، ذات نجمة، سنابل السنابك، إصلاح اعوجاج، الحد الفاصل...، فيض محبة، رقص الوضوح، صدى تجربة، سفر سعيد، طفل الليل، ضيق صدر، أسلحة صديقة، سقوط الريش، قرارات مبعثرة..، داء الدواء، عودة المكبوث، اختيار مر، عنف الأمكنة، لقطة كبرى، تقشير العالم) وقليلها مختزل في ثلاث كلمات (البحث عن الجودي، شيء من حتى، البؤرة والهامش، قارورة أوحنين، النص وبه تعديل، البدوي والناطحة) مما يدل على أن صفة الاختزال سمة مركزية في العناوين أيضا تعمد التأشير والإيحاء والترميز أكثر مما تعتمد المباشرة والتحديد .
* ـ اختزال الحدث:
يتقلص فضاء الكتابة باختزال اللغة في القصص القصيرة جدا ويتقلص معه شكل القصة وحجمها، فإذا كان حضور الفضاء ضروريا ما دامت القصة القصيرة جدا هي حدث قام به شخص وقع في زمان ومكان ما فإن حضور كل هذه العناصر الفنية في القصة القصيرة جدا ليس ضروريا فقد يغيب بعضها أوجلها، وهذا أمر ملزم للكاتب وإلا لما وسمت بصفة قصيرة جدا، ويتطلب هذا من القارئ ملء الفراغات وتحديد العناصر غير المحددة، فاللاتحديد خاصية من خصائص النصوص الأدبية والفنية عموما، وهي تحضر بقوة في القصة القصيرة جدا عندما تغيب بعض العناصر عن قصد وسبق إصرار فني.
تعتمد القصة القصيرة جدا على تكثيف الحيز اللغوي الذي ينسجم مع اختزال العناصر الفنية الأخرى المشكلة للنص القصصي فينعكس الزمن على شكل ومضة خاطفة، وعندما تستغرق الأحداث زمنا طويلا يتم اختزاله وتقليصه بالحذف والأمثلة على ذلك كثيرة بالمجموعة.
كما يتم الاختزال بطرق فنية أخرى كأن يتم بدء النص بوقوع الحدث بشكل مفاجئ ودون مقدمات أو جمل تمهيدية وهو ما نجده في كثير من القصص القصيرة جدا عند القاص عبد الرحيم التدلاوي الذي يعمد إلى تصوير الومضة الدلالية على عجل تصويرا لغويا خاطفا وسريعا ومن أمثلة ذلك "من أنت" (ركبت صهوة اللغة.. أمسكت بأعنة الاستعارة.. ورمت الاكتشاف.. آه! كم هي صعبة الرحلة.. إلي..) ص10.
وقلما نجد نصوصا قصصية في مجموعة "شفاه الورد" تمهد للومضة الدلالية كما هو الأمر في قُصَيْصَة "دورة" ( ذات صباح ربيعي رائق.. خرجت بصحبة كلبي للاستمتاع ببحيرة. تحف بها حدائق ذات ورود. نظر إلي كلبي مستغربا وقد قرع سمخه لهاثي المتزايد.. أطرافي تقلصت، تدلى لساني، واحمرت عيناي... لما أقعيت منتفض الجسد.. نظر حوله باحثا.. ثم أطلق سراحي..!) ص20، حيث يمكن اعتبار الأسطر الأولى تمهيدية يمكن الاستغناء عنها لتكثيف النص أكثر .
وكغيرها من القصص القصيرة جدا تنبني القصة عند عبد الرحيم التدلاوي على المفارقة التي تؤطر اختزالها الدلالي من حيث طريقة بناء النص الذي ينحو منحى الشكل العمودي بدل البناء التعاقبي الذي يعمد القاص إلى تكسيره ويلمس القارئ هذا الملمح في طريقة توزيع السواد على البياض كما يعكس هذا الشكل المميز للنصوص جوهرها الدلالي الذي يجعل الحكي مكثفا جدا إذ يراكم القاص جملا بعضها فوق بعض ويترك فراغات كثيرة دالة على الاختزال.
* ـ اختزال الزمن:
تعتمد القصة القصيرة جدا في مجموعة "شفاه الورد"على التكثيف الزمني ويتساوق هذا التكثيف وينسجم مع تكثيف العناصر الأخرى المشكلة للقصة فتعكس الزمن على شكل ومضة خاطفة وحتى عندما تستغرق الأحداث زمنا ممتدا يتم تقليصه وتكثيفه بالحذف والاختصار والصمت، مثال ذلك قصيصة "الملك الضليل" التي يختزل القاص زمنها ومساحتها بتقنيات فنية دقيقة، يقول: سيدي..يا سيدي..قضموا أطرافا من مملكتك.. داهموا أهم مدنك.. يحاصرون عاصمتك.. دخلوا فاتحين سيدي.. تأمل السلطان جواريه الحسان وقال: سنـ.. سنغادرها.. ونغلق عليهم الأبواب.. ص9.
وما يوجز الزمن ويكثفه وقوع الأحداث في نصوص عبد الرحيم التدلاوي بشكل مفاجئ ومباغث وكثيرا ما يجد القارئ كلمة (فجأة) أو ما يفيدها والتي تدل على المباغثة وعدم توقع الحدث واندهاش القارئ مما يقع؛ "فجأة تساقطت أمطار طوفانية، وعم السكون.." (البحث عن الجودي) ص6، وقد تستعمل بمرادفات مشابهة مثل (لحظة) "للحظة عم المكان ظلام رهيب.." (انقشاع) ص16، وقد تحذف وتفهم من سياق السرد ومن التطور السريع في وقوع الأحداث وصيرورتها "نظر إلى الواقع من كل الزوايا.. رآه معوجا.. بعد تفكير سريع.. قرر تقويم نفسه.." (إصلاح اعوجاج) ص26. ولنا أن نلاحظ كيف تحولت الشخصية المعنية بالحكي في هذه القصة من حالة التأمل في اعوجاج الواقع إلى التأمل في النفس باعتبارها مصدر الاعوجاج والحال أنها في حاجة إلى تقويم.مصداقا لقول الله عز وجل "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" القرآن الكريم: سورة الذاريات الآية:21.
يحس القارئ عند قراءته لقصص عبد الرحيم التدلاوي القصيرة جدا أنها تختزل ثلاث لحظات زمنية سريعة وخاطفة وهي البداية التي غالبا ما تسعى إلى إقحام بل توريط القارئ في وضع إشكالي أولي وكأنها بذلك تضع القارئ على استعداد لاستقبال ما سيأتي. أما اللحظة الزمنية الثانية الخاطفة فتبرز في خلق المفاجأة التي تنشأ عن انعطاف مباغث في الحدث فيتشاكل الحدث، وتأتي اللحظة الزمنية الثالثة حيث تختم القصة بعبارة دالة على استنتاج فكري أو فلسفي فتأتي هذه اللحظات مندمجة عبر حيز قصير جدا.
تأتي المتواليات قصيرة وسريعة ويستغني القاص عن الروابط في كثير من الأحيان وقلما يستعمل أحرف العطف التي تستغرق الزمن ولو واو العطف التي تفيد مطلق الجمع ليتقلص حجم النص وليختزل الزمن في ومضة خاطفة وتقل حروف العطف فلا يستعملها القاص إلا لماما. يقول في نص تحت عنوان "انتصار" (حين يستبد بها الأرق.. ترتشف من كأس الذكريات.. بعضا من نسماته..لحظتها تتلون سماؤها بالفراشات..) يلاحظ القارئ خلو النص من حروف العطف وانتهاء كل متوالية بنقط الحذف التي تفصل وتربط بين أربع متواليات المشكلة للقصيصة وكلها مؤشرات تدل على الاختزال.
* ـ اختزال الرؤيا:
يقول عبد الرحيم التدلاوي في قصة (سفر سعيد) ص47"سرت في الظل حتى سكنني..اتخذت بحكمة لغة الصمت.." ويقول في قصة (عنت)ص66 "أصبت بعنت وانا أراود الكتابة..تصلب قلمي وما انبسطت الصفحة.." ها هنا تعبير صريح من طرف القاص عن عسر الكتابة وعسر ولادة القصة لخصوصية اللحظة التي ينبثق فيها الخيال ويتدفق فيها الإبداع فتنفتح قريحة الكاتب وفي غياب هذه اللحظة وفي انتظار حضورها الذي قد يأتي أو لا يأتي يعيش الكاتب مخاضا عسيرا.
ينظر القاص عبد الرحيم التدلاوي إلى الأشياء نظرة متفحصة ليكشف للقارئ عن أسرارها الخفية وعوالمها المتوارية خلف ستار اللغة الحمالة لأوجه شتى من المعاني فيعمد القاص إلى تقنيات أسلوبية وبلاغية من أهمها التورية وهي تقنية يعتمدها القاص كثيرا بل خصها بقصة قصيرة جدا تحت عنوان "تعديلات"حين يقول : (مستقيما كان يسمي الأشياء بأسمائها.. رأوا في قوله خشونة بدوية.. أخضعوه لدورات تكوين في البلاغة العربية.. فنانا صارا في الثورية)
هكذا يعمد القاص إلى تضمين الألفاظ والأسماء والأشياء معاني أخرى غير تلك التي تدل عليها دلالة مباشرة بل إنه يجعل دلالاتها بعيدة جدا إلى درجة النقيض والضد والأمثلة على ذلك كثيرة تمنح النص القصصي نكهة خاصة. يقول في قصيصة من متواليتين متوازيتين : هربت من أحضان الفشل.. سقطت في أكفان النجاح..ص4. ولنا أن نلاحظ المفارقة الدلالية التي تصورها القصة والتي تنشأ عن تضاد عناصر المتوالية الأولى ارتباطا بالجملة الثانية كالعلاقة المفارقة القائمة بين هربت/سقطت وأحضان/أكناف والفشل/النجاح.
وتتخلل المجموعة القصصية نماذج كثيرة من هذا القبيل: كان لزاما علي أن أنظر عاليا إلى تحت لأراه..ص6. وأمطر عليهم قصائد حارقة.. حارقة..ص14. ظل ساكنا يراقب ميلاد الفجر..تثاءب فقط، ثم نام.ص15.
تكمن الرؤيا الفنية خلف هذا التناقض الذي يحجب الحقائق التي تربض خلف الأشياء البسيطة جدا وتفاهة الأشياء التي تبدو كبيرة جدا والتي لا تعكس حقيقتها، والحياة مليئة بهذه الحقائق.
كما يوظف عبد الرحيم التدلاوي الحوار الضمني والمباشر في جل قصص المجموعة ويديره بتقنية دقيقة تروم خدمة المحكي مثال الحوار المباشر في قصيصة "اللقطة الكبرى" حيث تنبني على حوار بين الشيخ والطفل تتخلله متواليات سردية موجزة تؤثث اللقطة، ولعل العنوان في هذه القصيصة يعكس شكل النص، الذي على الرغم من اعتماده الحوار، يقدم (لقطة)، كما ينص على ذلك العنوان، إلا أن الكاتب أتبعها بصفة (كبيرة) مما يوحي بأن القصة القصيرة جدا قد تنمو وتكبر بين يدي القاص عبد الرحيم التدلاوي لتصبح قصة قصيرة، كما أن عنوان هذه القصة يحيلنا على طبيعة النص القصصي القصير جدا الذي يغدو لقطة مصغرة ومختزلة شبيها باللقطة المصغرة، وهو الشكل الفني الذي يتحكم في تصور الكاتب لقصيصات المجموعة.
يعالج القاص عبد الرحيم التدلاوي في عالمه المحكي وفي مجموعته المقروءة تحديدا عدة مواضيع تختلف باختلاف النصوص نفسها ويرسخ جملة قيم ومعاني إنسانية نبيلة كالحب والصبر واليقين والسكون والحلم والصلاح والتقويم والتغيير.. وينبذ بالمقابل قيما سلبية مشينة كالغدر والاستهتار والخيبة والانتقام والخوف والفساد والشعوذة والتهكم.. وفي هذا تأكيد على أن القصة القصيرة جدا رغم اختزالها تحمل فكرة بل رسالة إلى القارئ الذكي الذي بالإشارة يفهم المقصود.
هكذا تغدو القصة القصيرة جدا عند القاص عبد الرحيم التدلاوي لقطة مصغرة وجنسا أدبيا سريع النشأة يظهر ويتبلور مع طوارئ الواقع وأحداثه العامة والخاصة ومفارقاته الخفية والمكشوفة التي تتصيدها مخيلة القاص وتخرجها في قالب فني مثير للدهشة، سريع الحكي طارئ ومفاجئ، قصير وموجز، مختصر ومكثف، هجين ومفارق، درامي وساخر، إيحائي وصريح، مختزل تتخلله مواقع اللاتحدد بقوة، يعتمد الصورة والرمز والأسطورة وينفتح على كل الأجناس الأدبية والفنية.
القصة القصيرة جدا عند التدلاوي لقطة تصويرية بليغة لأنها توظف لغة تنأى عن التقرير والتصريح والإعلان لتعتمد التلميح والانزياح على مستويات متعددة. يقول في (نتصار) "حين يستبد بها الأرق.. ترتشف من كأس الذكريات..بعضا من نسماته..لحظتها تتلون سماؤها بالفراشات.."ص31، وللقارئ أن يلاحظ نوع الكلمات المعتمدة في تصوير هذه اللقطة والعلاقة الجامعة بينها ليجد أنها منتقاة بعناية فائقة لتؤدي هدفها المقصود وهو ما ينم عن احترافية ودربة ودراية.
يلجم القاص عبد الرحيم التدلاوي جموح السارد ويريده أن يقول ما يريد قوله وما هو مطلوب منه على الفور وعلى وجه السرعة في التو والحين بأقل تكلفة لغوية وبأدق الكلمات وصفا وتصويرا وبيانا وهو رهان صعب يتطلب من الكاتب استيعابا جيدا ومسبقا للفكرة التي تستحضرها القصة والتفكير التوقعي القبلي حول الطلقة التي إما أن تصيب أو لا تصيب الهدف فإن لم تصب هدفها في اللحظة وأخطأته كان مآلها الاهمال والفشل إذ لا تملك فرصة أخرى ولا عتادا زائدا ولا مقومات إضافية أخرى تمكنها من الاستمرارية لاستكمال هدفها الذي أخطأته فلا قدرة لها على استجماع قواها لتحيى من جديد إلا إذا قدر لها أن تنبعث في شكل قصة أخرى لها نفس الهدف.
الدكتور مصطفى الشاوي
بقلم: رشيد أمديون
تتسم النصوص بخفة سردها، فهي كالومض الخاطف، وبعباراتها الرشيقة ذات مدلول شعري، وبجملها الموجزة التي تختزل العالم في زمن يعادل رمشة عين، وتحيط ذهن المتلقي بنسيج من الخيال، وباستفزاز قوي، يغري ويقلق القارئ، وينشد إليها ليؤسس أسئلة تحرك إنفعالاته فيطارد المعنى المخاتل الذي يلعب في مساحة كل نص، وبين تضاريسه اللغوية، لعبة الاختفاء والتجلي.
نصوص تجعل من قصرها منصة للانتباه واليقظة، معتمدة على وعي القارئ ومعارفه السابقة؛ فهو يستدعي فارس بني عبس، وامرؤ القيس، وحكاية ذات الحذاء الأحمر، والخضر وفتاه... وأيضا يستحضر "مصحة الدمى" المجموعة القصصية لأنيس الرافعي.. إنه استحضار واستدعاء يتوسل به القاص إلى توظيف مفاتيح الدلالة التي تعطي فسحة خاصة للقارئ قصد التأويل وبناء المعنى.
نصوص تستعين بتقنيات عدة كالسخرية، الحلم، والميتا سرد، والتناص (خاصة التناص مع القرآن)، وغيرها.. كما نجد أن القاص منشغل بالقصة من حيث يكتب القصة القصيرة جدا، إذ كتب في نص "بلاغة الكلام" : " أقفلت فمك عملا بشاعرية الصمت، ورحت تنتظر انفتاح مغارة الذهب... اجتاحتك أمواج الدم، فلم يصبر لسانك فصرخ... وجدت نفسك بداخلها تعاني سردية الكلام" ص71. ونفس الشيء نجده في نص "سارد" : "أطل فرحا على مخلوقاته العجيبة، وجدها تتخاصم فيما بينها أيها أقرب مودة ورحمة، سرعان ما صار الخصام صراعا داميا... سلط عليهم ممحاة غضبه... " ص41. فهذا التخييل الذي يجسد علاقة الكاتب بكائناته السردية هو ذلك الهم الذي يحمله كل قاص أو روائي.
"المشهد الأخير" تعد واحدة من الإصدارات الكثيرة للقاص الصديق عبد الرحيم التلاوي الذي مازال يتحفنا بالعديد منها في القص الوجيز.
بقلم: رشيد أمديون
"الطيور لا تنظر خلفها حين تحلق". هذا هو العنوان البديع الذي اختاره الصديق المبدع عبد الرحيم التدلاوي لمجموعته القصصية من صنف القص الوجيز، يربط في المجموعة بين 59 نصا.. قصص من سيماتها الإيماض والايجاز والاختزال والتكثيف والادهاش والتلغيز والمفارقة...
نصوص قد تتنوع تيماتها لكنها تلتقي في مضمار واحد وهو أن جل الموضوعات لا تنفصل عن حياة الإنسان ومحيطه الاجتماعي والسياسي مما يجعلها تعرب عن رؤية القاص النقدية التي يعالجها حينا معالجة ساخرة وحينا بتجلية الموقف أو توريط القارئ في عملية تشكيل المعنى بناء على التداعيات التي تحدثها القراءة، رغم أن أغلب نصوص التدلاوي مربكة، فنادرا ما تشعر القارئ بالألفة فهو دائم الاغتراب في عوالمها، وهي لعبة مهمة في البحث عن المعنى..
وهكذا يجعل النصوص تحلق في هذا المسار كسرب طيور -لا أقول مهاجر- بل منطلق لبغية لا يخطئها، وهي القارئ.. فهي طيور لا تنظر خلفها حين تحلق وترتفع إلى أعلى مع بسط أجنحتها دون تحريكهما، وهذا ما تشترك فيه النصوص مع الطيور، أنها ترتفع، لترصد العالم، بجناحين مجازيين تضمن بهما التوازن... لكن ألا يمكننا أن نقول إن التحليق هو تشكيل حلقة أو دارة في الهواء كالتي نرى الطيور تشكلها... ومنها حلّق القمر أي «صار حوله دارة كالحلقة»، فحلَّق تعني «ارتفع واستدار» أي حام من دون الحاجة إلى النظر إلى الخلف، لأن العين على القصد. هذا التحويم هو عنصر أساس لكونه يكون حول الموضوعات التي تعالجها القصة عموما.. فهذه الاستعارة أراها أنسب للنصوص القصصية الوجيزة.
¬ رشيد أمديون
الحلم الخيال ولغة الجسد
مرتكزات السرد والحكي
في مجموعة "قلت لي"
يكون المسعى نحو قراءة النص القصصي قراءة واعية حين يكون الكاتب مؤثثا لغته وحريصا على بنائها وتنميقها وجعلها سهلة التناول، وفي الآن نفسه لا تتخلى عن عنادِها وامتناعها وصعوبة استسلامها بسبب ما يميزها من عمق دلالي مؤثر على القارئ - كمتلقي- تأثيرا ينتج منه استجلاب الفكرة وتقريرها، متناولا (أي الكاتب) قالب القص باختزال وتكثيف حتى يحتّم على القارئ عملية الاستفزاز لطرح التساؤلات ووضع علامات التعجب أثناء فعل القراءة بناء على ما يصادفه من عناصر الدهشة المرتكزة في النص بتعمد ومع سبق الإصرار. تلك الدهشة التي تتغذى من عوالم التخيُّل والتي هي بمنزلة منصة مهمة لتشكيل ملامح الفكرة وتوريط القارئ في عملية التفسير والتأويل وتبرير العجائبي والغرائبي كي يوافق المألوف وينسجم مع الواقعي دون نشوز ولا تنافر. هكذا بنفس المسعى يمكن قراءة مجموعة "قلت لي.." للقاص عبد الرحيم التدلاوي.
تضم المجموعة 22 قصة قصيرة، تتنوع مواضيعها التي تمتاحها من الواقع وتختلف باختلاف ما يُشغل تفكير الإنسان في الحياة، وما يقلقه من متغيرات طارئة على المجتمع وعلى الناس: كفعل الوصاية الفكرية والثقافية مثل ما جاء في قصة "طارق"، وقضية الإرهاب مثل قصة "انحسار"، أو رصد متغيرات المجتمع والحياة الحديثة وما لها من أثر سلبي على الإنسان ونفسيته، ومع محاولة استحضار أمجاد قديمة في ظروف هذا الواقع المنهزم المنبطح، مثل ما تناولته قصة "طيات" التي لعبت على العنصر المكاني وهو مدينة مكناس/ ساحة الهديم / حلقة الحكواتي فكانت هذه الأماكن منصة مجازية لتأسيس فكرة النص العامة، والتي -نسبيا- تؤطر قناعة المغربي - ضمن القصة- بأن الماضي خير من ورطة الحاضر. ثم بعملية مزج بين ما هو واقعي وما هو خيالي جاء النص كأنه يعرض جزءا من تاريخ المدينة وحاضرها بشكل موجز وسريع مع تحديد المفارقات..، وفي شكل إشارة خاطفة ومتخيلة استطاع الكاتب أن يجعل شخصية النص تستحضر السلطان إسماعيل ليورطه في حوار افتراضي، به يربط ما بين الماضي والحاضر، ربطا يُسفر عن أنه ليس كل ما يُروى عن شخصيات الماضي قد يكون صحيحا وأنه ليس من المنطق محاكمة أفعالهم بمنطق العصر وبناء حكم على أُسُس عصرية، ثم إن هذه الشخصية التاريخية أو غيرها لها أيضا ما تنتقد به الواقع المعاصر لو افترضنا حضورها الآني: " إن عظامنا لتتقلب في التراب ألما على ما أنتم عليه"، بيد أن بطل القصة أو السارد لم يتخلص من انهزاميته إذ في النهاية يفضل النوم والأحلام على أن يواجه حاضره بنوع من الشجاعة، اختار النوم في انتظار معجزة ما تغير الواقع وتنشئ الناس نشئا آخر.
ولنفس الفكرة نجد بين سطور قصة "رمية سحر" ما يوافقها ولو كان على شكل سخرية من واقع مر »فضح الراهن المتشرذم (...) فضح الفرقة والاختلاف وإدانتهما بالقياس إلى ما كان يجب أن يكون، أي بالقياس إلى حقبة زاهرة وضعت الأشياء في نصابها «( ) واقع يستدعي الحسرة مادامت الحقيقة لا تستجيب أو لنقل لا تجد من يستجيب لها حالا فتستحيل (على سبيل السخرية كما في القصة) إلى حلم مرعب لا يتوافق مع الواقع الحاضر ولا ينسجم معه، وهذا مادام »لا يقوى النوع البشري كثيراً على تحمل الواقع« كما قال توماس إليوت فيلجأ إلى الأحلام. نقرأ:
" استيقظت بهمة ونشاط غير عاديين، نفضت عني حلما مرعبا، رأيت فيه العرب قد اجتمعوا على كلمة واحدة بجيش قوي استعاد لحن الفتوحات".
ومن نفس القصة نستطيع أن نستشف قدرة القاص على تشكيل الرمز كلبنة أساسية للفكرة من دون إبرازها ولا تحديد ملامحها بالمباشر بل هي ضمن النص كله باسطة ذراعيها تدعو القارئ أن ينالها بقدر من النباهة، فلو نظرنا إلى شخصية النص الساردة قد نكتشف أن الكاتب اتخذها رمزا للواقع الذي غالبا ما يتحدث الجميع عنه ما بين من ينتقد ومن يدافع، ومع ذلك لا أحد يعي هذا الواقع وعيا دقيقا أو يلم بكل الحلول لمشاكله، نقرأ هذه القرينة:
" توجهت إلى رفاقي، كانوا متحلقين حول طاولتهم المعتادة منكبين على الحدث، يقرؤونه من زوايا مختلفة، كما تعودوا أن يفعلوا كلما داهم زلزال واقعنا الراكد...
ما أثار استغرابي أني سمعتهم يتحدثون عني، بعضهم ينتقدني بشدة، وبعضهم كان إلى جانبي يدافع عني ويبعد كم الاتهامات غير الصادقة في حقي.(...) ولا أحد أعارني لفتة انتباه انصرفت خائبا "
كيف يتم معالجة واقع لا يُدرك إدراكا تاما، بل يتم تجاهله وتجاهل مشاكله وتنعدم رؤيته بفعل الاعتياد على نمط لا يتبدل. أفبهذا يحتاج هذا الواقع "رمية سحر" أو معجزة الزمن الأخير، أم أن وَهْم الحل يبقى حبيس سلطة الحلم فقط؟.
رغم أن هذه النصوص تمارس نقدًا وتتناول موضوعات ذات نزعة إنسانية واجتماعية إلا أنها لا تقدم حلولا، إذ وظيفة القصة القصيرة هي رصد الحالة وتوظيف الصورة بتقنية حتى يتولّد السؤال الذي هو مبدأ الإشكالية أو تتناسل الأسئلة في ذهن القارئ الذي هو الطرف الثاني في بناء النص... وحتى لو اتفقنا مع تشيخوف أن القصة كذبة يتفق الكاتب والقارئ عليها ضمنيا فإننا نؤمن - على المستوى الأول- أن كذبها صادق إذ إنها تطرح إشكاليات المجتمع وتنتقدها.. فالحدث متخيَّل وهو ما نسميه كذبة متفق عليها، ولكن المضمون صادق والفكرة صحيحة وحقيقية.
وفي نص "تحليق" يتناول قصة مدرس يتوسل بخياله لتصوير وهم عميق يفصله عن الواقع والمكان الذي هو حجرة درس تشبه زنزانة، فيختلط لديه الحلم باليقظة وبالوهم فيحلق به بعيدا في الوقت الذي ينشغل التلاميذ بملء أوراق امتحانهم.
وقد اعتمد الكاتب في هذه القصص خاصية مزج السرد بين الخيال والحقيقة، وتداخل هذا في ذاك، فشخصيات هذه القصص تبني حقيقتها على الخيال باعتباره فسحة أوسع قادرة على احتواء وتشكيل ملامح الحقيقة أو بتعبير رالف والدو: »يكشف الخيال ما تخفيه الحقيقة «.
كما أن حضور المرأة يلفت انتباه القارئ، فالمرأة كأنثى تستأثر بلب الرجل وتشكل تفاصيل تناقضاته فهي مرآة عاطفته، وهي حلمه كما في قصة "نظرات"، أو في "أنا وهي والغروب". أما في قصة "بلوغ" و"هيت لك" فيُبرز الكاتب ضعف عاطفة الرجل أمام إصرار الأنثى، وفي قصة "شريط" و"انحسار" : حاجة الرجل إلى المرأة كحاجته إلى الحياة. أما قصة "في عشق النساء" فتصور عشقا صوفيا مجردًا من كل القواعد والضوابط، تفنى أمامه الماديات، وبهذا العشق النسائي كان هلاك بطل القصة في نهاية تمزج بين روح السخرية والأسلوب الشاعري...
وبهذا فإن محكيات عبد الرحيم التدلاوي في "قلت لي" تتخذ الحلم والخيال مرتكزا لبناء النص والجسد سارية »لحكي مثير يحول ظاهر الأشياء إلى معاني ودلالات مفتوحة على تأويل متعدد يحمل في طياته بشاعة الفقد والتلاشي والفناء« ( ).
كما لم يركز الكاتب على تحديد أسماء شخوصه، ولا القارئ أيضا قد يُعير لذلك اهتماما لسبب أعتقدُ أنه أساسي وهو أن شخصية كل نص لا تختزل ذاتها ووجودها في اسم تحمله بل في نمط تفكيرها وطرق تصرفها وعمق الفعل الذي تأتيه سواء اقتادها العقل، أو اقتادتها العاطفة، أو الشهوة بإغراءات الجسد، أو دوافع الحلم الملحة. فهذه الأربع هي على شكل تركيبة إنسانية حقيقية، منها تتشكل شخصية الإنسان وتناقضاته مع نفسه ومع مجتمعه ومفارقاته الكثيرة في الحياة، ومنها أسس الكاتب ملامح شخصياته في هذه المجموعة طبقا لطبيعة الإنسان على أرض الواقع فالقاص لم يتكلف في صناعة أو رسم ملامح الشخصية المثالية المزيفة أو التي تدعي التحليق في سماء المثالية، ولعل النص الأول "قلت لي" الذي افتتح به الكاتب المجموعة يشير ضمنيا إلى هذا الطرح:
" أول مرة أراني مباشرة، ومن دون رتوشات، أقصد من دون أن تتدخل ريشة التعديلات المحققة للزيف (..) وتركتني عاريا أوجهني بمقت".
إن هذه المجموعة تنتقد طبيعة الإنسان دون أية رتوش، فهي تنتقد علاقة الرجل بالمرأة كنصف المجتمع، والمرأة كأنثى وعاطفة وجسد، وعلاقة الإنسان العربي بحاضره ومستقبله، علاقة الإنسان بنفسه أولا وبمجتمعه ثانيا، وعلاقته بالسياسة والانتخابات مثل ما حدث في قصة "شقاوة" تارة بشيء من السخرية وتارة بجدية وحزم، ومع أن هذا النقد لا يبرز بشكل واضح غير أنه يسيطر على نصوص المجموعة كلما توغلنا في الولوج إلى عوالم المبدع عبد الرحيم التدلاوي. كما أن الكاتب يلجأ إلى التناص ليضفي على إبداعه بعدا جماليا مبني على قدرة في التوظيف، وتقنية فنية تُخرج النص القصصي عن النمطية والتقليد، أو تكرار نفس البناء السردي.
وبعد، هذا ما ألهمتُه أثناء قراءتي للمجموعة، ولكل قارئ قراءته.
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details.
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.
Intellectual property is reserved for the authors mentioned on the books and the library is not responsible for the ideas of the authors
Old and forgotten books that have become past to preserve Arab and Islamic heritage are published,
and books that their authors are accepted to published.
The Universal Declaration of Human Rights states: "Everyone has the right freely to participate in the cultural life of the community, to enjoy the arts and to share in scientific advancement and its benefits.Everyone has the right to the protection of the moral and material interests resulting from any scientific, literary or artistic production of which he is the author".