العربية  

Book تراتيل الصمت والغياب

Copyright reserved

The book cannot be previewed or downloaded in order to preserve the copyright of the author and publishing house
Not available digitally or on paper through the Noor Library, it is for rating and review

Copyright reserved
تراتيل الصمت والغياب
Qr Code تراتيل الصمت والغياب

تراتيل الصمت والغياب

Author:
Category: Free Expression [Edit]
Language: Arabic
Rank: 838,713 No 1 most popular
Short link: Copy
More books like this book
Reviews ( 0 )
Quotes ( 0 )
Download is not available

كاتب

The Publisher and the author Book تراتيل الصمت والغياب .
في قواميس اللغة، قيس هو الشدة وهو التقدير، لكنه في قواميس القلوب هو الاحتراق الجميل. إنَّ لاسم قيسٍ هيبةً تستمدُّ نورها من فيافي نجد، ومن صرخات التي لا تزال تتردد في أروقة الأدب العربي.

Book Description

لم يكن الصمتُ مجرد غيابٍ للكلمات، بل كان كائناً حياً يشاركه غرفته، يتنفسُ معه، ويجلسُ على طرف سريره كلما حاول النعاس أن يسرق عينه من سهر طويل. في تلك الليلة، كانت السماء ملبدة بغيومٍ لا تمطر، تشبه تماماً حالته؛ غصة محبوسة في الحلق لا تجد سبيلاً للبكاء، وحكاية بُترت أطرافها دون سابق إنذار. أحبها بقلبٍ لم يعرف مواربة الأبواب، صبّ في روحها كل ما يملك من شغف، حتى صار يرى العالم بعينيها، ويسمع الموسيقى بنبضها. كانت هي المركز الذي تدور حوله مجرات أيامه، والوجهة التي يقصدها كلما تاهت به السبل.
​لكنَّ ذلك القرب الدافئ استحال فجأة إلى صقيعٍ قاصٍ، ابتعدا. هكذا ببساطة موجعة، كما ينقطع وترٌ مشدود في ذروة المعزوفة. لم يكن هناك صراخ، ولا عتابٌ يبرر هذا التمزق، بل كان غياباً يشبه انسحاب الروح من الجسد في لحظة ذهول. لم يقل لها وداعاً، ولم تقل له "ابقَ، بل تركا المسافة تتمدد بينهما كصحراء لا تنتهي، دون أن يجرؤ أحدهما على سؤال الآخر: "لماذا هدمنا كل هذا؟.
​مشى في الشوارع التي شهدت ضحكاتهما، لكنها اليوم بدت غريبة، كأن الأرصفة تنكرت له، والأشجار التي استظلا بها خجلت من ذبوله. كان يحمل في صدره جرحاً عميقاً لا ينزف دماً، بل ينزف ذكريات. كل ركنٍ في المدينة كان يهمس باسمها، وكل نسمة هواء باردة كانت تعيد إليه رائحة عطرها التي استوطنت ثيابه يوماً. كان يعلم أن الحب الذي يسكن الأعماق لا يرحل برحيل الأشخاص، بل يتحول إلى "ندبة" دائمة، تذكره كلما لمسها بأن شيئاً عظيماً قد ضاع منه في زحام الحياة.
​لم تكن القصة تدور حول البحث عن الأسباب، فقد أدرك مبكراً أن الأسباب لا تداوي الجروح، بل تزيدها تعقيداً. ما كان يشغله هو كيف يلملم شتات نفسه وسط هذا الدمار الصامت؟ كيف يواجه الصباح وهو يعلم أن هاتفه لن يهتز برسالة منها، وأن مساءه سيظل خالياً من صوتها الذي كان يرمم تصدعات يومه؟ صار يقتات على الصمت، يلوذ به من أسئلة المارة، ومن نظرات الشفقة في عيون الأصدقاء. جعل من وحدته صومعة، يمارس فيها طقوس الحنين بعيداً عن ضجيج العالم، مؤمناً بأن الوجع الصادق لا يحتاج إلى جمهور، بل يحتاج إلى قلبٍ صبور، وجرحٍ يعرف تماماً متى يئن ومتى يهدأ.

في ذلك الركن المنسي من ساحة الجامعة، حيث تتشابك أغصان الشجر لترسم ظلالاً متراقصة على الأرض، كان هناك المقعد الخشبي الذي شهد ولادة حكايتهما. لم يكن مجرد قطعة من الخشب والحديد، بل كان مِحور الكون في نظرهما، النقطة التي تلتقي فيها أحلامهما الصغيرة قبل أن تتبعثر في مهب الريح.
​اليوم، يقف بعيداً يرقب ذلك المقعد وكأنه يرقب ضريحاً لفقيد. يراه خالياً، إلا من بقايا أوراق خريفية سقطت عليه لتمسح غبار الذكريات. تذكر كيف كانت تجلس هناك، ممسكةً بكتبها، وعيناها تلمعان ببريقٍ يختصر كل معاني الأمان. كان يأتيهما ضجيج الطلبة وضحكاتهم كخلفية موسيقية باهتة، بينما كان صوتهما هو الحقيقة الوحيدة في ذلك الفضاء المزدحم. هناك، تبادلا وعوداً لم يكتب لها البقاء، وخططا لمستقبلٍ ظنا أنه طوع بنانهما، ولم يدركا أن الأقدار كانت تخبئ لهما رحيلاً صامتاً، يقطعهما عن بعضهما كما يُقطع الغصن عن شجرته الأم.
​دنا من المقعد بخطواتٍ مثقلة، كأنما يخشى أن يوقظ شبح الماضي. جلس في مكانه المعتاد، وترك الفراغ بجانبه يذكره بحجم الخسارة. لم تكن بجانبه لتقاسمه تفاصيل المحاضرة المملة، أو لتضحك على تعليقاته العابرة. كان البرد الذي يكتسح المكان لا يأتي من الجو، بل ينبع من داخله، من ذلك الجرح العميق الذي لا يندمل. أحس بأن المقعد ذاته يشعر بالغربة، فكم من مرةٍ احتضن أيديهما المتشابكة، وكم من سرٍ أُودع في مسامه الخشبية؟
​نظر إلى المارة؛ شبابٌ يضحكون، وآخرون يهرعون لدروسهم، فتساءل في سره: كم من هؤلاء يحمل في صدره غابة من الوجع؟ وكم منهم يبتسم ليخفي خلف ابتسامته حطام حكاية تشبه حكايته؟ الصمت هنا كان له طعم المرار، والجامعة التي كانت يوماً مسرحاً للبهجة، صارت الآن مجرد جدرانٍ باردة ووجوهٍ غريبة لا تعرف عن غيابها شيئاً. لقد تركا خلفهما في هذا المكان جزءاً من روحيهما، جزءاً لا يمكن استعادته مهما طال الزمن، وبقي المقعد شاهداً وحيداً على حبٍ وُلد بلهفة، وانتهى بصمتٍ قاصٍ وموجع.
نهض عن ذلك المقعد وكأنه ينسلُّ من جِلدِ ذكرياته، كانت الحركةُ ثقيلةً كأنَّ الهواءَ حوله استحال رصاصاً. قرر في تلك اللحظة أنَّ الحضور في أماكن الذاكرة ليس إلا نوعاً من الانتحار البطيء. بدأ يغير مساراته المعتادة؛ صار يتجنب الممر الطويل المؤدي إلى المكتبة، ذلك الممر الذي كانت خطواتهما فيه تتناغم كإيقاعٍ واحد. أصبح يختار الطرق الجانبية الموحشة، يمشى محاذياً للجدران الباردة، فاراً من الوجوه التي قد تسأله عنها بعيونها قبل ألسنتها.
​كان هذا الهروب يجسد فلسفة "الفراق الصامت"؛ الفراق الذي لا يمنحك ترف الشرح. عندما يبتعد شخصان دون "سبب" معلن، يصبح العالم كله عبارة عن علامة استفهام ضخمة ومؤلمة. لم يكن هناك خيانة ليغضب، ولا كذبة ليحقد، بل كان هناك غيابٌ قاصٍ فحسب، فجوة اتسعت فجأة حتى ابتلعت كل شيء. وهذا النوع من الوجع لا يزول بالنسيان، بل يتكلس داخل الروح ليصبح جزءاً من تكوينها.
​صار يراقب الأشياء من بعيد، كأنه غريبٌ عن حياته الخاصة. دخل قاعة المحاضرات وجلس في المقاعد الخلفية، متوارياً خلف ظهره المكسور وصمته الذي بات درعاً يحميه من تطفل الحياة. كان يرى الطلاب يتبادلون الأوراق والضحكات، فيشعر بيفاعة أحلامهم وهشاشتها؛ كان يود لو يصرخ فيهم أنَّ الأمان خدعة، وأنَّ القلوب التي تمتلئ بالحب هي الأكثر عرضةً للتهشم المباغت.
​لكنه ظل صامتاً.
​الجرح العميق الذي يسكنه لم يكن يحتاج لضجيج، كان يحتاج لليلٍ طويل يعيد فيه ترتيب شظاياه. بدأ يدرك أنَّ أقسى أنواع الرحيل ليس ذلك الذي ينتهي ببابٍ يغلق بقوة، بل هو الرحيل الذي يترك الأبواب مواربة، والأسئلة معلقة، والانتظار بلا موعد. كان يعيش في منطقة برزخية؛ لا هو استطاع المضي قدماً ليحب من جديد، ولا هو استطاع العودة ليمسك بِيَدِ مَن غابت.
​صار يكتبُ لها في خياله رسائل لا يرسلها، يحكي لها عن برودة الصباحات دون صوتها، وعن الكتب التي قرأها ولم يجد من يناقشه في سطورها. كان الصمتُ يتمدد في حياته ليغطي كل التفاصيل، حتى صار كلامه مع الناس مقتضباً، كأنه يخشى أن تتسرب ذكراها من بين كلماته إذا أطال الحديث. لقد تحول من شابٍ يضج بالحياة إلى نصٍ أدبي يمشي على قدمين، نصٍ حزين، بليغ، ومبتور الخاتمة.
ومع هبوب أولى نسايم تشرين، لم يعد الشتاء مجرد فصلٍ يقلب صفحات التقويم، بل استحال وحشاً من صقيع ينهش ما تبقى من دفء في ذاكرته. كان المطر يسقط على زجاج غرفته كنقراتٍ خفيفة تحاول تنبيهه إلى أنَّ العالم يغتسل، لكنَّ روحه كانت غارقة في غبار لا يزول.
​في تلك الليالي الطويلة، بدأ يكتشف الرعب الحقيقي للفقد؛ لم يكن الوجع في الغياب ذاته، بل في ذلك الضباب الذي بدأ يزحف ببطء ليمحو تفاصيل وجهها. كان يحاول بكل قوته أن يستحضر رسم عينيها، انحناءة حاجبيها حين تضحك، أو تلك الشامة الصغيرة التي كانت تزين معصمها، لكنَّ الصور بدت باهتة، كأنها صور قديمة تآكلت أطرافها من الرطوبة.
​كان يغمض عينيه بشدة، يعتصر جفنيه ليستعيد اللحظة، لكنَّ الذاكرة خذلته، وصار وجهها يلوح له كطيفٍ بعيد خلف زجاجٍ مغبش. صرخ في صمته: إلا ملامحكِ!، فكل شيء قد يرحل، إلا تلك التفاصيل التي كان يظن أنها نُقشت في سويداء قلبه للأبد. هذا الغياب التدريجي للملامح كان أقسى من الابتعاد نفسه، كأنه يفقدها مرتين؛ مرة حين رحلت جسداً، ومرة حين بدأت تتبخر كفكرة.
​كان يمشي تحت المطر دون مظلة، تاركاً قطرات الماء الباردة تمتزج بدموعٍ لم يجرؤ على ذرفها أمام أحد. كان يبحث عنها في رائحة الأرض المبللة، وفي ارتعاشة يديه من البرد. تذكر كيف كانت تخشى الشتاء، وكيف كان هو معطفها الذي يحميها من لسعات الريح. والآن، من يحميها؟ ومن يحميه هو من شتاء الروح الذي لا ينتهي؟
​صار الصمتُ في غرفته أثقل، والجرحُ الذي ظنَّ أنه قد يلتئم مع الوقت، تفتّق من جديد تحت وطأة الحنين. لم يعد يبالي بالدراسة ولا بالنجاح، فما قيمة الوصول إلى القمة إذا لم يكن هناك من ينتظرك بابتسامةٍ لتقاسمه الفوز؟ تحولت حياته إلى نصٍ صامت، يكتبه بدمه على جدران أيامه الخالية.
​بدأ يدرك أنَّ هذا الجرح العميق ليس مرضاً يُشفى منه، بل هو هوية جديدة. هو الآن الرجل الذي فقد وجهه الآخر، الشاب الذي يحمل في قلبه مقبرة لوعودٍ لم تكتمل. ومع كل شهقة برد، كان يشعر بأنَّ المسافة بينه وبينها لم تعد تقاس بالكيلومترات، بل بسنواتٍ ضوئية من الصمت القاسي الذي لا يكسره سوى صوت الرعد البعيد، الذي يشبه إلى حدٍ كبير تحطم أحلامه تحت أقدام القدر.
استمرت الأيام تتشابه كوجوه الغرباء في محطة قطارٍ مهجورة، وبدأ الخلل يتسلل إلى تفاصيل حياته اليومية العفوية، كأنَّ عقله الباطن يرفض التصديق، أو كأنَّ جسده قد بُرمج على حضورها لدرجة أنه نسي كيف يحيا وحيداً.
​في صباحٍ ممطر، وجد نفسه يقف أمام بائع القهوة المعتاد بجانب بوابة الجامعة. دون وعي، وبآليةٍ قتلتها العادة، طلب كوبين؛ أحدهما بمرارة سوداء كما يفضلها، والآخر بزيادةٍ من السكر والحليب، تماماً كما كانت تحبها هي. لم ينتبه لفعلته إلا حين وضع البائع الكوبين أمامه. تجمدت يداه، ونظر إلى الكوب الثاني كأنه يرى جثة حلمٍ ميت. شعر بغصةٍ تذبح حنجره؛ لمن هذا الكوب؟ ومن سيمسك به ليدفئ أصابعه الرقيقة في هذا الصبر البارد؟ اعتذر بصوتٍ مخنوق، وترك الكوب الثاني على الطاولة ومضى، تاركاً خلفه بخاراً يتصاعد من قهوةٍ لن يشربها أحد، وقلباً يغلي بأسىً لا يهدأ.
​لم يتوقف الأمر عند حدود القهوة؛ بل صار يجد نفسه ينتظر عند موقف الحافلة رقم "٩"، الحافلة التي لا تمر بجانب منزله، بل كانت تأخذها هي إلى حيّها البعيد. يقف هناك وسط الزحام، يراقب الأبواب وهي تفتح وتغلق، يبحث بين الوجوه الصاعدة عن خصلة شعرٍ مألوفة أو حقيبةٍ تشبه حقيبتها. وحين تنطلق الحافلة وتختفي خلف المنعطف، يستفيق على برودة الواقع؛ هي ليست هنا، ولن تكون.
​صار يشتري الكتب التي كانت تستهويها، يضعها على رفوف مكتبته، يقلب صفحاتها وكأنه يلمس أطراف أصابعها التي كانت ستمر فوق هذه السطور. يقرأ الفصول التي كانت تحبها، ويضع علاماتٍ عند الجمل التي كانت تقتبسها في حديثها، ليتحول بيته ببطء إلى متحفٍ للغياب.
​هذا الذبول لم يكن مفاجئاً، بل كان تسللاً هادئاً كنمو العشب بين شقوق الرصيف. شحب وجهه، وغارت عيناه كأنهما تبحثان عن ضوءٍ فُقد في نفقٍ مظلم. صار يتجنب المرآة، لأنه لم يعد يرى فيها الشاب الذي كان يضحك بملء فيه، بل يرى غريباً يحمل ندبةً غير مرئية على صدره، ندبةً اسمها الصمت.
​كان الجرح العميق يتسع مع كل سهوٍ يرتكبه، ومع كل تفصيلٍ صغير يذكره بأنَّ حياته كانت عبارة عن نحن، والآن سقطت النون وبقي وحيداً يصارع الحاء التي لم تعد تعني حباً، بل صارت تعني حيرة، وحنيناً، وحطاماً.
استحال الصمتُ في صدره إلى حبرٍ أسود، وبات الورقُ هو الملاذ الوحيد الذي لا يطرح الأسئلة الصعبة. اشترى دفتراً بجلدٍ عتيق، يشبه في ملمسه خشونة الأيام التي يمر بها، وبدأ يخطُّ فيه ما لم تجرؤ حنجرته على النطق به. لم تكن كتاباته شعراً، ولا أدباً منمقاً، بل كانت صرخاتٍ صامتة وُضعت بين سطرين.
​كان يكتب إليها وكأنها تجلس قبالته، يحكي لها عن الجرح العميق" الذي خلّفه غيابها، وعن الفراغ الذي يمتد من سريره حتى آخر رصيفٍ مشيا عليه. كتب في الصفحة الأولى بخطٍ مرتجف:
​"أكتُب إليكِ لأنَّ الكلام معكِ كان يرمم روحي، ولأنَّ الصمت بعدكِ صار يهدمها. لا أبحث عن سببٍ لرحيلكِ، فقد نضجتُ بما يكفي لأعرف أنَّ القدر لا يقدم تبريراتٍ للمنكوبين، لكنني أبحثُ عن طريقةٍ لأتنفس دون أن يشحب وجهي كلما مرَّ طيفكِ في خيالي.
​صار الدفتر رفيقه في المقاهي المزدحمة؛ يفتحه ويغيب فيه، محتمياً بكلماته من ضجيج البشر. يصف فيه كيف يراها في فنجان القهوة، وكيف يلمح ملامحها في بؤبؤ عين الغرباء. كان يكتب عن القسوة التي تغلفت بها نهايتهما، وكيف يمكن لحبٍ بهذا الاتساع أن يضيق فجأة حتى لا يسع قلبين.
​في إحدى الليالي الباردة، كتب جملةً واحدة اختصرت مئة وخمسين صفحة من الوجع:
أبشع أنواع الفراق هو ذاك الذي يتركك عالقاً في منتصف الحكاية؛ لا أنتَ تملك حق العودة، ولا أنتَ تملك شجاعة النسيان.
​تحول الدفتر بمرور الوقت إلى كائنٍ حي، ينمو مع كل دمعةٍ محبوسة، ويثقل مع كل ذكرى ترفض الرحيل. لم يكن يهدف لنشر هذه الكلمات، بل كانت طقساً من طقوس البقاء؛ فإما أن يكتب أو أن ينفجر صمته فيقتل ما تبقى منه. كان الورق يمتص وجعه بوفاء، لا يشيح بوجهه عنه، ولا يملُّ من تكرار أنينه.
​هذا الصمت المكتوب صار هويته السرية. أمام الناس، هو الطالب الهادئ الذي ينجز فروضه ببرود، وفي غرفته، هو العاشق المهزوم الذي يبني من الكلمات جسراً واهياً لعلَّ روحها تعبر عليه يوماً، ولو في حلمٍ عابر. كانت الكتابة جرحاً آخر، لكنه الجرح الذي يمنعه من الموت تماماً، يبقيه على قيد الأمل الباهت، في انتظار معجزةٍ لا تأتي.

جاء اليوم الذي شعر فيه أنَّ صدره لم يعد يتسع لمزيدٍ من الحبر، وأنَّ هذا الدفتر، رغم كونه رئةً تنفس من خلالها لشهور، صار قيداً يربطه بضفةٍ لم تعد موجودة. كان القرارُ صعباً، يشبه قرار جنديٍ بترك سلاحه في منتصف المعركة، لكنه أدرك أنَّ معركته لم تكن معها، بل كانت مع الذاكرة.
​في صباحٍ هادئ، اتسم بريحٍ خفيفة تداعب أوراق الشجر، توجه إلى الجامعة. لم يذهب للقاعات، بل قصد ذلك المقعد الخشبي الذي بدأت عليه الحكاية. جلس هناك للمرة الأخيرة، وضع الدفتر بجانبه، وتحسس جلده العتيق بأصابعه المرتجفة. كان الدفتر يزنُ الآن أطناناً من الوجع والصمت والجروح التي سطرها يوماً بعد يوم.
​فتح الصفحة الأخيرة، وكتب بضع كلماتٍ لم تكن موجهةً إليها هذه المرة، بل كانت موجهةً للقدر:
​أودعتُ في هذه الصفحات قلباً كاملاً، وجرحاً لم أجد له ضِماداً. ارحلي بسلام، وارحل أنت أيها الصمت القاسي عني. لقد وفيتُ بعهدي للحب، وحان الوقت لأفي بعهدي لنفسي.
​نهض بهدوء، تاركاً الدفتر مكانه. لم يلتفت وراءه كما يفعل أبطال الأفلام، بل مضى وعيناه شاخصتان نحو الأفق البعيد. كان يشعر بخفةٍ غريبة، خفةٍ تشبه انعدام الوزن، وكأنَّ جبالاً كانت تجثم على كتفيه وقد تلاشت فجأة. مشى في الممرات التي كان يتجنبها، واجه الوجوه التي كان يفر منها، ولم يشعر بالخوف.
​كان الجرح العميق لا يزال هناك، لكنه لم يعد ينزف. صار ندبةً يفتخر بها، علامةً على أنه عاش، وأنه أحب بصدق، وأنه استطاع أن ينجو من تحطم أحلامه. بدأ يرى العالم بألوانٍ جديدة، ليست زاهية بالضرورة، لكنها ألوانٌ حقيقية، خالية من ضباب الانتظار.
​عندما وصل إلى بوابة الجامعة، توقف للحظة واستنشق الهواء بعمق. لم تعد الرائحة رائحة عطرها الغائب، بل كانت رائحة الأرض، ورائحة الحياة التي تنتظره خارج أسوار هذه الذكريات. أدرك أنَّ الصمت الذي كان يقتله، صار الآن سكينته الخاصة. لقد تحرر، لا من حبها، بل من سلطة غيابها عليه.
​مضى الشاب في طريقه، تاركاً خلفه كتاباً من مئة وخمسين صفحة من الوجع، ليبدأ بكتابة صفحةٍ جديدة، بيضاء تماماً، لا تحمل اسماً، ولا سبباً، بل تحمل فقط وعداً بأن يحيا من جديد.

في اللحظة التي ترك فيها الدفتر على ذلك المقعد البارد، لم يكن يتخلص من ورقة وحبر، بل كان يعلن سيادته على نفسه. أدرك أنَّ الجرح العميق لم يجعله ضعيفاً، بل جعله شخصاً لا تغلبه العواصف العابرة. لقد انتهت الحكاية بقرارٍ منه، ليس لأنَّ الحب انتهى، بل لأنَّ "الذات استحققت أن تُصان.
​كان عليَّ أن أفقدكِ لأجدني، وكان على هذا الصمت أن يخرس كل شيء فيّ، لكي أسمع صوت كبريائي بوضوح. لم أكن بحاجة لسببٍ لرحيلك، فحضوري كان أعظم من أن يُفسر، وغيابكِ صار أصغر من أن يُلتفت إليه. أنا اليوم لستُ ذاك الذي كسرته الأيام، أنا الأيام التي ستعلم القادمين كيف يكون الوقوف شامخاً على حطام الذكريات.
​إنَّ أقسى أنواع الشجاعة هي أن تمشي في الطريق الذي بدأته مع شخصٍ آخر، ولكن بمفردك، ودون أن تلتفت خلفك لترى أثره.
​لا تظني أنكِ تركتِ فراغاً لا يُملأ؛ فالمكان الذي كنتِ تشغلينه في قلبي، قد استعمرتُه أنا، وأنا أكثرُ وفاءً لنفسي من كل الذين عبروا
​قَرَّرتُ هَجرَكِ لا حِقداً ولا ضَجَرا
بَل شِيمةُ الحُرِّ إِن لَم يُلقَ مَستَقَرا
​أنا الذي نَحَتَ الصخرَ في وَجَعي
حتى اسـتـحالَ أنيني في المَدى دُرَرا
​فلا الصمتُ يَهزِمُني، ولا الجرحُ يُؤلِمُني
أنا العظيمُ وإن صـارَ الهوى خَـبَرا

Copyright reserved

Copyright reserved

The book cannot be previewed or downloaded in order to preserve the copyright of the author and publishing house
Not available digitally or on paper through the Noor Library, it is for rating and review

Reviews ( 0 )
Quotes ( 0 )
  Search for another book

Book Review "تراتيل الصمت والغياب"

Book Quotes "تراتيل الصمت والغياب"

Other books like "تراتيل الصمت والغياب"

Hide Intellectual property is reserved to the author of the aforementioned book
If there is a problem with the book, please report through one of the following links:
Report the book or by Contact us

E-books are complementary and supportive of paper books and never cancel it. With the click of a button, the e-book reaches anyone, anywhere in the world.
E-books may weaken your eyesight due to the glare of the screen. Support the book publisher by purchasing his original paper book. If you can access it and get it, do not hesitate to buy it.
Publish your book now for free