له (6) كتاب بالمكتبة, بإجمالي تحميل وقراءة (787)
أبو عبادة، مهندس برمجيات، دمشقي، أثري، شغوف بعلوم الاعتقاد، مهتم بنقد الفلسفات.
t.me/AboObadaShami
جزاك الله خيراً
ادّعيت أن أفلاطون وقع فيما أسماه "مغالطة الإسقاط"، أي أنه أسقط يقين الرياضيات ومثالياتها على العالم المادي واعتقدت أنها تصفه وصفاً حرفياً، ولا أدري هل اطلعت على الكتب المنسوبة لأفلاطون أم اكتفيت ببعض القراءات المتأخرة، أم سلّمت لدعاوى شيخك ابن تيمية.
الذي ورد عن أفلاطون في الكتب القديمة هو عكس ذلك، فمثلاً في محاورة "فيدون" (74a-75b) شرح أفلاطون أن هناك "مساواة مطلقة" تختلف كلياً عن أي شيئين متساويين نراهما في العالم، فالعصيان والحجارة "تقصر" عن بلوغ هذه المساواة ولا تكون سوى "نسخ ناقصة" لها.
وفي "مينون" (82b-85b) بيّن أفلاطون أن العبد الجاهل بالهندسة يستطيع حل مسألة رياضية لأن المعرفة موجودة في نفسه سلفاً وتُستثار عبر "التذكر"، وليس لأنه تعلمها من العالم المادي.
وفي "الجمهورية" (الباب السابع) ضرب أفلاطون مثَل "الكهف" الشهير ليؤكد أن ما نراه في هذا العالم ليس سوى "ظلال" على جدار، وأن الحقيقة في الخارج بعيدة كل البعد عن هذه الظلال.
وفي "طيماوس" (51D-52C) وصف العالم المادي بأنه مجرد "شبح" ونسخة عابرة، وأكد أن إدراكنا له قاصر وغير موثوق. بل إنه حتى في بنائه الرياضي للأجسام الصلبة (كما في الملحق الهندسي) أقرُّ بوجود عنصر "لامعقول" (irrational) داخلها لا يمكن التعبير عنه بنسب عددية دقيقة.
كل هذا يثبت أن أفلاطون لم يقل قط هذا الذي تنسبه إليه يا صديقي المتخصص في فلسفة العلم، بل إنه كان أول من حذّر من هذا الخلط، وجعل مهمة الفلسفة هي التمييز بين العالم المثالي اليقيني والعالم المادي التقريبي الناقص، لا إسقاط أحدهما على الآخر.
فأتمنى أن تخبرني ما هو مصدر المعلومة التي نسبتها إلى أفلاطون؟ مع شكري الكبير لك، ومعرفتي بأنك لا تحتمل النقد لا أنت ولا صديقك السبسي ولا شيخك حسام أبو الفدا، وأتمنى أن أكون مخطئاً.
تقبل مروري بكل احترام وشكراً
أشكر كاتب المقالة على جهده الواضح في جمع النصوص وتحرير الفروق
1. هل منهج ابن تيمية في الإلهيات يصلح أساساً للنقاش؟
أنت تبذل جهداً كبيراً في بيان أن ابن تيمية لم يتناقض، وأن كلامه في "النبوات" متسق مع كلامه في "حدوث العالم". لكن السؤال الأعمق الذي ينبغي طرحه هو: هل أصل المنهج الذي يعالج به ابن تيمية مسائل الإلهيات هو نفسه منهج سليم؟
أنا في بحثي ذهبت إلى "أصل الأصول"، وهو: استحالة الجسمية على الله. وهذا أصلٌ إذا تقرر، انهارت معه جملة من التقريرات التي ينبني عليها كلام ابن تيمية في مسائل الصفات والأفعال، بل ومسألة الخلق نفسها.
أسئلتي هنا:
هل توافق على أن نفي الجسمية يقتضي بالضرورة نفي الحدّ والمقدار والجهة والحيز؟ إذا كنت توافق - وهو ما لا أظنك تخالف فيه - فكيف تتعامل مع نصوص ابن تيمية التي يصرح فيها بإثبات "الحد" (بأي معنى كان) والجهة والعلو الحسي؟
إذا كان مذهب السلف في العلو هو العلو التنزيهي المعنوي، فكيف نفسر إصرار ابن تيمية على ربط العلو بالحس والإشارة ورفع الأيدي، بل وتجهيمه لمن ينفي ذلك؟ ألا يشير هذا إلى أن أصل منهجه في تقرير الصفات الإلهية مختلف عن منهج السلف في التنزيه؟
إذا كان ابن تيمية يثبت "مكاناً عدمياً" و"جهة" ويقول بأن ما لا يُشار إليه حساً فهو معدوم، أفلا يكون هذا جعلاً لوجود الله تابعًا لقوانين الأجسام والمحسوسات ابتداءً؟ وهل يصح بعد ذلك أن نناقش تفريعات كالخلق من مادة، دون أن نتفق أولاً على صحة هذا الأصل؟
2. إشكالية "الحكمة والمشيئة" وعلاقتها بلوازم التحيز
أنت تفرق - بدقة - بين "الوجوب الذاتي" و"الوجوب بالغير" (الوجوب بالمشيئة والحكمة)، وتجعل هذا أساس فهمك لقول ابن تيمية إن الله يخلق من مادة "لحكمة" لا لعجز. هذا تفريق جيد، لكنه يصطدم بإشكالات منهجية في أصل التصور التيمي للألوهية، وهي إشكالات تظهر بوضوح حين ننظر في لوازم إثبات الجهة والحد.
أسئلتي هنا:
إذا كان إثبات "الجهة" و"الحد" لله يستلزم بالضرورة "تمايزاً داخلياً" في الذات (يميناً ويساراً، جهة تلي العرش وأخرى لا تليه... إلخ)، أفلا يكون هذا إثباتاً للتركيب العقلي، حتى لو نُفي التركيب المادي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يصح حمل "الحكمة" على إثبات لازم هو في أصله من خصائص الأجسام؟
أنت تستدل كثيراً على أن الله "اختار" أن يخلق من مادة لحكمة، لا لأنه لا يقدر على غير ذلك. لكن السؤال: إذا كان الله في أصل ذاته متحيزاً (وهو ما يلزم من قول ابن تيمية إن "أصل التحيز" لازم للذات)، أفلا تكون أفعاله تابعة لهذه الحقيقة الذاتية (التحيز)؟ بمعنى: هل يمكن لمن هو متحيز بذاته أن يفعل فعلاً غير متحيز؟ أليس هذا مثل من يقول: "الله جسم، لكنه يفعل أفعالاً لا تشبه أفعال الأجسام"؟ كيف تجمع بين إثبات لازم الجسمية في الذات، ونفيه عن الفعل؟
إثبات "حيز عدمي" لله هو تفريق لفظي لا يحل الإشكال؛ لأن العدم لا يكون ظرفاً ولا جهة. فإذا كان الله قبل خلق العرش "في حيز عدمي"، ثم بعد خلقه صار "فوق العرش"، أفلا يعني هذا أن علوه صار مضافاً إلى مخلوق (العرش) بعد أن لم يكن مضافاً؟ وهل يصح أن تكون صفة العلو (وهي صفة كمال) متعلقة بمخلوق حادث؟
3. تسلسل الحوادث وإشكالية "قدم النوع وحدوث الأفراد"
أنت تبني جزءاً كبيراً من دفاعك على أن تسلسل الحوادث في الماضي (دوام الفعل الإلهي) هو مذهب ابن تيمية، وأن الحكمة هي التي تخصص كل حادث بزمانه. لكن هذا الأصل نفسه يواجه إشكالات عقلية عميقة، تتجاوز مسألة الخلق من مادة إلى مسألة قدم العالم وإمكان إثبات الصانع.
أسئلتي هنا:
أنت تقرر أن ابن تيمية يقول بـ "قدم نوع الحوادث وحدوث أفرادها". لكن هل يمكن عقلاً أن يكون النوع قديماً وأفراده كلها حادثة؟ النوع لا وجود له في الخارج غير أفراده، فإذا كانت الأفراد كلها حادثة، فبماذا يكون النوع قديماً؟ أليس هذا مثل القول: "كل فرد من البشر حادث، لكن جنس البشر قديم"؟ كيف يمكن أن يكون القديم مركباً من حوادث؟
إذا كان تسلسل الحوادث في الماضي جائزاً عند ابن تيمية، فكيف يمكن إثبات واجب الوجود ببرهان عقلي؟ من المعلوم أن كل برهان على إثبات الصانع يقوم على استحالة التسلسل. فإذا جاز التسلسل، انهدم أصل البرهان. فهل عند ابن تيمية طريق آخر لإثبات واجب الوجود لا يعتمد على استحالة التسلسل؟ وما هو؟
في سياق تقريرك لمسألة "الإمكان الخارجي"، تقول إن الحكمة والمشيئة هما الموجبتان لحدوث الحادث المعين في وقته. لكن السؤال: إذا كان الله "لم يزل فاعلاً" كما يقول ابن تيمية، أفلا يعني هذا أن الحوادث لم تزل قائمة به أو صادرة عنه؟ وإذا كانت الحوادث مخلوقة - كما اعترف ابن تيمية في درء التعارض 3 / 115 - فكيف يكون "المخلوق" ملازماً "للخالق" في الأزل؟ أليس هذا هو عين القول بالحلول والاتحاد الذي تنكرونه؟ كيف تخرج من هذا الإلزام؟
بعد هذا كله، أود أن أسأل سؤالاً مباشراً:
هل ترى أن أصل منهج ابن تيمية في إثبات الصفات والأفعال - القائم على قياس الأولى، واعتبار الحس والإشارة والجهة من لوازم الوجود، والتفريق بين الحيز الوجودي والعدمي، وإثبات التسلسل في الماضي، ونفي تماثل الأجسام - هو نفسه منهج السلف في التنزيه؟
إن كان جوابك: نعم، فكيف ترد على ما يتم سوقه من أدلة على نفي السلف للحد والجهة والمقدار عن الله؟
وإن كان جوابك: لا، بل هو تطوير واجتهاد من ابن تيمية، فلماذا يُلزَم مخالفوه بالرجوع إلى منهجه، ويُتهَمون بالجهمية والتعطيل إذا التزموا بمنهج المتكلمين في التنزيه؟
والسلام
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".
