طالبة | قارئ ومؤلف (2) كتاب بإجمالي تحميل وقراءة (219)
اليمن
كاتبة ؟
لا .. الأحرى أني عابثة بالحرف فقط
كتاب حافل بالأحداث ، معقَّد بالعلاقات ، مليء بالغرابة و لكنَّه أقرب للواقع بكثير من الخيال .
لم أسمع به من قبل ! ، و لكن عند قراءتي لسلسة الشفق تذكره ستيفاني من ضمن كتب بيلا ، تملَّكني الفضول نحوه خصوصًا عندما تقول ستيفاني على لسان بطلتها بيلا تعليقًا على الكتاب : كان الحب هو الشيء الصحيح الوحيد الذي كان بين هيثكلف و كاثرن .
تسلسل الرواية مذهل بدقته ، و لغته سهلة و سلسة على القارئ ، و رغم أن طريقة تصرُّفات الأبطال قد تبدو مملَّة و مبالغ بها إلا أنني تابعتُ حتى النهاية بنفس وتيرة التشوُّق الهادئ ، و لذلك أستطيع أن أعدُّ الرواية من تلك الروايات التي تجعلك تغوص بالتفكير في العلاقات بجدية أكبر من العاطفة ، رواية كافية لتكون أدبية فكرية و لم أستغرب كثيرًا عندما علمتُ أنها الرواية الوحيدة لإميلي برونتي ، لقد كتبت بصدق و بكل نضج ، و أظنُّ بأن من قد يكتب شيئًا كهذا ملمٌّ بكل هذه الأشياء سيشعر بأنه قد أدَّى واجبه نحو الكتابة ، و بالفعل فالرواية التي بقي تأثيرها و تشويقها كل هذه السنين منذ عام 1847 حتى الآن 2020 لا بدَّ أنها أدبية بالتأكيد ، و ثريَّة بالأفكار ، و مُلهِمة حقًا .
ببساطة للرواية سأعطي ممتاز ، و لولا المسيحية الباطلة التي تندسُّ في الحوارات و بعض الأحداث و حتى شخصية يوسف ، لكنتُ بلا شك أعطيتها ممتاز جدًا .
ملحوظة صغيرة : للدين اعطي نجمة دائمًا ، إن ذكر شيئًا يضادُّه بشكل عابر ، أما الكتب التي يكون غرضها الرئيس نشر عقيدة فاسدة أو دين باطل ككتاب ” قواعد العشق الأربعون ” مثلًا ، فإنها تسقط تمامًا بدون أسف .
كانت طفولة هيثكلف منذ البداية قاسية ، و لقد وقفتُ بصفِّه منذ جاء به السيد أرنشو إلى مرتفعات وذرينغ ، طفل أسود بعينين سوداوين و شعر أسود ، جائع بملابس ممزَّقة ، و يحضر فيرمقه الجميع باشمئزاز و الألطف منهم نظر إليه بشفقة ، السيد هندلي أرنشو لم يقبله ، الآنسة كاثرن أرنشو بصقت عليه ، و لكنَّه رمق الجميع بصمت و سلَّم نفسه .
هيثكلف كبُر ، عينيه توقَّدتا بشغف بالعلم ، و توق للصلاح ، كاثرن تقبَّلته بل أصبحت رفيقته ، و لكنَّ التركيز الذي أولاه السيد أرنشو له لم يكن لصالحه حيث أن الجميع بدأ يراه سببًا في تغيُّر السيد أرنشو ، و بكل وضوح كلنا نعرف أن البيض مهما أرادوا أن يكونوا متسامحين بشأن السود كي لا يأخذوا لقب ” عنصريين “، فإنهم لم يتوقَّفوا يومًا عن التشاؤم بهم و عدم الإرتياح معهم بشكل عام باستثناءات محدَّدة ، لذا لم يكن في منزل السيد أرنشو من يرتاح برؤية هيثكلف كثيرًا ، و مهما حاول الصغير أن لا يرى هذا فإنه لم يتردَّد يومًا أن يردَّ على عدم ارتياحهم بالظهور بمنزلة أقرب للسيد أرنشو و حتى القيام ببعض التصرُّفات القاسية التي تجعلهم يتميَّزون من الغيظ و لكنهم يصمتون كي لا يغضب السيد أرنشو .
هيثكلف طفل مشرَّد ، هيثكلف أسود ، هيثكلف يتمتَّع بدلال السيد أرنشو بدلًا من أبنائه الحقيقيون ، هيثكلف يجب أن يخرج من المنزل ، و لكن السيد أرنشو سيغضب ، هيثكلف يتجبَّر في مكان ليس ملكه ، هيثكلف يجب أن يغادر .
عاد هيثكلف بانتقام و ليس بطلب انضمام ، هيثكلف يدمِّر بدون توقُّف ، يدمِّر كل ما يشبه الماضي ، هيثكلف حريص على محو اسم عائلتي ” أرنشو و لنتون ” للأبد ، مقابل نبذهم له باستثناء السيد أرنشو ، هيثكلف يخفق .
طفلة كاثرن و لنتون غدت تحبُّ طفل هندلي أرنشو ، و طفل هيثكلف و إيزبيلا لنتون مات أو الأحرى قَتَله أبوه !
كاثرن أرنشو في كلا الوجهين ، وجه طفلتها و وجه ابن أخيها ، و لم يكن طفل هيثكلف يومًا يشبه كاثرن الحبيبة .
كاثرن تطارده كشبح ، كاثرن موجودة على الدوام و هو يؤمن بهذا ، كاثرن تعاقبه فلا شيء منها بقي في وجه طفله و لا حتى في وجهه هو ، كاثرن مرضه المزمن ، كاثرن التي لا يربطها به سوى الحب و ما عدا ذلك فهو خاطئ تمامًا ، كاثرن سلبته كل آماله باعتقادها بأنها سينحط اسم عائلتها بزواجها منه ، كاثرن ميتة و هو حي ، لا زال يمزِّق كل ما تبقَّى من العائلتين ، تعب من الإنتقام ، و يجب أن ينتقم من كاثرن على زواجها من لنتون ، يرى وجهها خلسة في التابوت ، و يزفر أخيرًا بارتياح ، و يذهب …
لكنَّها تتبعه أينما ذهب ، بات متأكِّدًا من أنها معه ، ينسى حبه لها فيمرض بها ، يموت هيثكلف قبل أن ينهي انتقامه .
عائلة لنتون و عائلة أرنشو لا زالت موجودة ، و لكنه لم يعد موجودًا ، ذهب حيث تكون كاثرن ، مات بها بعد طول موت !
الحياة المعقَّدة بالحب ، بالكره ، بالإنتقام ، بهذه المشاعر الإنسانية العنيفة ، تبدو أكثر سلامًا بالتخفيف منها ، و التقليل من جرعتها ، و لكن أنَّى هذا و الإنسان العنيف لا زال نحن .
لو لم يحبُّ السيد أرنشو هيثكلف لما جاء هيثكلف إلى مرتفعات وذرينغ ، و ما أحب كاثرن ، و ما كرهه أهل المنزل ذلك الكره ، و ما انتقم هو فيما بعد منهم أجمعين .
مشاعر إنسانية بحتة ، و لكن المبالغة رافقتها فأصبحت مدمِّرة أكثر من أن تكون دافئة و مُصلِحة .
بهذا الكتاب أتأكَّد أن المبالغة دومًا مؤذية ، و أن زرع اليوم لابدَّ يحصد غدًا أيًا ما كان ، و أن الحبَّ عندما يتحوَّل إلى مرض فليس لنا سوى الإبتعاد حرصًا على أنفسنا أولًا و على الذكريات الجميلة تاليًا ، فلماذا نلطِّخ اللوحة التي رسمناها معًا بالأسود ؟
كان يمكن أن نعلِّقها على جدران الذاكرة فنبتسم عند رؤيتها و نمضي !
و علمتُ أن مكان الإنسان يجب أن يكون هو المكان الصحيح كي لا يصبح الإنسان ذا وجود خاطئ ، و بهذا أعرف أن الإبتعاد ليس حلًا سيئًا ، و أن شجاعته أهم بكثير من الحفاظ على نفس المكان .
إميلي برونتي توفيت بعد عام واحد من كتابة هذه الرواية ، و رغم أنني أعرف أنها ماتت بداء السل ، فإنني أفضِّل أن أرى بأنها ماتت بعد أن أدركت بأن كتابها حمل كل مشاعرها الإنسانية التي يمكن أن تبثَّها مع الوقت ، لذا لم يبقَ لها الكثير منها سوى ما عاشت بها عامًا واحدًا بوهن المرض الذي بالتأكيد لم يستلزم منها مشاعر إنسانية كثيرة ، ماتت إميلي و لكن بعد أن أعطتنا نبذة عن جانب انسانيتنا المدمِّر أكثر من الباني أحيانًا .
إن سالي قوية ، رهيبة بصورة متفرِّدة ، من بداية تمسُّكها بالحياة الاجتماعية ، إلى أن تقبل المهمة على مضض و تمضي بأفضل ما يمكن لمشرفة ميتم أن تفعل .
كان غوردون من البداية القطب الموجب بالقضية ، و سالي أيضًا كانت تحمل نفس قدراته و خلجات روحه ، و يتجلَّى هذا في الخلاف الذي يتَّهمها و هو يرتكي على إطار الباب بشيء ما نحو الطبيب مكراي ، كانا متشابهين جدًا و ذروة تشابههما كانت في سردها للغيبة من الطبيب ، كان غوردون البادئ و هي لم توقفه بل زادت الطين بلَّه بتلك الصفات التي أطلقتها بحنق كي يرضى ، لأن الحالة الطبيعية من الإتهام مثل هذا أن لا تسبُّ الطرف الثالث بل أن تقف مع الأسباب التي تدعوه لإطلاق التهمة بهدوء و عقلانية ، و هذا أبدًا لا يتعارض مع قوَّتها و لكنَّه يتعارض مع شخصيتها و تصرُّفاتها الطبيعية ، و عودة لعلاقتهما التي رأيتها منذ البداية مبتذلة و مملَّة فأعزو السبب إلى تشابههما الكبير في الدواخل ، و في القوَّة أيضًا ، و بطريقة ما هما لم يهتديا للطريق الصحيح في فهم أحدهما الآخر و المضي بعجلة حياتهما بحماس أكبر ، سالي معتادة على الحركة و التأثير ، و غوردون رتيب أيضًا في حماسته و ترك بصمته ، منذ البداية كانت كل الأشياء تشير على عدم وجود حب حقيقي مذهل بين الإثنين قد يساعدهما على تخطِّي حاجز الملل الذي يخلِّفه تشابههما حدَّ التطابق ، كانت الأمور بينهما أقرب للرسمية و العلاقات الجوهرية العابرة ، هو حتى لم يبادل ما أحبَّته سالي الحب ، و لم تحبُّ هي ابتعاده الذي يحبه ، سالي مكبرايد تكوَّنت أهم نقطة في شخصيتها خلال الرسائل و هي البذل و الطاقة التي تحتاج تصريف ، و كانت في غمرة إنتاجيتها حتى رأت أن زواجها منه سيحرمها تلك البصمة الذهبية التي هي في أشد التوق لوضعها ، و كان غوردون لا يريد أيًّا من انتاجها الذي تتفاخر به ، بل و صار الأمر أحيانًا إلى احتقاره و اعتباره لما تفعل بأنه شيء من المزاح و المهزلة ، و بالتأكيد لم تكن شخصية سالي من بادئ الأمر ضعيفة بل كانت قويَّة و صارمة حتى في لهوها في الحياة الاجتماعية التي قضتها قبل أن تصبح مشرفة جادة ، و بهذا نرى أن الإمكانيات بين توافقهما ضئيلة جدًا ، و وددت لو أقبِّل رأسها عندما قرَّرت فسخ الخطوبة ، فلو كانت استمرَّت و لو كانت مضت حياتهما معًا ، لما كانت لتكون حياتهما مذهلة أبدًا ، فإما أن تنتهي بطلاق حافل ، أو أنها كانت لتستمرَّ بجرح متقرِّح و قبيح و هذا لا يحدث دائمًا في الغرب و عند الأجانب ، و لكنَّه معمولٌ به في الشرق و في هذا المجتمع تحديدًا .
” يا إلهي يا سالي ، هل تظنيني مخلوقًا من حديد ؟ “
في هذا الموقف تحديدًا ، فهمتُ كم كانت سالي بحاجة لأن تكون شخصًا باذلًا أكثر من متلقِّ ، و كم كان ساندي في المكان الصحيح من الحكاية ، الشيء الوحيد الذي أخَّر تقدُّم الإثنين منذ البداية ، و في التأخير ذاك خير ، حيث كان الوقت متاحًا لهما بالتفكير أكثر حول الأمر ، و بالتالي تقوية تلك المشاعر بينهما ، حتى إذا احترق الميتم و هرع ساندي لنجدة ألغرا تفجَّرت تلك العاطفة ، و إن كان رفضه رؤيتها قد جرحها قليلًا ، و لكنَّ الشرارة التي تمتلكها سالي من حيث الجرأة ، لم تنطفئ للأبد بل وصلت لتركها له رسالة خاصَّة بسرد حنقها من رفضه لرؤيتها ، و بشيء من التفاوض نجح الأمر و بشكل مُرضٍ أيضًا للحب الذي طال كبته بينهما .
و على أيَّة حال فالحب ابتدأ منذ أطلقت سالي على السيد مكراي لقب ” عدوي ” بل و تفنَّنت بعدها بإضافة ” اللدود ” و أحيانًا ” الألد ” ، و فعلًا كان عدوًّا بشكل مبالغ به ، في حين أن العدواة بينهما كانت غلافًا لودٍّ ينمو مع الأيام .
” و لست أمانع في الهرم معك يا ساندي ”
و هنا بوضوح نرى أن تصاعد الأمر بين الإثنين لم يكن هينًا أبدًا ، بل كان ذا أثر عميق حد ذكر الهرم و الشيخوخة بأمل و قوَّة تليق بسالي مكبرايد ، سالي التي خافت مع غوردون من فشل بالزواج ، و مع ساندي شعرت بالأمان التام حدَّ ذكر الهرم و تخطي مراحل العمر الطويلة .
الأسلوب الاسكتلدني الرهيب كما وصفته سالي ، هو ذاك الأسلوب المُشاع غالبًا هنا ، و في الروايات الخليجية تحديدًا يُتفنَّن في سرد طرقه ، و هو أسلوب للمتحفِّظين من هذه النواحي ، و برأيي أنه شيء جميل و يُضفي نكهة جميلة و لكن لا يصح الإستمرار به طويلًا فهو يُصبح مبتذلًا جدًا بالمبالغة به .
إن سالي أبدعت في أفكارها الترفيهية و المتنوِّعة ، فأقامت المخيَّم و غيَّرت الزيَّ الأزرق الكئيب بمربَّعاته ، و أنشأت المزارع الخاصة و فكرة صناديق الألعاب الخاصة و تبادل العملات بين الأطفال اليتامى ، و الكثير من الأفكار المدهشة التي نفَّذتها بصحبة ساندي مكراي ، و لو كنتُ مكانها لكنتُ أشدُّ حماسًا و لكنني لا أظنُّ أن انتاجيتي و فعاليتي ستتفوَّق عليها ، فهي شرسة جدًا و هذا رهيب و مثير حقًا .
في التلميحات العابرة عن عائلة بندلتن شيء من الإطمئان الذي أُلقي على عائلتهم ، نفحة سلام حملتهم للجنوب و حيث الساحل و كثير من الترفيه ، و جودي تستحقُّ بلا شكَّ ، و لكن بطريقة ما شعرتُ بالضيق من جيرفس عندما يكون سببًا في جعل جودي البسيطة عملة صعبة لا تكاد ترى ، و أتساءل حقًّا لماذا تصبح الحياة أثقل بعد الزواج ؟ و من أين المشكلة ؟
هل هو الرجل الذي يبدأ بتحبيط المرأة و جعل خروجها و تنقُّلها صعبًا ؟
أم أن المرأة نفسها تبدأ مسيرتها في أن تكون أمًّا مملة و منعزلة ؟
و بصراحة لم أستطع تركيب صورة جودي المتزوِّجة من جيرفس ، و جودي الصغيرة في الكليَّة و التي تكتب بحماسة عن أقل الأشياء بأكثر الكلمات ، جودي في ” عدوِّي اللدود ” تبدو سيدة من الطبقة الراقية ، أنفها مرفوع و عينيها لا تنفد إلى كل الأشياء ، و اهتمامها لا يتعدَّى دائرتها مع جيرفس و طفلتها التي عجزت عن تخيُّلها ، و برأيي أنها كانت أجمل ببساطتها و لكن بأية حال هي ليست البطلة ليتم التركيز عليها ، و هذا ما لا أستطيع تقبُّله حاليًا ، أن جودي ليست البطلة في الجزء الثاني ، و أشعر بنوع من الرغبة بلومها عن تنحِّيها عن الصورة ، و تركها سالي تكون الراوي ، و بالرغم من أن سالي رائعة و سردها جميل إلا أن جودي مليئة بالمفاجآت بعكسها ، فعندما كانت سالي الفتاة التي عاشت برخاء و تتقبَّل الأشياء بسلاسة أكثر رغم أن حياتها حافلة حتى بعد أن أصبحت مشرفة للميتم ، كانت جودي شديدة التركيز و حياتها ذات تفاصيل أقل ، و تذكر أبسط الأشياء بتفنيد مفصَّل و مشوِّق .
جين أبدعت في نقل جودي من لقيطة في ميتم نفد وقتها فيه إلى متخرِّجة من الكليَّة و سيدة مجتمع قادرة على التأثير ، ببطء و سلاسة لن يشعر بها المشاهد أو القارئ ، و لكنك ستقع على حقيقة أن جودي أبوت لم تعد تلك اللقيطة التي تغسل وجوه مجموعة من الأطفال كل صباح ، و تخرج معهم إلى فناء الميتم فتسلِّيهم برسم صورة للآنسة ليبيت على باب مخزن الحطب ، لم تعد جودي مجبرة على خياطة ملابس الصغار ، و لا غسيل الصحون الكثيرة في المطبخ فقط لتبقى في الميتم بعد وصولها لسنِّ 17 ، جودي أصبحت تعرف روايات شكسبير و تعرف مايكل آنجلو و تعرف أيضًا موريس ماترلينك و الكثير من الكتب التي حتى أنا لم أعرفها أو لم أقرأها بعد ، جودي أبوت بدأت من ميتم و انتهت بوجود ، وجود في قلب كل متواجد ، و لم تعد شخصية في كرتون كان رواية ، بل أصبحت كائن يزخر بالإبتسام بوجه كل الصعوبات ، يقطن في قلب كل متفائل .
علَّمتني جودي دائمًا أن البداية قد تكون مؤلمة للغاية ، و قد لا تكون هناك بداية ، و في الوسط ذكَّرتني بالمحارب الشجاع الذي رغم إصابة قدميه بادئ ذي بدء إلا أنه قام مستندًا على قدمين مستعارتين كانتا لصاحب الظلِّ الطويل ، جودي تقول ” بدأت أشعر ان العالم هو بيتي ، و كأنني أنتمي حقًّا إليه و ليس ازحف على سطحه فحسب ” ، لم ترضَ جودي بأن تكون زاحفة عليه فقط ، دبَّت بحركتها عليه ، عوَّضت عن كل تلك الظروف ، حتى أغرقتني في غيرة تامة منها ، غيرة عمياء ، و تمنَّيت وقتها و قوَّتها ، و حبها الخالص لصاحب الظل الطويل و جوانب حياتها التي لم تتشبَّع بغير الفائدة ، و أولًا و أخيرًا دائمًا حلمتُ بصاحب الظل الطويل ، على هيئة صامت يقرأ لك بكل شغف ، يجلس على مكتبه الفارِه و يفتح مغلَّف رسائلك بحرص ، يقرأ بانسجام تام و اهتمام بالتفاصيل ، ثم يعيد الرسالة و يضعها داخل صندوق خاص و يحفظه في الدرج الأعلى كي يعود له في أي وقت اشتاق به لك ، جودي وصلت في الأدراك مرحلة تقبُّل انقسامات الأشياء و ليس العمل على رفضها بالأدلة القاطعة ، جودي شخصية صقلتها الظروف لتصبح بتلك المناعة الباهرة من كل الإسقاطات التي واجهتها ، أرهبتني عندما رفضت الذهاب للمزرعة قبل بدئ العام الأخير و ذهبت مع آل مكبرايد إلى المخيم ، أدهشتني عندما وضعت كتابها في سلَّة المهملات بكل رضا و سلام ، كانت متصالحة مع نفسها كثيرًا للحد الذي لم تشعر مرة بتأنيب الضمير على ما يبدو ، هي كانت قادرة على قول رأيها بكل صراحة و صدق ، ثم تغييره إن لزم الأمر و بكل بساطة و ثقة أيضًا ، جودي مثال المرأة الناضجة رغم كل الظروف .
أبكتني جودي مرَّة على ما أظنُّ في الماضي ، و أحرقت حلقي بالعبرة مرَّات كثيرة ثم اطفأتها بأسلوبها المازح و كأن شيئًا لم يكن ، و جودي بالأمس ذكَّرتني بكل ذلك ، و أضحكتني مرَّات كثيرة أثناء القراءة لها ، جودي قادرة على التأثير و هي شخصية في كتاب ، فما بالك بها كشخصية تعيش في أرواح أولئك المناضلات في درب الحياة ، جودي منهج حياة أكثر من كونها تجربة عابرة فيها ، و صاحب الظلِّ الطويل العنصر الذي لم يفعل شيئًا أكثر من فتح الباب أمام جودي أبوت لتنطلق نحو الحياة ، بعد أن وضع في رقبتها شريحة حب تنبِّؤه بكل المستجدَّات ، كان جيرفس و لا يزال رجل كثير من الفتيات ، و لم يكن رجلي جيرفس ، كان رجلي المفضَّل صاحب الظلِّ الطويل ، الذي لو أردته أن يكون فسيكون صاحب الظل الطويل إلى الأبد و لن يعود جيرفس مرَّة .
و لو أردت قبلة حياة فسأبغيها على صيغة صاحب الظلِّ الطويل حين قال : صغيرتي الحبيبة جودي .
تقول جودي بأنها قد وجدت السعادة و هي ” أن تعيش اللحظة فقط ” ، قالت هذا لصاحب الظل الطويل إلا أنه لم يكن كافيًا القول فقط ، كانت ذات مساحة فكرية فارغة و مُعدَّة للملء بطبيعتها المحبَّة للمعرفة ، و عندما بدأت تتوسع في عرض أفكارها بدوريَّة على صاحب الظل الطويل ، كان هذا بدون شك يخدم ادراكها بحقيقة الأشياء و طبيعة انقسامها ، و هوية صاحب الظل الطويل التي بقت غامضة عنها حتى الوقت المناسب كانت ممتازة ، فلو أن صاحب الظل الطويل كان قد كشف عن هويته منذ البداية لم تكن لتصل جودي إلى تلك الحالة من الإدراك و النضج و الرضا التام عن ما أدركته طوال حياتها ، و لم تكن لتصل إلى ذلك الإرتواء من صدق الحب إلا عندما ضحك جيرفس و رفع يده قائلًا : صغيرتي الحبيبة جودي ، ألم تعرفي أنني أنا صاحب الظل !
كيف يمكن لجودي ألا تكون مثالًا لشرح أن الحياة لا تتوقف على بداية ، و أن الوجود لا ينتهي لأجل وحدة قائلة ، إن جودي برأيي محظوظة كثيرًا ، للحد الذي كانت فيه امرأة حرة ، تستطيع أن ترفض فيها أمر من يعولها من خلف حجاب ، امرأة قوية كي تقدر على تنفيس غضبها برسالة و إرساله إلى من يجب أن يتحمَّله ، ثم بكل قوة أيضًا تعتذر عن ثورتها التي ظنَّت أن اللباقة لا تحيِّيه مع تمسُّكها بقرارها و رأيها ، جودي مربكة و قد فعلت معي هذا ، فأسكتت كل تلك الأعذار الواهية التي خبَّأتُها لأي غضب قادم تجاه نفسي ، داست جودي على جرح وحدتي ، جعلتني أتقلَّب في فراش الغبطة من صاحب الظل الطويل صاحبها الأكيد ، في النهاية قَرَأت أكثر مني ، و ذكرت اقتباسات من كتب حتى لم أسمع بها ، و الأهم أنها نجحت دائمًا مع كل إخفاق لها ، بإصرارها و جهدها نَجَحَت ، و فشلتُ دائمًا مع الأسف .
خدعة .
المطر خدعة ، الأرض الباكية صفعة ، ألوان السماء كذبة ، الأسماء لا تختارنا ، الأسماء تجيء معنا ، أينما ذهبنا لحقتنا ، كظلٍ دؤوب الحركة ، لا يكفُّ عن اللحاق بنا .
حقل البطاطا فشل ، اللون الأخضر ذبل ، و المرآة الواقفة أمام أرواحنا أنثى .
أنثى لا تنتهي ، واسعة كثيفة ، عينيها بلا عسل ، و شعرها عاصفة غبار هائجة ، لا إسم لها ، و لا شيء ينتمي لها أكثر منها ، لا تنتمي للأرض كما لا تنتمي للسماء ، شيء ما بين ذلك انتمى لها ، كقطرة مطر لا زالت تسقط ، كذرة هواء قبل أن تُستهلَك ، أنثى لا بدَّ يصفعها الوقت كي تتجشأ وجودها .
قلبها ما كان أحمر ، و جسدها كان مائعًا كطحلب ، في الداخل كانت بؤرة وهم تبتلعْها بينما تبتلعَها ، خواء أصفر يجتذبها من طرف ضفيرتها ، و قرطها اللامع يشدُّ أذنيها إلى الأسفل .
إلى الأسفل ، حيث صوت الوهم الذي ابتلعها بينما تبتلعه .
كانت ممزَّقة ، ثوبها على شكل قوقعة ، رأسها تحوَّل قبَّعة ، ألوان الحياة دجل .
ما كانت لترى ، لتحكم !
ما كنت لتعي ، لتُقسم !
صندوق الأسرار كذبة ، رائحة الحجرة الجميلة خدعة ، و لون الأباجورة الساحر محض انعكاس .
ما كنَّا لنبقى ، بكل ذاك الشتات ، بكل تلك الأحلام الهزلى ، بكل تلك السنين الثكلى ، ما كنَّا لنمضي .
و عندما تتوه أسماؤنا عنَّا نختفي .
نبدو كشيء كان ذكرى .
ما كنَّا لنرضى ، أن نسقط في شرنقة ذكرى .
عدنا .
لنحيا ، بأسمائنا مرَّة أخرى .
( اسم يتأرجح بين هاجس الظهور و جنَّة الغياب ، إسم متردِّد ، مشاع ، يمكن أن يكون أيَّ شيء بطول المسافة الفاصلة بين الوردة و الجيفة ، بين اللقلق و التابوت ، بين الأمير و الضفدع ، بين الأغنية و الدمعة ، يمكنني أن أكون أيَّ شيء ، بل أنا في الحقيقة كل شيء ، و لفرط اتساعي و قدرتي على مزاحمة أي اسم على اسمه فأنا ما أزال أمامي ، غير مرئية ، غير معروفة ، مثل كتلة مائعة من الهلام )
أغيثوني .
أين صبَّارتي ؟
التوليب التي قد ذبلت ؟
أصداء المكان تضربني ، لوح وجود ينتصب أمامي كمرآة تفضح هلاميتي ، عيناي بؤرة ضياع ، و في وجهي بقايا شجن .
التوليب وهم ، صندوق الأسرار وهم ، كعكة عيد الست و عشرون وهم ، الشخص الذي احتضن قَدَم بكل ذلك الحب كان محض وهم .
كانت أسماء واسعة منذ أن جاء معها اسمها ، كبيرة جدًا للحد الذي ترى به أشياء وحدها تراها ، ليس بنوع من الدجل ، بل بنوع مُحكم من الوهم .
أسماء تحاول أن تمتلئ ، لكن لا تمتلئ ، و هي تعرف أنها لن تمتلئ ، و هي تدري أنها لن تتوقف عن ان تكون إسمًا لأي شيء ، يمكنها في لحظات أن تكن شيئًا أسطوريًا بالجمال ، و يمكنها بلحظة واحدة أن تصبح كوم دمامة إلى دمامة .
أسماء لفرط اتساعها سقطت ، في حفرتها وحدها سقطت ، بداخلها ابتلعت نفسها و سقطت ، كانت تريد أن تملأ نفسها فسقطت ، العالم كان غني عن امتلائها فسقطت ، كانت غير مرئية و سقطت .
فيما بين هاجس الظهور و سلام الغياب تمزَّقت ، بثلاث أشياء تهشَّمت ، توليب مُنتحر ثم صندوق أسرار لم يكن ثم روح سبق و أن تلاشت في البعيد .
كانت الآن شظايا ، لا تستطيع الإلتقاء عند نقطة ، ما كان الإتساع يومًا شيئًا ، كان بؤرة .
و عروس المطر كانت وهمًا كذلك .
و وحده الوهم من فاز بحنكته .
بثينة العيسى ..
لقد كتبتِ بقسوة ، مزَّقتِ كل أسماء مرَّت على أسماء ، مجرَّد تساقُط شظايا إلى شظايا ، رُكام .
الإتساع هذا الذي ولد معنا حقيقة ، و هذا السبب في أنه كان غريبًا عنا ، نحن أولو الوهم ، من نرى ألوان لا وجود لها ، كلُّنا دجل ، منذ بداية جهلنا الذي استمرَّ .
الكون حق ، الروح حق ، وحدها الأشياء ما كانت مُلزمة بالحقيقية ، و كنَّا دومًا على شفا سقوط هائل ، إلى الخارج كي نبتلعه ، و إلى الداخل كي يبتلعنا ، نحن في غمرة ، غمرة بعيدة نبحث عنا و عن حقيقة شيئًا ما كان حقيقة .
إن الحُفر كثيرة و هذا مرعب ، تنظر حولك بهلع ، تبحث عن لغم لن تراه ، على الأرجح أنت تقف عليه !
الكثير من الأسماء تتساقط .
بعضهم إلى الداخل كي يبتلع نفسه ، أو إلى الخارج كي يبتلع الأشياء من حوله ...
رواية ” عروس المطر ” لبثينة العيسى .
رواية جاءت في الوقت المناسب ، لتفنِّد فوضى الوهم و الواقع بداخلي ، كي أفكُّ بتؤدة طلاسم بطلي الذي سقط .
بأي حفرة سقط ؟
بدون مبالغة ، حتى الآن لا أدري .
معرفة الواقع مماثلة للواقع بصعوبة تصوُّرها ، لذا يجب أن نفكِّر بهدوء كثيرًا .
للرواية أربعة و نصف بكل حب .
النصف لروحي التي سقطت في غيِّ الأصفر بلا مبرَّر .
و الأصفر لون انعكاس الفاجعة دومًا .
هذا ما جعلني أرتعد عند أول فقرات الرواية ” ساعدي أصفر ” .
( فاجعة في الإنتظار ) عنوان آخر للرواية .
شيء جميل حقًا ، قصص غريبة ، و قصيرة أحيانًا لا تتعدى الوجه الواحد ، قصص هادفة أحيانًا ، مضحكة في أحيان أخرى ، باختصار قصص أدبية رائعة بالفعل .
ذكَّرتني بالقصص التي كنتُ أحبُّ كتابتها على هيئة مقاطع متفرِّقة ، و لكني كنتُ توقَّفتُ عن كتابتها بعد أن شعرتُ بأنها لا تفيد في شيء ، إلا أني الآن اعود و أقول : هي من ضمن الأدب الحر ، أدب رائع و ممتع .
جدار يقصُّ قصته ، لوحة ، مسمار ، و بطريقة تشدُّك إليه حقًا ، يمكنك قراءته بجلسة رائقة ، أو قبل النوم حتى !
و بصدق أشعر بالخجل من هذا الرأي المترهِّل ، و لكن بما اني انهيته قبل أمس ، فقد بدأتُ أفقد البريق الأول الذي يعطيك إياه أي كتاب أدبي جميل و مغمور ، و لكن باختصار أقول : ” فسحة بويكا ” يحوي قصصًا شيِّقة ، و هادفة جيِّدة جدًا .
” لأنني أحبُّك “
ما كان هناك عبارة كهذه قط في الكتاب على ما أظن ، و لكنَّ الظروف كانت كفيلة بأن تصرخ بهذا للابطال .
أخَّرتُ قراءة الرواية بظنِّي أنها عبارة عن قصَّة حب صرف ، و لكنني ما لبثتُ أن دُهشتُ بها و بأحداثها و بأبطالها حتى .
كيف يمكن للكاتب أن يكون طبيبًا نفسيًا على لسان أحد أبطاله ، طبيب نفسي يعالج قرَّاءه بالكلمات الواثقة التي يحشرها في النصوص ، رغبة الحياة تتجلَّى ، الإمتنان للظروف يطغى و الكثير من السلام يجوب بالداخل .
لو طُلب مني اختيار عنوان لها لقلتُ بلا تردُّد : في الداخل .
حيث أعاصير الفقد ، نوبات السقوط ، دفعات الإنتقام ، و مساحة الخواء البارد تمامًا .
يمسك بالتقلُّبات النفسية ، يفنِّدها على مهل ، يجلد صاحبها بسوط حب حارق ، غالبًا يصل إليه عبر الكلمات .
عندما كتب غيوم ميسو كان لا شكَّ يكتب لنفسه أو ربما لشخص ما يعيش بداخله ، ذلك لأنَّه كلماته تبدو صادقة مهما بدت مستحيلة أو حتى معقَّدة ، حتى بالنسبة لتلك الفقرات التي تتحدَّث عن التنويم المغناطيسي بكلمات علمية صعبة ، ستقرأها و كأنها شيء تعرفه ، شيء كنتَ قد عرفته من قبل أو ربما كنتَ تعرفه بفطرتك دائمًا .
كل تلك الحياة التي يعيش بداخلها الأبطال ، خليط من الفقر و الجوع و اليُتم و القتل و السرقة و الغنى الفاحش و الفخر و النجاح و حتى الإخفاق ، كل ذلك كان خليط حياة لم يتجلَّى لأصحابه حتى وجدوا أنَّهم حقًا يخشون الموت ، و يهابونه ، و لا يريدون قدومه حقيقة مع أنَّهم تجرَّؤوا دائمًا على مواجهته ، لكنَّهم بطبيعة الحال كانوا واثقين بطريقة ما أنه لن يأخذهم حتى ذلك الوقت .
في الحقيقة لم أستطع تقبُّل فكرة إعطاء فرصة حياة أخرى لقاتل ، حتى إن كان بدافع الإنتقام ، لم أستطع تقبُّل الأمر ، قد يكون شيئًا فطريًا و قد يكون نتاج قراءتي المتشدِّدة لمنطق إجاثا في قصصها ( على القاتل أن ينال عقوبته ) هذا هو الحل الأنسب .
القتل الغير مصرَّح عبارة عن حافَّة ، إن خطوت بعدها فستقع حتى الأسفل ، و ليس هناك أي فرصة في استعادة خطوتك للوراء ببساطة ، لأنك الآن ستكون بالأسفل ، بعيدًا تمامًا عما كنته قبلًا .
” قد تُشفى لكنَّ المرض سيبقى مترصِّدًا ” هذا ما سيحدث معك بالضبط ، ستنهض ربما إن كنتَ لا زلتَ على الفطرة ستحاول تسلَّق المسافة الوعرة التي قطعتها بخطوة واحدة رخوة ، هذا سيحدث عندما تجد العدالة طريقها إليك ، ستُعاقب و ستمضي في عقوبتك أكثر ارتياحًا و تصالحًا مع نفسك ، ستمضي بتسلُّقك بكل جد ثم عندما تصل للأعلى مجدَّدًا لن تعود هناك حافَّة ، كل ما ستجده عبارة عن سلَّم مريح للقاع .
هكذا يكون حال القاتل .
الحلُّ هو العقوبة العادلة ، به يعود الإنسان بداخلك للظهور ، إنسان جُبِل على احترام العدل ، و فُطِر على الفطرة السليمة ، إنسان سقط لكنَّه صعد مجدَّدًا .
هذه الرواية تعطيك رغبة في الحياة أكثر ، و ربما تُصيبك بنوبة حركة نشيطة كما فعلت بي .
غيوم ميسو في ” لأنني أحبك ” كاتب لعوب لا تركن إليه في سير الأحداث ، تمامًا كما تقرأ لإجاثا كريستي ، تقرأ و تفكِّر ، تقرأ و تنقِّب ، هو فقط يحشو رأسك الكثير من الفكر ، و دورك أن تمضي وقتًا طويلًا معه ترى ما يمكنك قبوله و ما لا تستطيع أن تتقبَّله ، فهو يتحدَّث عن الكثير من الأشكال الإنسانية ، و ليس عليك تقبُّلها كلها ...
( آخر النساء )
كتاب أدبي للكاتب الجنوبي اليافعي " صالح الناخبي " ، في مقدِّمة الكاتب يعترف أن الكتاب قد لا يقبل النشر نظرًا لخصوصيَّته ، و في هذه اللحظة أتوجَّسُ قلقًا فأنا أكره اقتحام الآخرين ، بالأحرى أحبُّ أن أخمِّن ظروف القصة برأسي بدون أن يدلُّني عليها أحد ، و بما أن الكاتب يعترف بخصوصيَّة النصوص ، فهذا وتَّرني ، حتى كدتُ أترك قراءته كليًا ، و لكن التذليل الأخير سمَّرني ( عدن - 25 مارس 2019 ) !
متى أتوب من حبُّك يا أيتها العروس البرتقالية ، عدن .. أيُّ شغف هذا الذي أنتهجه معك ، أي حبٍّ هذا الذي أوقفني امام اسمك لثوان طويلة ثم سافر بي عبر كتاب كامل " رومانسي " ثخين ، أنا التي لا تقرأ بهذا الإخلاص إلا كتب الجرائم !
و لما رأيتُ التذليل وجدتُ نفسي أقرأ و أقرأ ، مرَّة بإنهاك من تحمُّل سيل المشاعر المحشورة في النص و التي لا يقدر عليها إلا أصحابها ، و مرَّة بشرود في تفاصيل التفاصيل ، و أخرى بتمعُّن منذهل من الاستعارات و التشبيهات الإبداعية التي أسرتني كثيرًا و منها : " و نور قادم من عين القمر ! " و " كفَّان كأنَّهما حلم ، كأنَّهما أمل " و " يا نسمة الفجر يا ترنيمة المطر *** يا بسمة الشمس يا تلويحة القمر " و " أنتِ يا تغريدة الفجر و يا قطر الندى " ...
حتى انتهيتُ من ( نصف ساعة فقط ) هنا فقط تنفَّستُ الصعداء ، تلك الحمولة الكبيرة من المشاعر بدأتُ بالتخفُّف ، بدا مشوار النصف ساعة كاتمًا للأنفاس ، حابسًا للتفكير حتى ، الأدهى أن يُدرك القارئ أن ما وراء النص قلبٌ صادق ، قلبٌ عاشق بتلك الكمِّية المخيفة ، يفرد تراتيله الحبيسة ، يترنَّم بها بكل ما فيه ، كغيمة رمادية داكنة ، خرجتَ تحتها بدون مظلَّة !
بعد نفس عميق ، فتحتُ عينيَّ بشيء من الثقل و عدتُ لأقرأ " مجنون نورا " ، و بودِّي لو أقسم على ذلك ، قصيدة كاملة آخر كلمة في كل بيت لها [ نورا ] ، شيء مربك ، مدهش ، مذهل ، قصيدة جعلت كمُّ اكسجين يكتسح داخلي فأنسى الثقل الأول ، و أهرع للقراءة بشغف أكثر مجدَّدًا ، لا أدري ما السبب الذي جعل قصيدة " مجنون نورا " تريحني ، ربما هو اعترافه بأنه وصل إلى الجنون بها ؟! ربما لأن جنونه جعله يدلي بذلك الكمِّ من الأبيات الأكثر من رائعة ؟! أو ربما ارتياحي بأنَّه فاق حبُّها بحبِّه لها ! لا أدري و في كل الأحوال كانت القصيدة ماتعة بحق .
من أجمل الأبيات فيها هذه :
إن متُّ قبل لقاءها فوصيَّتي *** ذرُّوا عظامي في مسالك نورا
علَّ الرياح تهبُّ أول ساعةٍ *** فيطير مني ما يلامس نورا
دقُّوا عظامي و انثروها جيِّدًا *** في يوم ريح نحو منزل نورا
مذهل مذهل جدًا ، حتى أني توقَّعتُ أن أجد بيتًا متهالك في بنيته بما أن نورا كلمة لازمة في نهايته ، و لكني لم أجد ، بالرغم من أني لم أدري الشعر و لا أكتبه ارتجالًا إلا في النادر _ بحسب الطبيعة العربية _ ، و أكاد أجزم أنها قصيدة متكاملة في نظر أي قارئ ...
ثم نجيئ لنثر ( طائر ) ، نثر أربك قلبي المتيَّم بهذه المدينة الجميلة عدن ، يقول عنها : أمُّ المدائن إنَّها ، لكنَّها أمُّ البشر ! ، أستطيع القول بأني فهمتُ أنه كاتب محنَّك خلال هذا النص ، كاتب يعرف كيف يصف الحبيبة ، كاتب يعرف كيف يستخدم الكلمات و كيف يتلاعب بها بكل مرونة ؛ من هنا يستطيع المرء أن يحدِّق بالكلمات فيتراءى له خيال كاتب النص بعد أن كان في بداية الكتاب صاحب حرف ثمل بالحب ، يهذي بالغزل ، و يعد وعود العاشقين و يتبعها بـ " للأبد " ...
في الـ ( متكَّأ ) تبدأ النصوص تصغر ، و لكنَّ تصير في اتزان أكبر ، و تُحبَك بطريقة أكثر من جميلة ، حتى لكأنَّ نصًا أطاح بي ، فتيبَّست حدقتاي طويلًا عليه ، أكرِّره دون كلل ، أكرِّره بصوت أخفت و أخفت ، بوجل أكبر و أكثر ، و بشيء عميق يشبه الانشطار :
أيا من تظنِّين
صمتي انكسارًا
ألا تعلمين ؟
سكوتي كلام
ثم ، قالت : الصمت لا يعني الرحيل ، و لكنَّه انتقال إلى مرحلة جديدة .
الصمت مسألة شائكة ، المراحل الجديدة و الرحيل أكوام من قصص غير منتهية ، رسائل بدون ظروف ، الكلام حُفر ، و الشفاه أعشاب تغطِّيها ، الحبُّ سبيل المجانين ، طريق الباحثين عن السعادة دفعة واحدة ، المفتِّشين في جيوبهم عن موت مبكِّر ، الغارقين حتى انوفهم في بحر الأحبة ، يرون الحياة الباردة ، و يدفعونها برخص لأجل دفء البحر الذي يسحبهم إليه ، و الصمت هنا دفء بحر لا يسحب غريقه ، الصمت هنا جريمة .
في ( الرُّباعيَّات ) يقول :
إذا غبتُ عن كل الحروف وجدتني
رسولًا على سطر الهوى و سفيرًا
بيت آسر ، لسفير بين الحرف و السطر ، سفير يعرف كيف يقطع شوطه من هنا لهناك ، كيف يجعل المسافة بين السطر الجديد و النقطة مسافة عامرة بالشجون ...
فيقول في " حُزْن " :
أحسُّ بالحزن حتى الحزن يشعر بي
و أحسُّ بالضيق حتى الضيق مني ضاق
دارت بي الأرض و أصبح شرقها غربي
و غابت الشمس و توارت ورا الآفاق
ثم يسرد نهاية غير متوقَّعة ، ثم يسدُّ النبع الذي فتحه في بداية الكتاب ، يغلق بوجه القارئ بوابة بلاهة العاشقين ، يأتي بالحقيقة و فقط ، يدلي بالواقع الأصفر ، يترنَّم بصوت أعلى من نوح الوهم ، يكاد القارئ يسمع صيحته فيتجمَّد مكانه ، بينما الشمس تشعُّ بحدَّة ، و تتهدَّم البيوت المهجورة .
نُقْطَة ، سَطرٌ طَوِيل قَاحِل مُكْفَهِر
للكتاب أعطيتُ أربعة و نصف من خمسة ، النصف للثقل في الجزء الأول من الكتاب ، و لقليل من العبارات المكرَّرة ، المدهش أن الكاتب يقول أن هناك جزء مبتور من نص قصيدة ، بصراحة دهشت و فكَّرتُ : ماذا تبقَّى ليقال في هذا المقام ؟!
للكاتب كتاب تحت الطبع بعنوان : " رسائل البرق للمطر " ، و في تغريدة اقتطع نصًا من كتاب آخر يعمل عليه و أطلق عليه هاشتاق #امبراطورية_ن .
بصدق أنا في حماس للقراءة أكثر للكاتب ، كونه هنا في عدن يجعله أكثر عرضة لتشوُّقي لجديد قلمه ، في هذه الأجواء كيف يكتب ؟ و ماذا ؟ ، أودُّ لو أقرأ كثيرًا لنصوص الأدباء الذين يعيشون هنا ، كونهم مغمورين ، غير مدعومين من أحد ، و كون الكتابة و الأدب هنا يعتبر من الأشياء الغريبة التي تمارس بندرة شديدة ، لأنَّ استخدامها بهذه الكثافة يعتبر مجازفة ماديَّة عظيمة فهي لا تعد بالكثير لعدم وجود الداعمين .
على كلٍّ برأيي أحببتُ أن أدعو كاتب " آخر النساء " شاعرًا أكثر من كاتب ، إذ أن أبياته الشعرية مصقولة أكثر من نثره ، و في كل الأحوال أقف أمام قلمه الفنَّان ، و أشعر بالفخر كونه في عدن ، عنصرية ؟ مبالغة ؟ شيء من هذا القبيل ...
إرسال طلب للتواصل مع "أسماء بنت حسين"
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".