English  

مرتفعات وذرينغ

أسماء بنت 05 أغسطس 2020

( تقييمي للكتاب
  )

كتاب حافل بالأحداث ، معقَّد بالعلاقات ، مليء بالغرابة و لكنَّه أقرب للواقع بكثير من الخيال .

لم أسمع به من قبل ! ، و لكن عند قراءتي لسلسة الشفق تذكره ستيفاني من ضمن كتب بيلا ، تملَّكني الفضول نحوه خصوصًا عندما تقول ستيفاني على لسان بطلتها بيلا تعليقًا على الكتاب : كان الحب هو الشيء الصحيح الوحيد الذي كان بين هيثكلف و كاثرن .

تسلسل الرواية مذهل بدقته ، و لغته سهلة و سلسة على القارئ ، و رغم أن طريقة تصرُّفات الأبطال قد تبدو مملَّة و مبالغ بها إلا أنني تابعتُ حتى النهاية بنفس وتيرة التشوُّق الهادئ ، و لذلك أستطيع أن أعدُّ الرواية من تلك الروايات التي تجعلك تغوص بالتفكير في العلاقات بجدية أكبر من العاطفة ، رواية كافية لتكون أدبية فكرية و لم أستغرب كثيرًا عندما علمتُ أنها الرواية الوحيدة لإميلي برونتي ، لقد كتبت بصدق و بكل نضج ، و أظنُّ بأن من قد يكتب شيئًا كهذا ملمٌّ بكل هذه الأشياء سيشعر بأنه قد أدَّى واجبه نحو الكتابة ، و بالفعل فالرواية التي بقي تأثيرها و تشويقها كل هذه السنين منذ عام 1847 حتى الآن 2020 لا بدَّ أنها أدبية بالتأكيد ، و ثريَّة بالأفكار ، و مُلهِمة حقًا .

ببساطة للرواية سأعطي ممتاز ، و لولا المسيحية الباطلة التي تندسُّ في الحوارات و بعض الأحداث و حتى شخصية يوسف ، لكنتُ بلا شك أعطيتها ممتاز جدًا .

ملحوظة صغيرة : للدين اعطي نجمة دائمًا ، إن ذكر شيئًا يضادُّه بشكل عابر ، أما الكتب التي يكون غرضها الرئيس نشر عقيدة فاسدة أو دين باطل ككتاب ” قواعد العشق الأربعون ” مثلًا ، فإنها تسقط تمامًا بدون أسف .

كانت طفولة هيثكلف منذ البداية قاسية ، و لقد وقفتُ بصفِّه منذ جاء به السيد أرنشو إلى مرتفعات وذرينغ ، طفل أسود بعينين سوداوين و شعر أسود ، جائع بملابس ممزَّقة ، و يحضر فيرمقه الجميع باشمئزاز و الألطف منهم نظر إليه بشفقة ، السيد هندلي أرنشو لم يقبله ، الآنسة كاثرن أرنشو بصقت عليه ، و لكنَّه رمق الجميع بصمت و سلَّم نفسه .

هيثكلف كبُر ، عينيه توقَّدتا بشغف بالعلم ، و توق للصلاح ، كاثرن تقبَّلته بل أصبحت رفيقته ، و لكنَّ التركيز الذي أولاه السيد أرنشو له لم يكن لصالحه حيث أن الجميع بدأ يراه سببًا في تغيُّر السيد أرنشو ، و بكل وضوح كلنا نعرف أن البيض مهما أرادوا أن يكونوا متسامحين بشأن السود كي لا يأخذوا لقب ” عنصريين “، فإنهم لم يتوقَّفوا يومًا عن التشاؤم بهم و عدم الإرتياح معهم بشكل عام باستثناءات محدَّدة ، لذا لم يكن في منزل السيد أرنشو من يرتاح برؤية هيثكلف كثيرًا ، و مهما حاول الصغير أن لا يرى هذا فإنه لم يتردَّد يومًا أن يردَّ على عدم ارتياحهم بالظهور بمنزلة أقرب للسيد أرنشو و حتى القيام ببعض التصرُّفات القاسية التي تجعلهم يتميَّزون من الغيظ و لكنهم يصمتون كي لا يغضب السيد أرنشو .

هيثكلف طفل مشرَّد ، هيثكلف أسود ، هيثكلف يتمتَّع بدلال السيد أرنشو بدلًا من أبنائه الحقيقيون ، هيثكلف يجب أن يخرج من المنزل ، و لكن السيد أرنشو سيغضب ، هيثكلف يتجبَّر في مكان ليس ملكه ، هيثكلف يجب أن يغادر .

عاد هيثكلف بانتقام و ليس بطلب انضمام ، هيثكلف يدمِّر بدون توقُّف ، يدمِّر كل ما يشبه الماضي ، هيثكلف حريص على محو اسم عائلتي ” أرنشو و لنتون ” للأبد ، مقابل نبذهم له باستثناء السيد أرنشو ، هيثكلف يخفق .

طفلة كاثرن و لنتون غدت تحبُّ طفل هندلي أرنشو ، و طفل هيثكلف و إيزبيلا لنتون مات أو الأحرى قَتَله أبوه !

كاثرن أرنشو في كلا الوجهين ، وجه طفلتها و وجه ابن أخيها ، و لم يكن طفل هيثكلف يومًا يشبه كاثرن الحبيبة .

كاثرن تطارده كشبح ، كاثرن موجودة على الدوام و هو يؤمن بهذا ، كاثرن تعاقبه فلا شيء منها بقي في وجه طفله و لا حتى في وجهه هو ، كاثرن مرضه المزمن ، كاثرن التي لا يربطها به سوى الحب و ما عدا ذلك فهو خاطئ تمامًا ، كاثرن سلبته كل آماله باعتقادها بأنها سينحط اسم عائلتها بزواجها منه ، كاثرن ميتة و هو حي ، لا زال يمزِّق كل ما تبقَّى من العائلتين ، تعب من الإنتقام ، و يجب أن ينتقم من كاثرن على زواجها من لنتون ، يرى وجهها خلسة في التابوت ، و يزفر أخيرًا بارتياح ، و يذهب …

لكنَّها تتبعه أينما ذهب ، بات متأكِّدًا من أنها معه ، ينسى حبه لها فيمرض بها ، يموت هيثكلف قبل أن ينهي انتقامه .

عائلة لنتون و عائلة أرنشو لا زالت موجودة ، و لكنه لم يعد موجودًا ، ذهب حيث تكون كاثرن ، مات بها بعد طول موت !

الحياة المعقَّدة بالحب ، بالكره ، بالإنتقام ، بهذه المشاعر الإنسانية العنيفة ، تبدو أكثر سلامًا بالتخفيف منها ، و التقليل من جرعتها ، و لكن أنَّى هذا و الإنسان العنيف لا زال نحن .

لو لم يحبُّ السيد أرنشو هيثكلف لما جاء هيثكلف إلى مرتفعات وذرينغ ، و ما أحب كاثرن ، و ما كرهه أهل المنزل ذلك الكره ، و ما انتقم هو فيما بعد منهم أجمعين .

مشاعر إنسانية بحتة ، و لكن المبالغة رافقتها فأصبحت مدمِّرة أكثر من أن تكون دافئة و مُصلِحة .

بهذا الكتاب أتأكَّد أن المبالغة دومًا مؤذية ، و أن زرع اليوم لابدَّ يحصد غدًا أيًا ما كان ، و أن الحبَّ عندما يتحوَّل إلى مرض فليس لنا سوى الإبتعاد حرصًا على أنفسنا أولًا و على الذكريات الجميلة تاليًا ، فلماذا نلطِّخ اللوحة التي رسمناها معًا بالأسود ؟

كان يمكن أن نعلِّقها على جدران الذاكرة فنبتسم عند رؤيتها و نمضي !

و علمتُ أن مكان الإنسان يجب أن يكون هو المكان الصحيح كي لا يصبح الإنسان ذا وجود خاطئ ، و بهذا أعرف أن الإبتعاد ليس حلًا سيئًا ، و أن شجاعته أهم بكثير من الحفاظ على نفس المكان .

إميلي برونتي توفيت بعد عام واحد من كتابة هذه الرواية ، و رغم أنني أعرف أنها ماتت بداء السل ، فإنني أفضِّل أن أرى بأنها ماتت بعد أن أدركت بأن كتابها حمل كل مشاعرها الإنسانية التي يمكن أن تبثَّها مع الوقت ، لذا لم يبقَ لها الكثير منها سوى ما عاشت بها عامًا واحدًا بوهن المرض الذي بالتأكيد لم يستلزم منها مشاعر إنسانية كثيرة ، ماتت إميلي و لكن بعد أن أعطتنا نبذة عن جانب انسانيتنا المدمِّر أكثر من الباني أحيانًا .

عدوي اللدود

أسماء بنت 05 أغسطس 2020

( تقييمي للكتاب
  )

إن سالي قوية ، رهيبة بصورة متفرِّدة ، من بداية تمسُّكها بالحياة الاجتماعية ، إلى أن تقبل المهمة على مضض و تمضي بأفضل ما يمكن لمشرفة ميتم أن تفعل .

كان غوردون من البداية القطب الموجب بالقضية ، و سالي أيضًا كانت تحمل نفس قدراته و خلجات روحه ، و يتجلَّى هذا في الخلاف الذي يتَّهمها و هو يرتكي على إطار الباب بشيء ما نحو الطبيب مكراي ، كانا متشابهين جدًا و ذروة تشابههما كانت في سردها للغيبة من الطبيب ، كان غوردون البادئ و هي لم توقفه بل زادت الطين بلَّه بتلك الصفات التي أطلقتها بحنق كي يرضى ، لأن الحالة الطبيعية من الإتهام مثل هذا أن لا تسبُّ الطرف الثالث بل أن تقف مع الأسباب التي تدعوه لإطلاق التهمة بهدوء و عقلانية ، و هذا أبدًا لا يتعارض مع قوَّتها و لكنَّه يتعارض مع شخصيتها و تصرُّفاتها الطبيعية ، و عودة لعلاقتهما التي رأيتها منذ البداية مبتذلة و مملَّة فأعزو السبب إلى تشابههما الكبير في الدواخل ، و في القوَّة أيضًا ، و بطريقة ما هما لم يهتديا للطريق الصحيح في فهم أحدهما الآخر و المضي بعجلة حياتهما بحماس أكبر ، سالي معتادة على الحركة و التأثير ، و غوردون رتيب أيضًا في حماسته و ترك بصمته ، منذ البداية كانت كل الأشياء تشير على عدم وجود حب حقيقي مذهل بين الإثنين قد يساعدهما على تخطِّي حاجز الملل الذي يخلِّفه تشابههما حدَّ التطابق ، كانت الأمور بينهما أقرب للرسمية و العلاقات الجوهرية العابرة ، هو حتى لم يبادل ما أحبَّته سالي الحب ، و لم تحبُّ هي ابتعاده الذي يحبه ، سالي مكبرايد تكوَّنت أهم نقطة في شخصيتها خلال الرسائل و هي البذل و الطاقة التي تحتاج تصريف ، و كانت في غمرة إنتاجيتها حتى رأت أن زواجها منه سيحرمها تلك البصمة الذهبية التي هي في أشد التوق لوضعها ، و كان غوردون لا يريد أيًّا من انتاجها الذي تتفاخر به ، بل و صار الأمر أحيانًا إلى احتقاره و اعتباره لما تفعل بأنه شيء من المزاح و المهزلة ، و بالتأكيد لم تكن شخصية سالي من بادئ الأمر ضعيفة بل كانت قويَّة و صارمة حتى في لهوها في الحياة الاجتماعية التي قضتها قبل أن تصبح مشرفة جادة ، و بهذا نرى أن الإمكانيات بين توافقهما ضئيلة جدًا ، و وددت لو أقبِّل رأسها عندما قرَّرت فسخ الخطوبة ، فلو كانت استمرَّت و لو كانت مضت حياتهما معًا ، لما كانت لتكون حياتهما مذهلة أبدًا ، فإما أن تنتهي بطلاق حافل ، أو أنها كانت لتستمرَّ بجرح متقرِّح و قبيح و هذا لا يحدث دائمًا في الغرب و عند الأجانب ، و لكنَّه معمولٌ به في الشرق و في هذا المجتمع تحديدًا .

” يا إلهي يا سالي ، هل تظنيني مخلوقًا من حديد ؟ “

في هذا الموقف تحديدًا ، فهمتُ كم كانت سالي بحاجة لأن تكون شخصًا باذلًا أكثر من متلقِّ ، و كم كان ساندي في المكان الصحيح من الحكاية ، الشيء الوحيد الذي أخَّر تقدُّم الإثنين منذ البداية ، و في التأخير ذاك خير ، حيث كان الوقت متاحًا لهما بالتفكير أكثر حول الأمر ، و بالتالي تقوية تلك المشاعر بينهما ، حتى إذا احترق الميتم و هرع ساندي لنجدة ألغرا تفجَّرت تلك العاطفة ، و إن كان رفضه رؤيتها قد جرحها قليلًا ، و لكنَّ الشرارة التي تمتلكها سالي من حيث الجرأة ، لم تنطفئ للأبد بل وصلت لتركها له رسالة خاصَّة بسرد حنقها من رفضه لرؤيتها ، و بشيء من التفاوض نجح الأمر و بشكل مُرضٍ أيضًا للحب الذي طال كبته بينهما .

و على أيَّة حال فالحب ابتدأ منذ أطلقت سالي على السيد مكراي لقب ” عدوي ” بل و تفنَّنت بعدها بإضافة ” اللدود ” و أحيانًا ” الألد ” ، و فعلًا كان عدوًّا بشكل مبالغ به ، في حين أن العدواة بينهما كانت غلافًا لودٍّ ينمو مع الأيام .

” و لست أمانع في الهرم معك يا ساندي ”

و هنا بوضوح نرى أن تصاعد الأمر بين الإثنين لم يكن هينًا أبدًا ، بل كان ذا أثر عميق حد ذكر الهرم و الشيخوخة بأمل و قوَّة تليق بسالي مكبرايد ، سالي التي خافت مع غوردون من فشل بالزواج ، و مع ساندي شعرت بالأمان التام حدَّ ذكر الهرم و تخطي مراحل العمر الطويلة .

الأسلوب الاسكتلدني الرهيب كما وصفته سالي ، هو ذاك الأسلوب المُشاع غالبًا هنا ، و في الروايات الخليجية تحديدًا يُتفنَّن في سرد طرقه ، و هو أسلوب للمتحفِّظين من هذه النواحي ، و برأيي أنه شيء جميل و يُضفي نكهة جميلة و لكن لا يصح الإستمرار به طويلًا فهو يُصبح مبتذلًا جدًا بالمبالغة به .

إن سالي أبدعت في أفكارها الترفيهية و المتنوِّعة ، فأقامت المخيَّم و غيَّرت الزيَّ الأزرق الكئيب بمربَّعاته ، و أنشأت المزارع الخاصة و فكرة صناديق الألعاب الخاصة و تبادل العملات بين الأطفال اليتامى ، و الكثير من الأفكار المدهشة التي نفَّذتها بصحبة ساندي مكراي ، و لو كنتُ مكانها لكنتُ أشدُّ حماسًا و لكنني لا أظنُّ أن انتاجيتي و فعاليتي ستتفوَّق عليها ، فهي شرسة جدًا و هذا رهيب و مثير حقًا .

في التلميحات العابرة عن عائلة بندلتن شيء من الإطمئان الذي أُلقي على عائلتهم ، نفحة سلام حملتهم للجنوب و حيث الساحل و كثير من الترفيه ، و جودي تستحقُّ بلا شكَّ ، و لكن بطريقة ما شعرتُ بالضيق من جيرفس عندما يكون سببًا في جعل جودي البسيطة عملة صعبة لا تكاد ترى ، و أتساءل حقًّا لماذا تصبح الحياة أثقل بعد الزواج ؟ و من أين المشكلة ؟

هل هو الرجل الذي يبدأ بتحبيط المرأة و جعل خروجها و تنقُّلها صعبًا ؟

أم أن المرأة نفسها تبدأ مسيرتها في أن تكون أمًّا مملة و منعزلة ؟

و بصراحة لم أستطع تركيب صورة جودي المتزوِّجة من جيرفس ، و جودي الصغيرة في الكليَّة و التي تكتب بحماسة عن أقل الأشياء بأكثر الكلمات ، جودي في ” عدوِّي اللدود ” تبدو سيدة من الطبقة الراقية ، أنفها مرفوع و عينيها لا تنفد إلى كل الأشياء ، و اهتمامها لا يتعدَّى دائرتها مع جيرفس و طفلتها التي عجزت عن تخيُّلها ، و برأيي أنها كانت أجمل ببساطتها و لكن بأية حال هي ليست البطلة ليتم التركيز عليها ، و هذا ما لا أستطيع تقبُّله حاليًا ، أن جودي ليست البطلة في الجزء الثاني ، و أشعر بنوع من الرغبة بلومها عن تنحِّيها عن الصورة ، و تركها سالي تكون الراوي ، و بالرغم من أن سالي رائعة و سردها جميل إلا أن جودي مليئة بالمفاجآت بعكسها ، فعندما كانت سالي الفتاة التي عاشت برخاء و تتقبَّل الأشياء بسلاسة أكثر رغم أن حياتها حافلة حتى بعد أن أصبحت مشرفة للميتم ، كانت جودي شديدة التركيز و حياتها ذات تفاصيل أقل ، و تذكر أبسط الأشياء بتفنيد مفصَّل و مشوِّق .

صاحب الظل الطويل

أسماء بنت 05 أغسطس 2020

( تقييمي للكتاب
  )

جين أبدعت في نقل جودي من لقيطة في ميتم نفد وقتها فيه إلى متخرِّجة من الكليَّة و سيدة مجتمع قادرة على التأثير ، ببطء و سلاسة لن يشعر بها المشاهد أو القارئ ، و لكنك ستقع على حقيقة أن جودي أبوت لم تعد تلك اللقيطة التي تغسل وجوه مجموعة من الأطفال كل صباح ، و تخرج معهم إلى فناء الميتم فتسلِّيهم برسم صورة للآنسة ليبيت على باب مخزن الحطب ، لم تعد جودي مجبرة على خياطة ملابس الصغار ، و لا غسيل الصحون الكثيرة في المطبخ فقط لتبقى في الميتم بعد وصولها لسنِّ 17 ، جودي أصبحت تعرف روايات شكسبير و تعرف مايكل آنجلو و تعرف أيضًا موريس ماترلينك و الكثير من الكتب التي حتى أنا لم أعرفها أو لم أقرأها بعد ، جودي أبوت بدأت من ميتم و انتهت بوجود ، وجود في قلب كل متواجد ، و لم تعد شخصية في كرتون كان رواية ، بل أصبحت كائن يزخر بالإبتسام بوجه كل الصعوبات ، يقطن في قلب كل متفائل .

علَّمتني جودي دائمًا أن البداية قد تكون مؤلمة للغاية ، و قد لا تكون هناك بداية ، و في الوسط ذكَّرتني بالمحارب الشجاع الذي رغم إصابة قدميه بادئ ذي بدء إلا أنه قام مستندًا على قدمين مستعارتين كانتا لصاحب الظلِّ الطويل ، جودي تقول ” بدأت أشعر ان العالم هو بيتي ، و كأنني أنتمي حقًّا إليه و ليس ازحف على سطحه فحسب ” ، لم ترضَ جودي بأن تكون زاحفة عليه فقط ، دبَّت بحركتها عليه ، عوَّضت عن كل تلك الظروف ، حتى أغرقتني في غيرة تامة منها ، غيرة عمياء ، و تمنَّيت وقتها و قوَّتها ، و حبها الخالص لصاحب الظل الطويل و جوانب حياتها التي لم تتشبَّع بغير الفائدة ، و أولًا و أخيرًا دائمًا حلمتُ بصاحب الظل الطويل ، على هيئة صامت يقرأ لك بكل شغف ، يجلس على مكتبه الفارِه و يفتح مغلَّف رسائلك بحرص ، يقرأ بانسجام تام و اهتمام بالتفاصيل ، ثم يعيد الرسالة و يضعها داخل صندوق خاص و يحفظه في الدرج الأعلى كي يعود له في أي وقت اشتاق به لك ، جودي وصلت في الأدراك مرحلة تقبُّل انقسامات الأشياء و ليس العمل على رفضها بالأدلة القاطعة ، جودي شخصية صقلتها الظروف لتصبح بتلك المناعة الباهرة من كل الإسقاطات التي واجهتها ، أرهبتني عندما رفضت الذهاب للمزرعة قبل بدئ العام الأخير و ذهبت مع آل مكبرايد إلى المخيم ، أدهشتني عندما وضعت كتابها في سلَّة المهملات بكل رضا و سلام ، كانت متصالحة مع نفسها كثيرًا للحد الذي لم تشعر مرة بتأنيب الضمير على ما يبدو ، هي كانت قادرة على قول رأيها بكل صراحة و صدق ، ثم تغييره إن لزم الأمر و بكل بساطة و ثقة أيضًا ، جودي مثال المرأة الناضجة رغم كل الظروف .

أبكتني جودي مرَّة على ما أظنُّ في الماضي ، و أحرقت حلقي بالعبرة مرَّات كثيرة ثم اطفأتها بأسلوبها المازح و كأن شيئًا لم يكن ، و جودي بالأمس ذكَّرتني بكل ذلك ، و أضحكتني مرَّات كثيرة أثناء القراءة لها ، جودي قادرة على التأثير و هي شخصية في كتاب ، فما بالك بها كشخصية تعيش في أرواح أولئك المناضلات في درب الحياة ، جودي منهج حياة أكثر من كونها تجربة عابرة فيها ، و صاحب الظلِّ الطويل العنصر الذي لم يفعل شيئًا أكثر من فتح الباب أمام جودي أبوت لتنطلق نحو الحياة ، بعد أن وضع في رقبتها شريحة حب تنبِّؤه بكل المستجدَّات ، كان جيرفس و لا يزال رجل كثير من الفتيات ، و لم يكن رجلي جيرفس ، كان رجلي المفضَّل صاحب الظلِّ الطويل ، الذي لو أردته أن يكون فسيكون صاحب الظل الطويل إلى الأبد و لن يعود جيرفس مرَّة .

و لو أردت قبلة حياة فسأبغيها على صيغة صاحب الظلِّ الطويل حين قال : صغيرتي الحبيبة جودي .


تقول جودي بأنها قد وجدت السعادة و هي ” أن تعيش اللحظة فقط ” ، قالت هذا لصاحب الظل الطويل إلا أنه لم يكن كافيًا القول فقط ، كانت ذات مساحة فكرية فارغة و مُعدَّة للملء بطبيعتها المحبَّة للمعرفة ، و عندما بدأت تتوسع في عرض أفكارها بدوريَّة على صاحب الظل الطويل ، كان هذا بدون شك يخدم ادراكها بحقيقة الأشياء و طبيعة انقسامها ، و هوية صاحب الظل الطويل التي بقت غامضة عنها حتى الوقت المناسب كانت ممتازة ، فلو أن صاحب الظل الطويل كان قد كشف عن هويته منذ البداية لم تكن لتصل جودي إلى تلك الحالة من الإدراك و النضج و الرضا التام عن ما أدركته طوال حياتها ، و لم تكن لتصل إلى ذلك الإرتواء من صدق الحب إلا عندما ضحك جيرفس و رفع يده قائلًا : صغيرتي الحبيبة جودي ، ألم تعرفي أنني أنا صاحب الظل !

كيف يمكن لجودي ألا تكون مثالًا لشرح أن الحياة لا تتوقف على بداية ، و أن الوجود لا ينتهي لأجل وحدة قائلة ، إن جودي برأيي محظوظة كثيرًا ، للحد الذي كانت فيه امرأة حرة ، تستطيع أن ترفض فيها أمر من يعولها من خلف حجاب ، امرأة قوية كي تقدر على تنفيس غضبها برسالة و إرساله إلى من يجب أن يتحمَّله ، ثم بكل قوة أيضًا تعتذر عن ثورتها التي ظنَّت أن اللباقة لا تحيِّيه مع تمسُّكها بقرارها و رأيها ، جودي مربكة و قد فعلت معي هذا ، فأسكتت كل تلك الأعذار الواهية التي خبَّأتُها لأي غضب قادم تجاه نفسي ، داست جودي على جرح وحدتي ، جعلتني أتقلَّب في فراش الغبطة من صاحب الظل الطويل صاحبها الأكيد ، في النهاية قَرَأت أكثر مني ، و ذكرت اقتباسات من كتب حتى لم أسمع بها ، و الأهم أنها نجحت دائمًا مع كل إخفاق لها ، بإصرارها و جهدها نَجَحَت ، و فشلتُ دائمًا مع الأسف .

عروس المطر

أسماء بنت 05 أغسطس 2020

( تقييمي للكتاب
  )

خدعة .

المطر خدعة ، الأرض الباكية صفعة ، ألوان السماء كذبة ، الأسماء لا تختارنا ، الأسماء تجيء معنا ، أينما ذهبنا لحقتنا ، كظلٍ دؤوب الحركة ، لا يكفُّ عن اللحاق بنا .

حقل البطاطا فشل ، اللون الأخضر ذبل ، و المرآة الواقفة أمام أرواحنا أنثى .

أنثى لا تنتهي ، واسعة كثيفة ، عينيها بلا عسل ، و شعرها عاصفة غبار هائجة ، لا إسم لها ، و لا شيء ينتمي لها أكثر منها ، لا تنتمي للأرض كما لا تنتمي للسماء ، شيء ما بين ذلك انتمى لها ، كقطرة مطر لا زالت تسقط ، كذرة هواء قبل أن تُستهلَك ، أنثى لا بدَّ يصفعها الوقت كي تتجشأ وجودها .

قلبها ما كان أحمر ، و جسدها كان مائعًا كطحلب ، في الداخل كانت بؤرة وهم تبتلعْها بينما تبتلعَها ، خواء أصفر يجتذبها من طرف ضفيرتها ، و قرطها اللامع يشدُّ أذنيها إلى الأسفل .

إلى الأسفل ، حيث صوت الوهم الذي ابتلعها بينما تبتلعه .

كانت ممزَّقة ، ثوبها على شكل قوقعة ، رأسها تحوَّل قبَّعة ، ألوان الحياة دجل .

ما كانت لترى ، لتحكم !

ما كنت لتعي ، لتُقسم !

صندوق الأسرار كذبة ، رائحة الحجرة الجميلة خدعة ، و لون الأباجورة الساحر محض انعكاس .

ما كنَّا لنبقى ، بكل ذاك الشتات ، بكل تلك الأحلام الهزلى ، بكل تلك السنين الثكلى ، ما كنَّا لنمضي .

و عندما تتوه أسماؤنا عنَّا نختفي .

نبدو كشيء كان ذكرى .

ما كنَّا لنرضى ، أن نسقط في شرنقة ذكرى .

عدنا .

لنحيا ، بأسمائنا مرَّة أخرى .

( اسم يتأرجح بين هاجس الظهور و جنَّة الغياب ، إسم متردِّد ، مشاع ، يمكن أن يكون أيَّ شيء بطول المسافة الفاصلة بين الوردة و الجيفة ، بين اللقلق و التابوت ، بين الأمير و الضفدع ، بين الأغنية و الدمعة ، يمكنني أن أكون أيَّ شيء ، بل أنا في الحقيقة كل شيء ، و لفرط اتساعي و قدرتي على مزاحمة أي اسم على اسمه فأنا ما أزال أمامي ، غير مرئية ، غير معروفة ، مثل كتلة مائعة من الهلام )

أغيثوني .

أين صبَّارتي ؟

التوليب التي قد ذبلت ؟

أصداء المكان تضربني ، لوح وجود ينتصب أمامي كمرآة تفضح هلاميتي ، عيناي بؤرة ضياع ، و في وجهي بقايا شجن .

التوليب وهم ، صندوق الأسرار وهم ، كعكة عيد الست و عشرون وهم ، الشخص الذي احتضن قَدَم بكل ذلك الحب كان محض وهم .

كانت أسماء واسعة منذ أن جاء معها اسمها ، كبيرة جدًا للحد الذي ترى به أشياء وحدها تراها ، ليس بنوع من الدجل ، بل بنوع مُحكم من الوهم .

أسماء تحاول أن تمتلئ ، لكن لا تمتلئ ، و هي تعرف أنها لن تمتلئ ، و هي تدري أنها لن تتوقف عن ان تكون إسمًا لأي شيء ، يمكنها في لحظات أن تكن شيئًا أسطوريًا بالجمال ، و يمكنها بلحظة واحدة أن تصبح كوم دمامة إلى دمامة .

أسماء لفرط اتساعها سقطت ، في حفرتها وحدها سقطت ، بداخلها ابتلعت نفسها و سقطت ، كانت تريد أن تملأ نفسها فسقطت ، العالم كان غني عن امتلائها فسقطت ، كانت غير مرئية و سقطت .

فيما بين هاجس الظهور و سلام الغياب تمزَّقت ، بثلاث أشياء تهشَّمت ، توليب مُنتحر ثم صندوق أسرار لم يكن ثم روح سبق و أن تلاشت في البعيد .

كانت الآن شظايا ، لا تستطيع الإلتقاء عند نقطة ، ما كان الإتساع يومًا شيئًا ، كان بؤرة .

و عروس المطر كانت وهمًا كذلك .

و وحده الوهم من فاز بحنكته .

بثينة العيسى ..

لقد كتبتِ بقسوة ، مزَّقتِ كل أسماء مرَّت على أسماء ، مجرَّد تساقُط شظايا إلى شظايا ، رُكام .

الإتساع هذا الذي ولد معنا حقيقة ، و هذا السبب في أنه كان غريبًا عنا ، نحن أولو الوهم ، من نرى ألوان لا وجود لها ، كلُّنا دجل ، منذ بداية جهلنا الذي استمرَّ .

الكون حق ، الروح حق ، وحدها الأشياء ما كانت مُلزمة بالحقيقية ، و كنَّا دومًا على شفا سقوط هائل ، إلى الخارج كي نبتلعه ، و إلى الداخل كي يبتلعنا ، نحن في غمرة ، غمرة بعيدة نبحث عنا و عن حقيقة شيئًا ما كان حقيقة .

إن الحُفر كثيرة و هذا مرعب ، تنظر حولك بهلع ، تبحث عن لغم لن تراه ، على الأرجح أنت تقف عليه !

الكثير من الأسماء تتساقط .

بعضهم إلى الداخل كي يبتلع نفسه ، أو إلى الخارج كي يبتلع الأشياء من حوله ...


رواية ” عروس المطر ” لبثينة العيسى .

رواية جاءت في الوقت المناسب ، لتفنِّد فوضى الوهم و الواقع بداخلي ، كي أفكُّ بتؤدة طلاسم بطلي الذي سقط .

بأي حفرة سقط ؟

بدون مبالغة ، حتى الآن لا أدري .

معرفة الواقع مماثلة للواقع بصعوبة تصوُّرها ، لذا يجب أن نفكِّر بهدوء كثيرًا .

للرواية أربعة و نصف بكل حب .

النصف لروحي التي سقطت في غيِّ الأصفر بلا مبرَّر .

و الأصفر لون انعكاس الفاجعة دومًا .

هذا ما جعلني أرتعد عند أول فقرات الرواية ” ساعدي أصفر ” .

( فاجعة في الإنتظار ) عنوان آخر للرواية .

فسحة بويكا

أسماء بنت 05 أغسطس 2020

( تقييمي للكتاب
  )

شيء جميل حقًا ، قصص غريبة ، و قصيرة أحيانًا لا تتعدى الوجه الواحد ، قصص هادفة أحيانًا ، مضحكة في أحيان أخرى ، باختصار قصص أدبية رائعة بالفعل .

ذكَّرتني بالقصص التي كنتُ أحبُّ كتابتها على هيئة مقاطع متفرِّقة ، و لكني كنتُ توقَّفتُ عن كتابتها بعد أن شعرتُ بأنها لا تفيد في شيء ، إلا أني الآن اعود و أقول : هي من ضمن الأدب الحر ، أدب رائع و ممتع .

جدار يقصُّ قصته ، لوحة ، مسمار ، و بطريقة تشدُّك إليه حقًا ، يمكنك قراءته بجلسة رائقة ، أو قبل النوم حتى !

و بصدق أشعر بالخجل من هذا الرأي المترهِّل ، و لكن بما اني انهيته قبل أمس ، فقد بدأتُ أفقد البريق الأول الذي يعطيك إياه أي كتاب أدبي جميل و مغمور ، و لكن باختصار أقول : ” فسحة بويكا ” يحوي قصصًا شيِّقة ، و هادفة جيِّدة جدًا .

لأنني أحبك

أسماء بنت 05 أغسطس 2020

( تقييمي للكتاب
  )

” لأنني أحبُّك “

ما كان هناك عبارة كهذه قط في الكتاب على ما أظن ، و لكنَّ الظروف كانت كفيلة بأن تصرخ بهذا للابطال .

أخَّرتُ قراءة الرواية بظنِّي أنها عبارة عن قصَّة حب صرف ، و لكنني ما لبثتُ أن دُهشتُ بها و بأحداثها و بأبطالها حتى .

كيف يمكن للكاتب أن يكون طبيبًا نفسيًا على لسان أحد أبطاله ، طبيب نفسي يعالج قرَّاءه بالكلمات الواثقة التي يحشرها في النصوص ، رغبة الحياة تتجلَّى ، الإمتنان للظروف يطغى و الكثير من السلام يجوب بالداخل .

لو طُلب مني اختيار عنوان لها لقلتُ بلا تردُّد : في الداخل .

حيث أعاصير الفقد ، نوبات السقوط ، دفعات الإنتقام ، و مساحة الخواء البارد تمامًا .

يمسك بالتقلُّبات النفسية ، يفنِّدها على مهل ، يجلد صاحبها بسوط حب حارق ، غالبًا يصل إليه عبر الكلمات .

عندما كتب غيوم ميسو كان لا شكَّ يكتب لنفسه أو ربما لشخص ما يعيش بداخله ، ذلك لأنَّه كلماته تبدو صادقة مهما بدت مستحيلة أو حتى معقَّدة ، حتى بالنسبة لتلك الفقرات التي تتحدَّث عن التنويم المغناطيسي بكلمات علمية صعبة ، ستقرأها و كأنها شيء تعرفه ، شيء كنتَ قد عرفته من قبل أو ربما كنتَ تعرفه بفطرتك دائمًا .

كل تلك الحياة التي يعيش بداخلها الأبطال ، خليط من الفقر و الجوع و اليُتم و القتل و السرقة و الغنى الفاحش و الفخر و النجاح و حتى الإخفاق ، كل ذلك كان خليط حياة لم يتجلَّى لأصحابه حتى وجدوا أنَّهم حقًا يخشون الموت ، و يهابونه ، و لا يريدون قدومه حقيقة مع أنَّهم تجرَّؤوا دائمًا على مواجهته ، لكنَّهم بطبيعة الحال كانوا واثقين بطريقة ما أنه لن يأخذهم حتى ذلك الوقت .

في الحقيقة لم أستطع تقبُّل فكرة إعطاء فرصة حياة أخرى لقاتل ، حتى إن كان بدافع الإنتقام ، لم أستطع تقبُّل الأمر ، قد يكون شيئًا فطريًا و قد يكون نتاج قراءتي المتشدِّدة لمنطق إجاثا في قصصها ( على القاتل أن ينال عقوبته ) هذا هو الحل الأنسب .

القتل الغير مصرَّح عبارة عن حافَّة ، إن خطوت بعدها فستقع حتى الأسفل ، و ليس هناك أي فرصة في استعادة خطوتك للوراء ببساطة ، لأنك الآن ستكون بالأسفل ، بعيدًا تمامًا عما كنته قبلًا .

” قد تُشفى لكنَّ المرض سيبقى مترصِّدًا ” هذا ما سيحدث معك بالضبط ، ستنهض ربما إن كنتَ لا زلتَ على الفطرة ستحاول تسلَّق المسافة الوعرة التي قطعتها بخطوة واحدة رخوة ، هذا سيحدث عندما تجد العدالة طريقها إليك ، ستُعاقب و ستمضي في عقوبتك أكثر ارتياحًا و تصالحًا مع نفسك ، ستمضي بتسلُّقك بكل جد ثم عندما تصل للأعلى مجدَّدًا لن تعود هناك حافَّة ، كل ما ستجده عبارة عن سلَّم مريح للقاع .

هكذا يكون حال القاتل .

الحلُّ هو العقوبة العادلة ، به يعود الإنسان بداخلك للظهور ، إنسان جُبِل على احترام العدل ، و فُطِر على الفطرة السليمة ، إنسان سقط لكنَّه صعد مجدَّدًا .

هذه الرواية تعطيك رغبة في الحياة أكثر ، و ربما تُصيبك بنوبة حركة نشيطة كما فعلت بي .


غيوم ميسو في ” لأنني أحبك ” كاتب لعوب لا تركن إليه في سير الأحداث ، تمامًا كما تقرأ لإجاثا كريستي ، تقرأ و تفكِّر ، تقرأ و تنقِّب ، هو فقط يحشو رأسك الكثير من الفكر ، و دورك أن تمضي وقتًا طويلًا معه ترى ما يمكنك قبوله و ما لا تستطيع أن تتقبَّله ، فهو يتحدَّث عن الكثير من الأشكال الإنسانية ، و ليس عليك تقبُّلها كلها ...

آخر النساء

أسماء بنت 05 أغسطس 2020

( تقييمي للكتاب
  )

( آخر النساء )
كتاب أدبي للكاتب الجنوبي اليافعي " صالح الناخبي " ، في مقدِّمة الكاتب يعترف أن الكتاب قد لا يقبل النشر نظرًا لخصوصيَّته ، و في هذه اللحظة أتوجَّسُ قلقًا فأنا أكره اقتحام الآخرين ، بالأحرى أحبُّ أن أخمِّن ظروف القصة برأسي بدون أن يدلُّني عليها أحد ، و بما أن الكاتب يعترف بخصوصيَّة النصوص ، فهذا وتَّرني ، حتى كدتُ أترك قراءته كليًا ، و لكن التذليل الأخير سمَّرني ( عدن - 25 مارس 2019 ) !
متى أتوب من حبُّك يا أيتها العروس البرتقالية ، عدن .. أيُّ شغف هذا الذي أنتهجه معك ، أي حبٍّ هذا الذي أوقفني امام اسمك لثوان طويلة ثم سافر بي عبر كتاب كامل " رومانسي " ثخين ، أنا التي لا تقرأ بهذا الإخلاص إلا كتب الجرائم !
و لما رأيتُ التذليل وجدتُ نفسي أقرأ و أقرأ ، مرَّة بإنهاك من تحمُّل سيل المشاعر المحشورة في النص و التي لا يقدر عليها إلا أصحابها ، و مرَّة بشرود في تفاصيل التفاصيل ، و أخرى بتمعُّن منذهل من الاستعارات و التشبيهات الإبداعية التي أسرتني كثيرًا و منها : " و نور قادم من عين القمر ! " و " كفَّان كأنَّهما حلم ، كأنَّهما أمل " و " يا نسمة الفجر يا ترنيمة المطر *** يا بسمة الشمس يا تلويحة القمر " و " أنتِ يا تغريدة الفجر و يا قطر الندى " ...

حتى انتهيتُ من ( نصف ساعة فقط ) هنا فقط تنفَّستُ الصعداء ، تلك الحمولة الكبيرة من المشاعر بدأتُ بالتخفُّف ، بدا مشوار النصف ساعة كاتمًا للأنفاس ، حابسًا للتفكير حتى ، الأدهى أن يُدرك القارئ أن ما وراء النص قلبٌ صادق ، قلبٌ عاشق بتلك الكمِّية المخيفة ، يفرد تراتيله الحبيسة ، يترنَّم بها بكل ما فيه ، كغيمة رمادية داكنة ، خرجتَ تحتها بدون مظلَّة !
بعد نفس عميق ، فتحتُ عينيَّ بشيء من الثقل و عدتُ لأقرأ " مجنون نورا " ، و بودِّي لو أقسم على ذلك ، قصيدة كاملة آخر كلمة في كل بيت لها [ نورا ] ، شيء مربك ، مدهش ، مذهل ، قصيدة جعلت كمُّ اكسجين يكتسح داخلي فأنسى الثقل الأول ، و أهرع للقراءة بشغف أكثر مجدَّدًا ، لا أدري ما السبب الذي جعل قصيدة " مجنون نورا " تريحني ، ربما هو اعترافه بأنه وصل إلى الجنون بها ؟! ربما لأن جنونه جعله يدلي بذلك الكمِّ من الأبيات الأكثر من رائعة ؟! أو ربما ارتياحي بأنَّه فاق حبُّها بحبِّه لها ! لا أدري و في كل الأحوال كانت القصيدة ماتعة بحق .
من أجمل الأبيات فيها هذه :
إن متُّ قبل لقاءها فوصيَّتي *** ذرُّوا عظامي في مسالك نورا
علَّ الرياح تهبُّ أول ساعةٍ *** فيطير مني ما يلامس نورا
دقُّوا عظامي و انثروها جيِّدًا *** في يوم ريح نحو منزل نورا


مذهل مذهل جدًا ، حتى أني توقَّعتُ أن أجد بيتًا متهالك في بنيته بما أن نورا كلمة لازمة في نهايته ، و لكني لم أجد ، بالرغم من أني لم أدري الشعر و لا أكتبه ارتجالًا إلا في النادر _ بحسب الطبيعة العربية _ ، و أكاد أجزم أنها قصيدة متكاملة في نظر أي قارئ ...

ثم نجيئ لنثر ( طائر ) ، نثر أربك قلبي المتيَّم بهذه المدينة الجميلة عدن ، يقول عنها : أمُّ المدائن إنَّها ، لكنَّها أمُّ البشر ! ، أستطيع القول بأني فهمتُ أنه كاتب محنَّك خلال هذا النص ، كاتب يعرف كيف يصف الحبيبة ، كاتب يعرف كيف يستخدم الكلمات و كيف يتلاعب بها بكل مرونة ؛ من هنا يستطيع المرء أن يحدِّق بالكلمات فيتراءى له خيال كاتب النص بعد أن كان في بداية الكتاب صاحب حرف ثمل بالحب ، يهذي بالغزل ، و يعد وعود العاشقين و يتبعها بـ " للأبد " ...

في الـ ( متكَّأ ) تبدأ النصوص تصغر ، و لكنَّ تصير في اتزان أكبر ، و تُحبَك بطريقة أكثر من جميلة ، حتى لكأنَّ نصًا أطاح بي ، فتيبَّست حدقتاي طويلًا عليه ، أكرِّره دون كلل ، أكرِّره بصوت أخفت و أخفت ، بوجل أكبر و أكثر ، و بشيء عميق يشبه الانشطار :
أيا من تظنِّين
صمتي انكسارًا
ألا تعلمين ؟
سكوتي كلام

ثم ، قالت : الصمت لا يعني الرحيل ، و لكنَّه انتقال إلى مرحلة جديدة .

الصمت مسألة شائكة ، المراحل الجديدة و الرحيل أكوام من قصص غير منتهية ، رسائل بدون ظروف ، الكلام حُفر ، و الشفاه أعشاب تغطِّيها ، الحبُّ سبيل المجانين ، طريق الباحثين عن السعادة دفعة واحدة ، المفتِّشين في جيوبهم عن موت مبكِّر ، الغارقين حتى انوفهم في بحر الأحبة ، يرون الحياة الباردة ، و يدفعونها برخص لأجل دفء البحر الذي يسحبهم إليه ، و الصمت هنا دفء بحر لا يسحب غريقه ، الصمت هنا جريمة .

في ( الرُّباعيَّات ) يقول :
إذا غبتُ عن كل الحروف وجدتني
رسولًا على سطر الهوى و سفيرًا

بيت آسر ، لسفير بين الحرف و السطر ، سفير يعرف كيف يقطع شوطه من هنا لهناك ، كيف يجعل المسافة بين السطر الجديد و النقطة مسافة عامرة بالشجون ...
فيقول في " حُزْن " :
أحسُّ بالحزن حتى الحزن يشعر بي
و أحسُّ بالضيق حتى الضيق مني ضاق
دارت بي الأرض و أصبح شرقها غربي
و غابت الشمس و توارت ورا الآفاق

ثم يسرد نهاية غير متوقَّعة ، ثم يسدُّ النبع الذي فتحه في بداية الكتاب ، يغلق بوجه القارئ بوابة بلاهة العاشقين ، يأتي بالحقيقة و فقط ، يدلي بالواقع الأصفر ، يترنَّم بصوت أعلى من نوح الوهم ، يكاد القارئ يسمع صيحته فيتجمَّد مكانه ، بينما الشمس تشعُّ بحدَّة ، و تتهدَّم البيوت المهجورة .

نُقْطَة ، سَطرٌ طَوِيل قَاحِل مُكْفَهِر

للكتاب أعطيتُ أربعة و نصف من خمسة ، النصف للثقل في الجزء الأول من الكتاب ، و لقليل من العبارات المكرَّرة ، المدهش أن الكاتب يقول أن هناك جزء مبتور من نص قصيدة ، بصراحة دهشت و فكَّرتُ : ماذا تبقَّى ليقال في هذا المقام ؟!
للكاتب كتاب تحت الطبع بعنوان : " رسائل البرق للمطر " ، و في تغريدة اقتطع نصًا من كتاب آخر يعمل عليه و أطلق عليه هاشتاق #امبراطورية_ن .
بصدق أنا في حماس للقراءة أكثر للكاتب ، كونه هنا في عدن يجعله أكثر عرضة لتشوُّقي لجديد قلمه ، في هذه الأجواء كيف يكتب ؟ و ماذا ؟ ، أودُّ لو أقرأ كثيرًا لنصوص الأدباء الذين يعيشون هنا ، كونهم مغمورين ، غير مدعومين من أحد ، و كون الكتابة و الأدب هنا يعتبر من الأشياء الغريبة التي تمارس بندرة شديدة ، لأنَّ استخدامها بهذه الكثافة يعتبر مجازفة ماديَّة عظيمة فهي لا تعد بالكثير لعدم وجود الداعمين .

على كلٍّ برأيي أحببتُ أن أدعو كاتب " آخر النساء " شاعرًا أكثر من كاتب ، إذ أن أبياته الشعرية مصقولة أكثر من نثره ، و في كل الأحوال أقف أمام قلمه الفنَّان ، و أشعر بالفخر كونه في عدن ، عنصرية ؟ مبالغة ؟ شيء من هذا القبيل ...

خسوف - الجزء الثالث - سلسلة الشفق

أسماء بنت 23 يونيو 2020

( تقييمي للكتاب
  )

الشفق - الجزء الأول - سلسلة الشفق

أسماء بنت 23 يونيو 2020

( تقييمي للكتاب
  )
عرض المزيد