اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إن العيوب الجسمية والمظهرية من أهم موضوعات السخر وأكثرها رواجاً لدى الكُتّاب والشعراء. ومن هذه الأنماط نماذج عديدة ملأت عصر الجاحظ فكتب عنها، وقال عن نفسه ذات مرة: ”إنه وصف للخليفة المتوكل، أحد أولاده، فلما رأى الخليفة صورته استبشعها، فصرفه.”
اشتهر العصر العباسي بغرابة الطباع والأخلاق، فجاء الجاحظ بنقده وسخره ليبرزها محاولة لأصلاحها. وكان من أشهر تلك الطباع، وأبرز تلك الأخلاق التي تهكم بها:
كثر البخلاء في عصر الجاحظ، وامتلكوا الثروات وتحكموا بأموالهم في المجتمع حيث أن التاجر الرابح يضن ويبخل على غيره. ولقد أفرد الجاحظ للبخيل كتاباً خاصاً، وهو كتاب البخلاء، فيه يصور حرص مجتمعه وشحهم، وجعل الدرهم عند البخيل يساوى دية مسلم، فيقول: ”الدرهم عشر العشرة، وأن العشرة عشر المائة، وأن المائة عشر الألف، وأن الألف عشر العشرة آلاف، أما ترى كيف ارتفع الدرهم إلى دية المسلم؟“
كان المرائي محلاً للسخر والتندر عند الجاحظ، فقال عن قاسم التمار، حين: ”أقبل على أصحاب له وهم يشربون النبيذ، وذلك بعد العصر بساعة، فقال بعضهم: قم صل فاتتك الصلاة! ثم أمسك عنه بساعة، ثم قال لأخر: قم، صل، ويلك، فقد ذهب الوقت. فلم أكثر عليهم في ذلك وهو جالس لا يقوم يصلي، قال له واحد منهم: أنت! لم لا تصلي؟ فأقبل عليه، فقال: ليس، والله، تعرفون أصلي في هذا قلت: وأى شيء أصلك؟ قال: لا نصلي، لأن هذه المغرب قد جاءت.“
سخر الجاحظ من الذين يحبون أن يأخذوا دون أن يعطوا، ويتنكرون لمن يسدي لهم الجميل.
قال الجاحظ، ساخراً من المهملين الذين لا يتثبتون من كلامهم ويلقونه دون فحص أو تمحيص: ”إن بعض أصحاب التفسير يزعم إن الله عاقب الحية، حين أدخلت إبليس في جوفها، حتى كلم آدم - على لسانها - بعشر خصال، منها شق اللسان، قالوا: فلذلك ترى الحية أبداً إذا ضربت لتقتل، كيف تخرج لسانها، لتري الظالم عقوبة الله لها، كأنها تسترحم، وصاحب هذا التفسير لم يقل ذلك إلا لحية كانت عنه تتكلم.“
سخر الجاحظ من القصور العقلي وما يندرج تحته من الحمق، والجهل، والغفلة، والتناقض، وكذلك سخر من الذين يظهرون بمظهر العقلاء والحكماء فقال الجاحظ: ”قال أبو الحسن: جاء رجل إلى رجل من وجوه القوم، فقال: أنا جارك، وقد مات أخي. فمر لي بكفن. فقال: لا والله، ما عندي اليوم شيء، ولكن تعهدنا، وتعود بعد أيام، فسيكون ما تحب. قال أصلحك الله! فنؤجله، إلى أن يتيسر عندكم شيء؟!“ و من ألوان السخف والقصور العقلي التي حفل بها أدب الجاحظ ونالت قسطاً وفيراً من عبثه وسخره، الجهل والغفلة، والخرافات والتحايل والخداع، واللعب بعقول الناس، والتلاعب بالألفاظ.