اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بدأ الإمام البُخاريّ بحفظ الحديث وهو في سنّ العاشرة، وبعد العاشرة خرج من الكُتّاب، وفي سِن الحادي عشر من عُمره كان يُصحّح للعُلماء الأسانيد التي يُخطئون بها، فقد سمع رجُلاً يقول: "سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ"، فقال له: إنّ أبا الزُبير لم يروِ عن إبراهيم، ولمّا بلغ من العُمر ستَّ عشرة سنة حفظ كُتب ابن المُبارك ووكيع، وعرف كلامهم، ثمّ خرج مع أُمّه وأخيه إلى مكّة للحج، وبقي فيها لطلب الحديث، وهنا بدأت مرحلة اتّصاله بالعالم الخارجيّ في طلب الحديث، والقُرب من العُلماء والشَيوخ، فسمع من شِيوخ نيسابور من يحي بن يحي، وبالرّي من إبراهيم بن موسى، وفي بغداد من مُحمد بن عيسى الطباع، ومُحمد بن سابق، وبالبصرة من أبي عاصم النبيل، ومُحمد بن عرعرة، وبمكة من أبي عبد الرحمن المقرئ، وخلاد بن يحي، وبالمدينة من عبد العزيز الأوسيّ، وأيوب بن سُليمان بن بلال، وبمصر من سعيد بن أبي مريم، وأصبغ، وغيرهم، وبالشام من أبي اليمان، ومُحمد بن يوسف الفريانيّ، وغيرهم، وقال عن نفسه: "كتبتُ عن ألفٍ وثمانين رجُلًا ليس فيهم إلا صاحب حديث".
ورحل من مكة بعد سماعه من شيوخها كالحُميديّ وغيره، فارتحل إلى المدينة، ثُمّ رحل إلى غالبية مُحدثي الأمصار في خُراسان، والشام، ومصر، وبغداد وغيرها من مُدن العراق، فاجتمع إليه أهل بغداد، واعترفوا له بالفضل في علم الرواية والدراية في الحديث، ثُمّ ارتحل إلى بلخ، ونيسابور، والرّي، وغيرها.
ألَّف الإمام البُخاريّ الكثير من المُؤلّفات والمُصنّفات، وساهم في النُهوض بالحركة الحديثية، فألَّف في الحديث، ورجاله، وعِلَلِه، وأشهرها كتابه الجامع الصحيح، وألَّف أيضاً الأدب المُفرد، ورفع اليدين في الصلاة، والقراءة خلف الإمام، وبر الوالدين، والتواريخ الثلاثة؛ الصغير، والأوسط، والكبير، والضُعفاء، والمتروكين، وخلق أفعال العباد، والجامع الكبير، والمُسند الكبير، والتفسير الكبير، والأشربة، والهبة، وأسامي الصحابة، وله أكثر من عشرين مُؤلَّفاً.
يُعدّ كتاب صحيح البُخاريّ أصحّ كتابٍ بعد القُرآن الكريم، وكانت طريقته في التصنيف أنّه يُكرّر الحديث، أو يُقطّعه ويُفرّقه على الأبواب، ويستنبط منه الفوائد والأحكام الخاصة بذلك الباب، وطريقته في التكرار لم تكن تكراراً حقيقيّاً؛ لأنّه كان يُخرّج الحديث في كُل موضعٍ من طريقٍ آخر غير الطريق الذي رُوي به الحديث السابق، وقد اهتمّ المُسلمون والعُلماء على اختلاف مذاهبهم وطبقاتهم بكتابه الصحيح من حيث السماع، والرواية، والضبط، والكتابة، والشرح، والتراجم، وقد ذكر الأُستاذ عبد الغني بن عبد الخالق أنّ عدد شروح كتاب البُخاريّ إحدى وسبعين شرحاً، وتُعدّ رواية محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري الرواية التي اتّصلت بالسماع في هذه العُصور وما قبلها، ومن مُميّزات كتاب صحيح البُخاريّ جمعه بين الرواية والدراية، مما جعل العُلماء يُقبلون عليه ويعتنون به، ويقومون بشرحه، فمن أشهر هذه الشُروحات كتاب فتح الباري للحافظ أحمد بن حجر العسقلانيّ؛ فقد قام بخدمته والعناية به، وأحسن فيه غاية الإحسان.