English  

كتب مختارات من أشعار العرب

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

مُخْتَـــارَاتٌ مِنْ أَشْــــعَارِ الْعَـــرَبِ (كتاب)


مكانة الشّعر عند العرب
الشِّـعرُ ديوان العرب، به حَفَظوا أنسابَهم، وكتبوا مآثرَهم وأيامَهم، ومن خلالِه ربّوا أبناءَهم، فكانتْ هذه الأخلاق والشِّـيم العربية الأصيلة التي أقرّها الإسلامُ وحثَّ عليها الشَّـرعُ الحنيف، وقد ذكر الذهبيُّ في "السِّيَر" عن عوف بن نعمان الأشجعي أنهم كانوا في الجاهليَّة يقولون: لأن يموتَ الرجلُ عَطَشَـاً أحَـبُّ إليه من أن يُخلفَ وعدَه، وعن عوف بن النعمان الشيباني أنه قال في الجاهلية الجهلاء: (لأن أموتَ عَطَشَـاً، أحبُّ إليَّ أن أكونَ مِخلافَ المَوعدة)... الأمثال، لأبي عُبيد بن سلام، ص71
وفي أخبار القضاة لوكيع الضَّبي عن أبي طُوالة عَبْد اللهِ بْن عَبْد الرحمن – وكان قاضيَ المدينةِ المنورة في عصر سليمان بن عبد الملك – قال: "يا ليتَ لنا أخلاقُ آبائنا في الجاهلية مع إسـلامِنا"... جـ1 صفحة 147
وذكر ابنُ عبد ربه في العُقْـد الفريد جـ6 صفحة 3:
وقال بعضُهم: وَدَدُّتُ أن لنا مع إسـلامِنا كرمَ أخلاقِ آبائنا في الجاهلية: ألا ترى أن عنترةَ الفوارس جاهليُّ لا دينَ له، والحسنَ بنَ هانئ إسلاميُّ له دِينٌ، فمَنَـعَ عنترةَ كرمُـه ما لم يمنعِ الحسنَ بن هانئ دينُـه، فقال عنترةُ في ذلك:
وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي. حَتّى يُواري جارَتي مَأواها
وقال الحسنُ بن هانئ مع إسلامِـه:
كانَ الشَبابُ مَطِيَّةَ الجَهلِ = وَمُحَسِّنَ الضَحِكاتِ وَالهَزلِ
وَالباعِثي وَالناسُ قَد رَقَدوا = حَتّى أَكونَ خَليفَةَ البَعلِ
وحين دخل الحارثُ بنُ نوفل بابنه على معاويةَ، فسَأله: ما علمتَ ابنَـك؟ قال: القرآنَ والفرائضَ. قال: رَوِّهِ من فصيحِ الشِّـعر، فإنه يُفتحُ العقلَ، ويُفصّحُ المنطقَ، ويُطلقُ اللسانَ، ويدلُّ على المروءةِ والشجاعةِ، ولقد رأيتُني ليلةَ صِفّين وما يحبِسُـني عن الفِرار إلا أبيات عمرو بن الإطنابة:
أبَـتْ لي عِفّتي وأبَى بلائي *** وأخذي الحمدَ بالثمنِ الربيحِ
وإِقْدامِي على المَكْرُوهِ نَفْسِي *** وضَرْبِي هامَةَ البَطَلِ المُشِيحِ
وَقَوْلِي كلَّما جَشَـأَتْ وجَـاشَـتْ *** مَكانَكِ، تُحْمَدِي أَو تَسْتَرِيحِي
لأُكْسِبَها مآثِرَ صالِحاتٍ *** وأَحْمِي بَعْـدُ عن عِـرْضٍ صَحِيحِ
بِذِي شُطَبٍ كمِثْلِ المِلْحِ صافٍ *** ونَفْسٍ ما تَقِـرُّ على القَبيحِ (البداية والنهاية 11/369)

ولذا فقد جمعتُ هذه القصائدَ لنفسي وولدي أولاً، ولتكون أثراً صالحاً يأتيني خيرُها وثوابُها بدار الحق، وأظنُّها خيرَ ما قالتِ العربُ، وإني أوصي أولادي بدراستِها وحفظِها لما فيها من آدابٍ جليلةٍ وخصالٍ كريمةٍ وعاداتٍ صالحةٍ، جُبلتْ عليها العربُ دونَ سائرِ الأمـم، فاختارها الله للوحي والرسالةِ فكانتْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، هذا ولم أستوعبْ كلَّ ما قالَه الشعراءُ ولا مِعشــارَه، ولكني اكتفيتُ بذكر صالح أشعارهم وأشـرتُ إليهم للتنبيه ولفتِ الأنظار والتعريف بهم وحثِّ القارئَ على البحث والتقصي للاســتكمال والاســـتزادة.
أَبُو جَـاسِـرٍ مُحَمَّــدُ مُصْطفَى عَفِيفِي
الجمعة 23 جمادى الآخرة 1445 هـ ، 5 يناير 2024م