اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تألّفت اللجنة الدوليّة التي كُلفت بتسوية المشكلة اللبنانية، من خمس دول أوروبية هي فرنسا وبريطانيا وروسيا وبروسيا والنمسا، ومن الدولة العثمانية أيضًا. وبدأت اجتماعاتها في الخامس من أكتوبر سنة 1860 في بيروت. وكان من أبرز أعضائها رئيسها فؤاد باشا مندوب السلطان ووزير الخارجية العثماني، والأستاذ دوفرين مندوب بريطانيا. وكانت مهمة اللجنة تشمل ثلاثة حقول هي: إقرار الأمن ومعاقبة المذنبين، وإغاثة المنكوبين والتعويض عليهم، ووضع نظام جديد للحكم في لبنان. ولكن فؤاد باشا لم يترك للجنة مجالاً واسعًا للعمل في الحقلين الأولين، لأنه كان قد وطّد الأمن وعاقب المذنبين وقدّم بعض الإغاثة للمنكوبين قبل وصول المندوبين الدوليين إلى بيروت. لذلك صرفت اللجنة بعض الوقت على هذه الأمور، ثم انتقلت إلى موضوع نظام الحكم الذي استأثر إعداده بمعظم جهود المندوبين ووقتهم.
كان كل مندوب في اللجنة الدولية يسعى إلى جعل مقررات اللجنة تخدم مصالح بلاده في لبنان، فقد حاول فؤاد باشا أن يُضيّق مجال التدخل الأوروبي ويُبعد جميع الحلول التي تُضعف السيادة العثمانية على لبنان. وكان مندوب فرنسا يطلب تشديد العقوبات وزيادة قيمة التعويضات للمسيحيين وتوسيع حدود لبنان، لاستقطاب وداد الموارنة وتأييدهم لفرنسا. أما مندوب بريطانيا فكان، بعكس المندوب الفرنسي، يسعى إلى تخفيف الأحكام وتضييق رقعة لبنان خوفًا من توسع النفوذ الفرنسي في الشام. وبعد جلسات عديدة دامت بضعة أشهر، اتفقت الدول الست المشتركة في اللجنة على جعل جبل لبنان "متصرفيّة"، وعلى تضييق حدوده بإخراج مدن بيروت وطرابلس وصيدا وصور ومناطق عكار والبقاع ومرجعيون وجبل عامل، وعلى أن يحكمه متصرف مسيحي عثماني غير لبناني وغير تركي يُعينه الباب العالي بموافقة الدول الخمس.
أمّا عن سبب تسمية حاكم الجبل باسم "متصرّف" والجبل ككل باسم "متصرفيّة"، فإنه يعود لاختلاف أعضاء اللجنة الدولية على اختيار اللقب الذي يُطلق على من يلي المنصب الأول في حكومة لبنان، فلم يوافقوا على لفظة "أمير" لأنها بمفهومهم تخدش آذان الباب العالي وتذكره بإمارة لبنان التي سعى جهده للتخلّص منها. ولم تعجبهم لفظة "والٍ" لأنهم كانوا يريدون بزعمهم أن يجعلوها فوق لقب الولاة العثمانيين الذين كانوا يحكمون الأقاليم المجاورة للبنان من بلاد الدولة، ولم يستحسنوا لقب "حاكم" لتوهمهم أنه لقب مبتذل لكثرة شيوعه واستعماله، ولم يروا لقب "رئيس جمهورية" موافقًا لأنه من الألقاب التي لا توافق عليها حكومة الآستانة. وبعد الأخذ والرد طوال أسبوعين أُلهم أحدهم اقتراح لفظة «Plénipotentiaire» الفرنسية، التي ترجمها لهم معاونوهم من الكتّاب العرب باسم "متصرّف"، وعرض فكرته هذه على زملائه، فوافقوه عليها لاعتقادهم أنها تفي بالمرام.
كُتبت المبادئ التي توصّل إليها المندوبون في صيغة رسمية اشتهرت باسم "پروتوكول سنة 1861" وتمّ التوقيع عليها في التاسع من يونيو من السنة ذاتها. وتم الاتفاق أيضًا على أن يوضع هذا النظام الذي نص عليه الپروتوكول تحت التجربة حتى سنة 1864، وعُيّن داود باشا الأرمني الأصل، متصرفًا لمدة ثلاث سنوات، يُقدم عند انتهائها تقريرًا عن مدى صلاح هذا النظام ونجاحه. عندما انتهت ولاية داود باشا التجريبية عام 1846، حمل إلى الآستانة تقريرًا طلب فيه تعديل بعض نصوص النظام الأساسي، فوافق الباب العالي على قسم من اقتراحاته، وجُددت ولايته لمدة خمس سنوات أخرى. نُشر النظام الأساسي لجبل لبنان بعد تعديله والتوقيع عليه من قبل القوى العظمى، في السادس من سبتمبر سنة 1864 في ثماني عشرة مادة، تضمنت تنظيم الإدارة في المتصرفيّة، ومن أهم ما جاء فيه: