English  

كتب ضم دمشق

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

ضم دمشق (معلومة)


استغلَّ بلدوين الثالث ملك بيت المقدس الأوضاع المُضطربة والفوضى السياسيَّة القائمة في الدولة الفاطميَّة (مُنذُ النصف الأوَّل من القرن الثاني عشر الميلادي) لِيُوجِّه نشاطه الحربي إلى مصر ويقضي على أحد أبرز معاقل المُسلمين الذي يُمثِّلُ خزَّانًا بشريًّا هائلًا يُمكن أن يُهدد الصليبيين في الشَّام بحال اتحد المُسلمون في البلاد سالِفة الذِكر وفي مصر، وكي يُمهِّد لِهذه العمليَّة كان لا بُدَّ لهُ من الاستيلاء على عسقلان، وهي القاعدة الوحيدة التي بقيت لِلفاطميين بِفلسطين، ويتخذها قاعدةً للانطلاق نحو مصر، فظهر أمام أسوارها في شهر ذي الحجَّة سنة 547هـ المُوافق فيه شهر آذار (مارس) سنة 1153م، وحاصرها بضعة أشهر حتَّى اضطرَّت حاميتها إلى التسليم لقاء الأمان، ودخل الصليبيُّون إلى المدينة يوم 30 جُمادى الأولى 548هـ المُوافق فيه 22 آب (أغسطس) 1153م. قوي الصليبيُّون بِمُلكهم عسقلان، وأصبحوا على جانبٍ كبيرٍ من البأس، فطمعوا بِدمشق، واستضعفوا حاكمها مُجيرُ الدين أبُق البوري، وتابعوا الغارات على أعماله، فسارع الأخير ومُستشاريه إلى الارتماء في أحضان الصليبيين حرصًا على سلامتهم، فدخلت المدينة تحت حماية الإفرنج، وتقرَّر أن يدفع الدمشقيُّون ضريبة سنويَّة لهم. كانت ردَّة الفعل قويَّة عند نُور الدين محمود لِسُقُوط عسقلان، إذ فتحت بابًا جديدًا لِلصراع بينه وبين مملكة بيت المقدس، بعد أن خطا الصليبيُّون خُطوةً إلى الأمام نحو أبواب مصر التي لم تكن مُوصدة بِإحكام، كما أثارت هذه الكارثة طُمُوحه لِتوحيد الشَّام - كما أراد والده عماد الدين قبله - عبر القضاء على البيت البوري في دمشق، وقد مالت الكفَّة لِصالح الزنكيين هذه المرَّة بسبب موقف أهالي دمشق من حاكم مدينتهم ومن الصليبيين، إذ ضاقوا ذرعًا بِالأخيرين وقلَّت حُرمة مُجيرُ الدين عندهم بعد أن برهنت الأُسرة البوريَّة على خيانتها لِلمُسلمين.

بناءً على هذا، عمل نور الدين على تهيئة الظُروف التي تُمكِّنه من دُخُول المدينة دون مُعارضة أو متاعب يُسببها له البُوريُّون، فتقرَّب من مُجيرُ الدين أبُق وأوهمه بِرغبته في تناسي الماضي، وأظهر لهُ المودَّة، ووصله بِالهدايا حتَّى وثق به. وحرص في الوقت نفسه على الإيقاع بينه وبين كبار رجال دولته المُعارضين لِلمشروع الزنكي بِضم دمشق إلى الجبهة الإسلاميَّة المُوحدة، والذين كانوا يُوالون الصليبييين، فكان يبعث إليه بِرسائل بين الحين والآخر يُخبره بِأنَّهُ تلقَّى عُروضًا من بعض أُمراء دمشق لِلتدخُّل ضدَّه، ولكنَّهُ رفض ذلك حرصًا على المودَّة التي يُكنَّها له. نجحت خطَّة نور الدين في تحقيق الأهداف التي أُعدَّت لِأجلها، فقد وقع الخلاف بين مُجيرُ الدين أبُق وأعوانه، فقبض على كثيرٍ من رجال دولته وقتل بعضهم وسجن بعضًا، وأبعد البعض الآخر عن مناصب الإدارة، كما قتل مُستشاره المُقرَّب عطاء بن حفَّاظ السلمي، الذي كان من أشد الناس دهاءً وجُرأة وحرصًا على استقلال دمشق، فوقف على أهدف نور الدين محمود ومراميه وتصدَّى له، لِذلك سعى نور الدين لِلإيقاع به عند مُجير الدين أبُق الذي لم يحجم عن قتله، وهلَّل أهالي دمشق لِهذا وفرحوا لِأنَّ المقتول كان قد مدَّ يده في الظُلم، وأفرط بِالاحتجاب، وقصَّر في قضاء الأشغال، فنهب العوام بُيُوته وبُيُوت أصحابه ما أن أُعدم. واستمرَّت حالة الغليان الشعبي في دمشق نتيجة إقدام مُجير الدين أبُق على إنزال العقاب ببعض الأهالي ظنًا منه أنَّهم يتآمرون عليه، ففقد الأخير عطف الخاصَّة والعامَّة من أهل المدينة، الذين تحوَّلت أنظارهم إلى الزنكيين كمُخلصين، حتَّى أنَّ الشاعر ابن مُنير الطرابُلسي قال قصيدةً يمدحُ فيها نُورُ الدين، ويذكُرُ لهُ دمشق، ويُحرِّضه على أخذها:

ولمَّا أيقن نُورُ الدين محمود من تأزُّم الوضع الداخلي، وأنَّ الظُرُوف باتت مُهيَّئةً لِتدخُّله، وأنَّهُ لن يُواجه مُقاومة داخليَّة، راسل الأحداث في دمشق، ووعدهم بِالإحسان إليهم ورفع الظُلم عن الناس، واستقطبهم إلى جانبه، فوعدوه بِالتسليم إليه. ولمَّا حضر نور الدين إلى دمشق أدرك مُجيرُ الدين أبُق أنَّهُ وقع في الفخ، فرفض فتح الأبواب وتسليم المدينة، وأرسل يستنجد بِحُكَّام مملكة بيت المقدس، مُتعهدًا بِمنح بلدوين الثالث الأموال، وقلعة بعلبك، وبعض مناطق سهل البقاع وفيرة الإنتاج، إن هو صدَّ الزنكيين عن دمشق. وفي الوقت الذي أبطأ فيه بلدوين الثالث لِنجدة البوريين، كان نور الدين وجيشه قد دخلوا المدينة عن طريق أعوانه من حرسها وأهلها بعد مُناوشاتٍ مع جيش مُجير الدين أبُق الذي عجز عن دفع الهُجُوم، واحتمى بِالقلعة، ثُمَّ استسلم خِلال بضع ساعات، فأبقى نور الدين على حياته وأقطعهُ حِمص وأعمالها، فتولَّاها بضعة أسابيع ثُمَّ قرَّر أن يُغادرها إلى بغداد حيثُ عاش فيها حتَّى وفاته. أمَّا نُور الدين فقد استقبلهُ أهلُ دمشق بِكُل مظاهر الفرح، فبادر إلى إغراق المدينة بِالمُؤمن، وألغى المُكُوس المفروضة على الخُضار والغِلال، مما جعل الدماشقة، يركنون إليه ويطمئنون إلى حُكمه. وبِضمِّ دمشق، صفت الممالك بِالشَّام لِنُور الدين محمود، وقامت دولة إسلاميَّة مُتحدة قادرة على ضرب الصليبيين في عقر دارهم، وأخذ نجمُ نُور الدين في الصُعُود.

المصدر: wikipedia.org
 
(1)
دمشق

دمشق