English  

كتب شاي بنكهة من نور الضحى

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

شاي بنكهة من نور الضحى (معلومة)


إذا سرت بمحاذاة سور حديقته ستراه جالسا حت ظل تمارا على الكرسي القش الأصفر العتيق، يحتسى شايا بنكهة من نور الضحى في كوب من الفخار تحطمت أذنه فأصبح في نظره أكثر جاذبية، تحت قدميه استكانت قطة يصفها بأنها"وقورة، جادة، متكبرة"..سيدعوك للدخول فتجلس إلى جانبه واستمع إليه وهو يصف الكون بألوانه المتناغمة وروائحه الزكية ومشاهده البسيطة الجميلة، واستمتع بحواراته الفلسفية الممتعه مع الضفدع"ضفدوع" و القطة"مونى" و الكلب"فيدو" و "تمارا" شجرة التمر حنة و "زهيرة" شجرة الليمون البنزهير و "رينا الكازورينا" و "ليفا الأكاليفا" ، و لا تشغل بالك بأسباب اختيار أسماء هذه الكائنات لأنه لديه كل الحجج المقنعه، مثل: "شجرة تمر حنة ح أقول لها إيه الا يا تمارا؟"
يعتبر هذا الكتاب تجربة إنسانية عميقة لإنسان"شاعر، و فنان تشكيلى ممتاز، وصوفى يعيش الظاهر والباطن معا، ولسان عذب، وصبر يحتمل المكاره في هدوء ويجد للناس جميعا عذرا فيما يرتكبون من حماقات، وفهم ومعرفة كبيران بعالم الحيوان، و امتداد واضح إلى التاريخ"
محمد عفيفي ليس مجرد كاتب ساخر هدفه أن يدفعك للإبتسام، لا تنخدع ببساطته ولا مبالاته فهما يخفيان وراءهما بصيرته النفاذة وفلسفته في الكون، و الكتاب بلوحاته الدقيقة كالمنمنمات، هو سيمفونية من عناصر جمال الكون صاغها االكاتب بحب عميق للخالق وكل ما هو مخلوق، وذلك من خلال جلسته في الحديقة وتوالى فصول السنة الأربعة والتغيرات التي تحدثها تلك الفصول في الحديقة بنباتاتها وحيواناتها وحتى في الأفراد القلائل الذين ارتبطوا بها، لذا فالحب هو التيمة الأساسية في ذلك العمل الجميل االذي يحس بطله بجمال كل شيء حوله حتى وإن كلح لونه أو علاه الصدأ أو اصفرت أوراقه أو زحفت عليه التجاعيد.
هو اذن يحب كل أشجار الحديقة والقطة العجوز والكرسي القش الأصفر الأجرب والفوتيه اجلد الذي تحول لونه من الأزرق الداكن إلى اللبنى، والكوب الفخار الذي تحطمت أذنه وأخيرا زوجه " الحاجة أمينه" الغزال الأسمر الذي لم يعد غزالا بل مخلوقا مهزوما يحاول بالكاد أن يتعايش مع خسارتها في ولديها، الأكبر الذي فقد في صحراء سيناء و الأصغر الذي فقد في "صحراء" الغرب، و الروماتيزم و الضغط..فيقف بجانبها ويحاول أن يخفف عنها محنتها متظاهرا بالتماسك رغم الألم الشديد الذي يعتصره فيخفى عنها أن ابنها الأكبر غالبا قد مات محترقا بقصف الطيران الاسرائيلى، أما الأصغر الذي "هج" لتحقيق حلمه في الثراء والنجاح في بلاد الغرب عن طريق غسل الصحون في أحد المطاعم فيهّون عليها:"فلا مناسبة لأن تتخيل ولدها وقد أمسك بليفة بريطانية وراح يدعك بها صحنا نجسا بما يحمل من آثار شحم الخنزير". و هي لا تدعو لزوجها الفيلسوف الساخر سوب ب"ربنا يكملك بعقلك" متضجرة بحواراته مع القطط و الأشجار و الطيور و الكلاب و الزواحف ، و غرابة أطواره، ولكنه يرى في هذا كل الحب، وهو لا يتوقف عند ألمه العميق وإنما يذكره عرضا بدون أي ميلودراما أو رغبة في ابتزاز القارئ طلبا لأي قدر من التعاطف معه، فتتوقف عند ذلك الألم الإنساني النبيل لا تدرى كيف تعبر له عن حزنك، بينما يكون هو قد انتقل إلى ركن آخر من أركان تجربته الإتسانيه الفريدة بأسلوب رشيق وعذب لأنه جميل، فلا يرى سوى الجمال. و لأنه خيِّر فلا يرى سوى الخير.
الحديقة عند محمد عفيفي ليست مجرد مكان، أو ستارة خلفية لمسرح الحدث، إذ هي المحور الرئيسى لأحداث السرد. و من خلال ارتباط الرواى بشخصها وتغيراتها عبر فصول العام تتجسد الرواية ويدور الحدث في إطار دائرى، كذلك تقوم الحديقة بدور الوسيط بين كل عناصر الكون فتكتسب تأملاته بعدا صوفيا عميقا يطوق الحديقة بصفة القداسة الدينية التي تتحول إلى واقع تتقبله بارتياح كل شخصيات العمل حتى الكلب ""فيدو" يذعن لأوامر الحاجة أمينة بالابتعاد عن الحديقة الطاهرة حتى لا يدنسها فلا يدخلها الا رغبة في تحقيق آخر حلم له قبل أن ييقتله اللصوص وهو يحرس الشونة.
أما دورة الزمن في الحديقة فترتبط ارتباطا وثيقا بجماليات المكان، مادية كانت أم معنوية، وبارتباط هذين المحورين، و الزمان و المكان تتفجر موهبة عفيفى في وصف علاقتهما البدائية primordial و تأثير كل منهما على الآخر في اختلاف الليل والنهار وتعاقب الفصول وما ترتب على ذلك من تغيرات جمالية لها دلالات نفسية، فلا يمكن أن تنسى وصف محمد عفيفى لتحول أوراق الكازورينا طوال العام، أو دقته في تصوير حركة الفراشةفي أحواض زهور الحديقة، واستقبال الأشجار للشتاء، وكأنهن نسوة في حالة حداد. هناك العديد من الأمثلة التي يزدان بها الكتاب ، و لكنه يبلغ أقصى درجات التمكن من أدواته ككاتب قادر على تطويع عنصري الزمان والمكان لخدمة النص في لوحتين قصيرتين"الولد يلعب" و "الياسمين على البساطة" ، في اللوحة الأولى يعبر حاجز الزمن من وإلى الحاضر من خلال وصفه لزوجه كطفلة في الستين، نائمة، يتمنى أن تكون تحلم بولدها الذي في كاليفورنيا لا ذلك الذي احترق في سيناء ،و يتذكر" هذه العجوز المسكينة شابة حلوة شهية مليئة برغبة الحياة، وبالطفل الذي قدر له فيما بعد أن يضيع". و في عودة للماضي، سلسلة ملساء كالمخمل يصف فرحة هذه الشابة بحركة جنينها في رحمها و إشراكها جميع الأهل و الأحباب في فرحتها ثم من خلال صورتين متجاورتين لذلك "الولد" يعود بنا الكاتب الكبير إلى الحاضر وحزنه الهادئ الرقراق على فراق الشاب الوسيم صاحب الصورة. أما في اللوحة الثانية"الياسمين على البساطة" فهو يصف في حب قسوة رياح الربيع الساخنة على "صديقته" شجرة الياسمين و احتضار زهورها البيضاء الرقيقة على بساط غرفة نومه، وهو في اللوحتين، بل في الرواية بأكملها يظل مخلصا لاتجاهه الفلسفي المشوب بخفة ظل، وبراعة في الئغبحار في الزمان والمكان.
هذا الكتاب شحنة مُعدية من الحب، ويكفى أن تقرأ مقدمة الكتاب إلى كتبها الناقد الكبير على الراعى "طبعة دار الهلال" بكل حب للعمل ولصاحبه لتتأكد أن هذا الحب مبرر تبريرا قويا، ما عليك سوى أن تقلب صفحات الكتاب أو حتى تقرأ كلمة واحده حتى تقع في أسر لغته الجميلة وأفكاره السامية، وتشعر بروحك ترتقى في عالمه الصوفى، بذا تتحقق واحدة من أهم أهداف الأدب ذكرها "اونجينوس" Longinus عالم البلاغة اليونانى الذي عاش في القرن الثانى الميلادى و ينسب إليه كتاب "في السمو" On the Sublime، وهو يصل فيه العمل الأدبى بكل ما هو نبيل من فكر ولغة و شعور، ثلاثة محاور حافظ عليها محمد عفيفى ببراعة فائقة ليثير في نفس القارئ الرغبة في كل ما هو سام ومثالي و جميل.
و عندما تنتهى من هذا العمل تنظر حولك فترى كل الحب والجمال في وقفة زوجتك غزال الماضي أمام البوتاجاز، وتخلب لبك رائحة الطشطشة وبخار الحلل واصطكاك الكبشة بغطاء الحلة، وتتهلف لعودة "مقاصيف الرقبة" من المدرسة بأحذيتهم الموحلة وطلباتهم المادية التي لا ترحم جيبك، فترى زوجتك أجمل من كلوديا شيفر وأولادك انظر من أطفال اعلانات الشامبو المستورد. فتحتضنهم جميعا لتقول لهم "أحبكم" فينظرون لك نظرة صامتة مريبة تقول:"ربنا يكملك بعقلك" و لكن لا يهمك فحتما سيرون الحياة مثلك بعد أن تجمعهم في أمسية عائلية لتقرأ لهم ترانيم في ظل تمارا فيروْن الوجود مثلك ومثل رجل جميل اسمه محمد عفيفي

المصدر: wikipedia.org