اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
سورة الضحى سورةٌ مكيةٌ، مُحكمةٌ كلّها، يبلغ عدد آياتها إحدى عشرة آية، كان نزولها بعد سورة الفجر، وسمّيت بالضحى؛ لافتتاح الله -تعالى- السورة بلفظ الضحى، إذ قال: (وَالضُّحَى)، وقيل إنّ المقصود بالضحى النهار، وقيل بل الساعة التي سجد فيها السَّحرة بعد إيمانهم برسالة موسى -عليه السلام-، وقيل إنّ الضحى نور الجنة، أو نور قلوب المؤمنين.
لم يرد في فضل سورة الضحى حديث صحيح، إلّا أنّه يستحب التكبير عند الانتهاء من سورة الضحى وكل سورة بعدها حتى يختم القرآن في إحدى القراءات العشر وهي قراءة ابن كثير؛ والحكمة من التكبير أن فيه إظهار فرحٍ بعودة الوحي إلى النبي بعد انقطاعه كما سيرد لاحقاً، ويجدر بالذكر أنه لم يرد دليلٌ على قراءة سورة الضحى عند فقدان شيء أو ضياعه، فالأولى ترك تخصيص قراءة السورة بشيء لم يرد عليه دليل أو نص عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما من ناحية العموم فيجوز قراءة القرآن على سبيل التوسل إلى الله -سبحانه- لقضاء الحوائج، فذلك من التوسل بالعمل الصالح وهو مشروع.
تتعلّق سورة الضحى بسورة الليل السابقة لها ببيان أنّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- سيد الأتقياء والأصفياء، كما أنّ سورة الليل نزلت بشأن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وسورة الضحى بشأن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وبذلك يتّصل رضى النبي -عليه السلام- برضى خليفته، وقدم ذكر أبي بكر؛ لبيان أهمية إخلاص النيات والأعمال لله -سبحانه-، وفيما يأتي بيان الترابط بين آيات السورتين:
العلاقة بين سورة الضحى وسورة الشرح التي نزلت بعد الضحى، تتمثّل أنّ فيهما ثناءً من الله -جلَّ وعلا- على نبيه -عليه السلام-، ومواساةً له، وتثبيتاً لقلبه، ممّا يدل على صحة الرسالة التي بُعث بها محمدٌ -عليه الصلاة والسلام-، وصدق نبوته، وفي ذلك بيانٌ وتذكيرٌ بعناية الله -تعالى- لرسوله، وأنّه لن يقطع عليه الخير والفضل، بل يمنّ عليه بتيسير الأمور، ورفع الهمّ والحرج عنه.
أُصيب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بالهمّ والغمّ في بداية دعوته؛ لانقطاع الوحي؛ أي جبريل عنه خمس عشرة ليلةً؛ لحكمةٍ عَلِمها الله -عزّ وجلّ-، وقيل انقطع الوحي اثني عشر يوماً، وقيل خمسة وعشرين يوماً، وقيل أربعين يوماً، فبدأ كفّار قريش، ومنهم زوجة أبو لهب بالاستهزاء من الرسول، وتعييره بعدم نزول الوحي عليه، بقولهم: "ودّعك ربّكَ وقَلاك"؛ أي انقطع عنك، وقيل إنّ السيدة خديجة التي قالت له ذلك ألماً وحسرةً لا سخريةً منه، كما ورد في صحيح مسلم: (أَبْطَأَ جِبْرِيلُ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلَى*])، وورد أيضاً في صحيح البخاري: (اشْتَكَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ -أوْ ثَلَاثًا-، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي لَأَرْجُو أنْ يَكونَ شيطَانُكَ قدْ تَرَكَكَ، لَمْ أرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ -أوْ ثَلَاثَةٍ- فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَالضُّحَى واللَّيْلِ إذَا سَجَى، ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلَى})، وقيل إنّ سبب انقطاع الوحي عن الرسول موت جروٍ تحت الفراش في حُجرته، وبعد تطهير الحُجرة نزل الوحي على الرسول، وقال له جبريل: (إنَّا لا ندخُلُ بيتًا فيهِ صورةٌ ولا كَلبٌ).
افتتح الله السورة بالقَسَم؛ إذ أقسم بمتقابلين؛ أي متاضدين، فقال: (وَالضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى)، وهما: الضحى؛ وهو وقت شروق الشمس وسطوعها، وأقسم بالليل ممّا بعد غروب الشمس، وورد جواب القسم بطمأنة النبي -عليه السلام- أنّ الله لم يتركه، ولم يستغنِ عنه، ولم يُبغضه أبداً كما ادّعى المشركون، فقال: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)، وورد جواب القسم في قوله -تعالى-: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى)، وبيّن الله لنبيه محمداً أنّ ما أعدّ له في الدار الآخرة، من المقام، والحوض، والشفاعة، والخير العظيم؛ خيرٌ من الحياة الدنيا وما فيها، وقال -تعالى-: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)، فالله منح نبيه العديد من العطايا التي ستُرضيه وتُسعده، ثمّ عدّد الله -تعالى- نِعَمه على نبيه، قائلاً: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى*وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى*وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى)، فالله -سبحانه- يسّر لنبيه كفالة عمّه أبو طالب رحمةً منه، كما هداه إلى أمور الشريعة، ومنحه العلم الكثير، وأغناه عن السؤال والحاجة، وقد أوصاه بأمرين، قائلاً: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ*وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)، فأوصى الله نبيه بالرحمة والعطف على اليتيم، وأداء حقّه، وعدم غلبته، كما كان الله رحيماً بنبيه، إضافةً إلى عدم ردّ السائل، والحرص على البذل والعطاء، وقال الله في ختام السورة: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، ويُقصد بذلك تحديث النبي بالنبوة التي آتاها الله إيّاه، أو بكلّ النعم التي أنعم بها الله -سبحانه-؛ كتعليم القرآن، والشريعة، وبذلك تشمل النِعَم كلّ نعمةٍ ظاهرةٍ وباطنةٍ.
لسورة الضحى العديد من الأهداف والغايات، فيما يأتي بيان البعض منها:
نزلت سورة الضحى مواساةً لخير الخلق محمدٍ، عندما شقّ عليه فتور الوحي عدة ليالٍ، فأراد الله أن ينزع من قلبه اليأس، ويبعث فيه التفاؤل والأمل، ومن صور التفاؤل في السورة:
____________________________
الهامش
* ما ودّعك ربك وما قلى: أي ما تركك وما أبغضك الله يا محمّد -عليه الصلاة والسلام-.